Posted inقرارات تنظيمية

بموجب ضوابط جديدة.. الرقابة المالية تلزم الشركات بتسعير تأمين الائتمان على أسس اكتوارية

أجرت الهيئة العامة للرقابة المالية تحديثا شاملا لضوابط الاكتتاب والتسعير في وثائق تأمين الائتمان والضمان، يتضمن وضع حدود دنيا للتسعير الاكتواري، وحدود ملزمة لمخاطر التركز، مع إلزام الشركات بإجراء اختبارات ضغط، وفقا لبيان صادر عن الهيئة. ويسري القرار الجديد رقم 3132 لسنة 2026 على شركات تأمين الممتلكات والمسؤوليات المرخص لها بمزاولة تأمين الائتمان والضمان، باستثناء الائتمان والضمان التجاري سواء الداخلي أو ائتمان الصادرات.

أهمية الخطوة: تشهد خسائر تأمين الائتمان ارتفاعا ملحوظا؛ إذ قفز إجمالي التعويضات المسددة بنسبة 38.2% ليصل إلى 64.4 مليار جنيه خلال عام 2025، متجاوزا بكثير معدل نمو الأقساط البالغ 22.5% (130.8 مليار جنيه)، وفقا لبيانات الرقابة المالية. وفي قطاع تأمين الائتمان، قد يعني تفوق التعويضات على الأقساط أن وثائق التأمين سُعرت بتكلفة منخفضة للغاية لا تتناسب مع مخاطر التعثر. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في إحدى الشركات؛ إذ خفضت "أيه إم بست"، وهي أكبر وأقدم وكالة تصنيف ائتماني متخصصة في قطاع التأمين في العالم، تقييمها لقوة الميزانية العمومية للشركة المصرية للتأمين التكافلي إلى "ضعيف" في أغسطس الماضي، مشيرة إلى خسائر اكتتاب جوهرية في محفظة تأمين الائتمان الخاصة بها. وهذه هي المشكلة التي تسعى الهيئة لحلها الآن؛ فقد كانت القواعد القديمة المنصوص عليها في القرار رقم 193 لسنة 2022 (بي دي إف) تتضمن خمسة متطلبات أساسية فقط، لكنها لم تضع حدا أدنى للتسعير الاكتواري، أو حدود قصوى للتركز، أو تلزم الشركات بإجراء اختبارات ضغط.

السياق: يأتي هذا القرار كأحدث خطوة تنظيمية بموجب قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، ويسد فجوة تعمل الهيئة على معالجتها بندا تلو الآخر. ففي يونيو الماضي، شددت الهيئة قواعد الحوكمة، وألزمت بوضع سياسات معتمدة من مجالس الإدارات لرأس المال، والسيولة، والتعرض للأطراف المقابلة، واختبارات الضغط، وخطط الطوارئ. وبعد شهر واحد، أضافت متطلبات للاستعلام الائتماني، ومكافحة الاحتيال، واختبارات الملاءمة لوثائق التأمين على الحياة ذات القيم الكبيرة، لتواكب معايير الاكتتاب للأفراد مع النهج القائم على البيانات الذي تطبقه الآن على محافظ الائتمان. وتلزم هذه القرارات الثلاثة مجتمعة شركات التأمين بفهم طبيعة المخاطر التي تكتتب فيها، وتسعيرها بدقة، والاحتفاظ برأس مال وتغطية إعادة تأمين كافيين للصمود في حال أخطأت التقدير.

ما الجديد؟

الحد الأدنى للتسعير: يُلزم القرار الشركات بوضع سياسة مكتوبة للاكتتاب واعتمادها من مجلس الإدارة، ومنهجية فنية واكتوارية تضع الحد الأدنى للمعدل الفني لوثائق تأمين الائتمان والضمان. ويجب أن يراعي النموذج، كحد أدنى، احتمال التعثر، والتعرض عند التعثر إذا كان ملائما، ومعدلات الاسترداد، ونسبة التغطية، ونسبة التحمل، ومدة التمويل، وطبيعة الضمانات، وهامش الخطر، والمصروفات والعمولات، وتكاليف إعادة التأمين. ويمنع القرار الشركات من إصدار أو تجديد تغطية تأمينية بمعدل يقل عن الحد الأدنى للسعر الفني الناتج عن تلك المنهجية، لكنه يتيح لها تطبيق سعر تجاري أعلى.

نسبة التحمل والتركز: يُبقي القرار على إلزام المؤمّن له أو الجهة المانحة للائتمان بتحمل ما لا يقل عن 25% من الرصيد القائم من أصل التمويل وقت تحقق الخطر، ويُحظر التأمين على هذه النسبة أو إعادة توزيعها أو نقلها إلى الغير بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ورغم أن شرط نسبة التحمل كان موجودا بالفعل في قواعد 2022، إلا أن القرار الجديد يحظر صراحة أي ترتيبات جانبية (اتفاقات، ملاحق، تعهدات) من شأنها تعديل نطاق التغطية أو تخفيض نسبة التحمل.

حدود التركز: لا يجوز أن يزيد التزام الشركة تجاه عميل واحد أو مجموعة مرتبطة عن 10% من مبالغ تأمين الائتمان للمحفظة القائمة أو الأموال المخصصة للفرع، أيهما أقل. كما لا يجوز أن تزيد الأعمال المسندة للشركة من جهة إقراض واحدة عن 50% من مبالغ التأمين للبنوك، و30% لباقي جهات الإقراض، دون موافقة مسبقة من الهيئة. كذلك لا يجوز أن يتخطى حجم أقساط تأمين الائتمان والضمان 25% من إجمالي أقساط الشركة السنوية إلا بموافقة مسبقة. وتلتزم الشركات أيضا بوضع حدود داخلية لمخاطر التركز تتضمن على الأقل العميل الواحد والمجموعة المرتبطة والجهة المانحة للائتمان والقطاع الاقتصادي ونوع التمويل ومعيد التأمين، على أن تكون هذه الحدود أكثر صرامة من الحدود القصوى المذكورة أعلاه، مع الحفاظ على تناسب برامج إعادة التأمين مع حجم وطبيعة المخاطر التي تتحملها.

التحقق والمتابعة: تلتزم الشركات، في حال توافر خبرة تاريخية موثوقة، بمقارنة تكلفة الخطر المستمدة من النموذج المستخدم مع الخسائر التاريخية الفعلية للمحافظ المماثلة، وإجراء اختبارات خلفية، وتحقق دوري سنويا. ويجب على مجالس الإدارة اعتماد تقرير الخبير الاكتواري الذي يتضمن منهجية التسعير والحدود الدنيا للمعدلات الفنية والافتراضات والمعاملات المستخدمة وأسس المعايرة ونتائج الاختبارات، مع ضرورة إخطار الهيئة قبل العمل بالحدود الفنية. ويتعين على الشركة إعادة تقديم الدراسة والحدود الفنية إلى الهيئة مرة على الأقل سنويا أو عند حدوث تغير جوهري في خبرة الخسائر، أو معدلات التعثر والاسترداد، أو سياسة الاكتتاب، أو منهجية أو مصدر الاستعلام الائتماني، أو المنهجية الاكتوارية، أو الافتراضات أو المعاملات المستخدمة.

كما ينبغي على الشركات إجراء اختبارات ضغط وتحليل سيناريوهات لمحفظة تأمين الائتمان مرتين على الأقل سنويا، وكلما طرأ تغير جوهري على حجم أو طبيعة المخاطر. وتغطي الاختبارات معدلات التعثر والاسترداد والخسائر، وارتفاع التركز لدى جهة تمويل واحدة، وتعثر أو انخفاض تصنيف أحد معيدي التأمين الرئيسيين. ويحق للهيئة إلزام الشركة بتقديم خطة تصحيحية إذا أظهرت المؤشرات تدهورا في المحفظة.

الخطوة التالية

لم تُنشر القواعد الجديدة رسميا بعد. وبمجرد نشرها في الجريدة الرسمية، ستُمنح الشركات مهلة 6 أشهر لتوفيق أوضاعها. وستسري الضوابط الجديدة على الوثائق التي تُصدر لأول مرة أو تُجدد بعد انتهاء فترة السماح، دون المساس بالحقوق والالتزامات الناشئة عن الوثائق السارية حتى موعد تجديدها. وتعتزم الهيئة إصدار قرار لاحق يحدد بوضوح مفهوم التعثر وحالات إعادة الهيكلة وقواعد المنازعة في المديونية وإجراءات التصحيح والتحديث ومدة الاحتفاظ بالبيانات وضوابط سريتها، استعدادا لتسجيل بيانات التعثر أو التوقف عن السداد عبر منصة إلكترونية، وفق ما ذكره نائب رئيس الهيئة طارق سيف في البيان. في غضون ذلك، يعكف الاتحاد المصري للتأمين على إعداد مشروع للشروط النموذجية لوثائق تأمين الائتمان والضمان، لعرضه على الهيئة لمراجعته واعتماده.