Posted inطاقة

ما الذي تحتاجه مصر للعودة إلى تصدير الغاز؟

لا تنضب حقول الغاز بمرور سنوات إنتاجها الذهبية، فالبنى التحتية تظل قائمة، وتستمر الآبار في ضخ الغاز، لكن بمعدلات أقل. وعلى مستوى قطاع الغاز في مصر، أدى تراجع الإنتاج إلى محو ما يقرب من عقد كامل من المكاسب، لتجد الدولة نفسها مضطرة للحصول على إمداداتها من الخارج، بعد أن قضت سنوات في بناء طموحاتها التصديرية.

حدثت هذه الانفراجة الأخيرة في قطاع الغاز بوتيرة سريعة لدرجة أوهمتنا بأن تكرارها سيكون سهلا؛ إذ أعلنت شركة إيني في أغسطس 2015 اكتشاف حقل ظهر، الذي يُعد أكبر حقل للغاز في البحر المتوسط، وبدأت الإنتاج منه بعد عامين. وبحلول عام 2018، عادت مصر لتسجيل فائض سنوي في الميزان التجاري للغاز، لكن هذا الفائض تلاشى تماما بعد 5 سنوات.

هذه هي المعضلة التي تصاحب أي اكتشاف استثنائي قادر على تغيير المشهد؛ فمن المغري حينها أن تخطئ وتظن ذلك الاكتشاف هو نهاية القصة. ذلك أن استمرار تدفق الغاز يتطلب ما هو أكثر من مجرد اكتشاف استثنائي واحد. ولهذا تعمل الدولة حاليا على إنتاج جزء جديد من قصتها مع الغاز، وستبدأ هذا الجزء بفاتورة استيراد أضخم.

معضلة تراجع الإنتاج

بالأرقام: دام عهد مصر كدولة مصدرة للغاز لخمس سنوات. فقد تحولت البلاد من تسجيل عجز سنوي في الميزان التجاري للغاز قدره 9.2 مليار متر مكعب عام 2016 إلى تحقيق فائض طفيف في عام 2018، قبل أن تتراجع مجددا لتصير ضمن الدول المستوردة في عام 2023، وفقا لحساباتنا التي انبنت على أرقام مبادرة البيانات المشتركة لمنظمات الطاقة. وبحلول عام 2025، اتسع هذا العجز ليصل إلى 21.1 مليار متر مكعب مع انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع الواردات. إذ فقدت البلاد نحو 40% من إنتاجها خلال أربع سنوات: فارتفع الإنتاج السنوي للغاز من 42.1 مليار متر مكعب في 2016 ليصل إلى ذروته عند 70.4 مليار متر مكعب في 2021، ثم تراجع لأربع سنوات متتالية ليبلغ 42.3 مليار متر مكعب في عام 2025؛ وعاد بذلك تقريبا إلى النقطة التي بدأ منها، لتفقد مصر 28.1 مليار متر مكعب من الإمدادات السنوية.

لعب النضوب الدور الأكبر في هذا التراجع: كان حقل ظهر يسهم بنحو 30% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي في البلاد، لكن إنتاجه انخفض ليبلغ نحو 1.2 مليار قدم مكعبة يوميا، مقارنة بذروته التي بلغت 3.2 مليار قدم مكعبة يوميا في عام 2019. وفي تصريحات لنشرة إنتربرايز، قال نور طه، الباحث السياسي في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي: "غالبا ما تميل شركات الطاقة، وخاصة في مجال الغاز الطبيعي، إلى استخراج أكبر قدر ممكن في أسرع وقت ممكن لتعزيز هوامش أرباحها. لكن بما أن الغاز داخل المكمن يُعد موردا محدودا، فإن الاستخراج المكثف والمفرط في وقت مبكر يمكن أن يؤثر على عمر المكمن، وهو ما حدث في حالة حقل ظهر".

ومع أن حقل ظهر هو الاسم الأبرز في قطاع الغاز بمصر، فإن هذا التراجع طال حقولا أخرى. ففي تعليقاته لنشرة إنتربرايز، أوضح مارتن ميرفي، المحلل الرئيسي لعمليات استكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال أفريقيا وشرق المتوسط لدى وود ماكنزي، أن النضوب الطبيعي أدى إلى انخفاضات حادة في إنتاج العديد من حقول الغاز المصرية الكامنة في التكوينات البليوسينية الصخرية بالمياه الضحلة، وأن وتيرة تلك الانخفاضات تسارعت مع تقادم تلك الحقول، مضيفا أن تسرب المياه في وقت مبكر عن المتوقع أسهم في ضعف الإنتاج بعدد من الحقول الرئيسية. وأشار إلى أن حقول دلتا النيل البحرية هي أعلى المناطق من حيث معدلات النضوب بين عامي 2021 و2025.

استمرت طفرة التصدير لفترة أطول قليلا من ذروة الإنتاج؛ إذ بلغت صادرات الغاز أعلى مستوى لها خلال عشر سنوات في عام 2022، بعد أن سجلت 12 مليار متر مكعب، حتى مع بدء انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الواردات عبر خطوط الأنابيب. وبحلول عام 2023، أصبحت مصر تستورد غازا أكثر مما تصدر إجمالا، رغم استمرارها في شحن الغاز الطبيعي المسال إلى الخارج. إذ تجاوزت الواردات الشهرية حجم الصادرات في شهر مايو من ذلك العام، وظلت مرتفعة حتى ديسمبر. ثم بين عامي 2023 و2025، قفزت واردات الغاز السنوية من 8.6 مليار متر مكعب إلى 22.2 مليار متر مكعب، في حين انهارت الصادرات من 5.6 مليار متر مكعب إلى 1.1 مليار متر مكعب فقط.

ولم يشذ العام الجاري عن هذا النمط؛ فقد انخفض الإنتاج المحلي بنسبة 7.8% أخرى على أساس سنوي ليبلغ 19.5 مليار متر مكعب في النصف الأول من هذا العام، بينما قفزت الواردات بنسبة 51.7% لتسجل 13.1 مليار متر مكعب. وبلغ متوسط الإنتاج نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا، ما يعد أقل بنحو 44% من متوسط الإنتاج في النصف الأول من عام 2021. وبالنسبة لواردات الغاز الطبيعي المسال فزادت إلى أكثر من الضعف مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتصل إلى 8.8 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من عام 2026، وتمثل بذلك ثلثي إجمالي واردات الغاز، في حين تراجعت الواردات عبر خطوط الأنابيب بنسبة 7.7% لتبلغ 4.3 مليار متر مكعب. وفي هذا الصدد علقت لنشرتنا لوري هايتايان، مديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، قائلة إن "الإنتاج يواجه صعوبة في مواكبة الاستهلاك المتزايد".

هل ترغب في نظرة أكثر تعمقا على إمدادات الغاز في مصر؟ أجرينا في يونيو الماضي تحليلا دقيقا ومفصلا للوضع خلال السنوات الثلاث الماضية.

داخل البئر

لا تقتصر عملية إعادة إنتاج الغاز إلى مستوياته الطبيعية على مهمة واحدة، بل تقوم على 3 مهام لها آجال زمنية مختلفة. فيعتمد تعافي إنتاج الغاز في مصر على استخراج المزيد من الغاز من الحقول المنتجة، وربط الاكتشافات القريبة بالمرافق القائمة، وتطوير الموارد التي تتطلب بنية تحتية جديدة. وكل مهمة منها له جدول زمني مختلف. وتتعلق المهام قصيرة الأجل منها بتعظيم الاستفادة من منظومة الإنتاج القائمة حاليا، في حين يحتاج تطوير الموارد الجديدة إلى وقت أكبر لبدء الإنتاج.

يمكن للبنية التحتية القائمة أن تجعل الاكتشافات الصغيرة جديرة بالتطوير. إذ لا تحتاج كل الحقول البحرية الجديدة بالضرورة إلى منصات خاصة بها ومحطات معالجة وخطوط أنابيب ممتدة إلى الشاطئ. فحيثما أمكن من الناحية الفنية يمكن ربط الآبار بمنظومات الإنتاج القائمة عبر شبكات تحت سطح البحر، مما يسمح للحقول بتشارك المرافق بدلا من تكبد نفقات إنشاء مرافق جديدة من الصفر لإيصال إنتاجها إلى السوق، وبهذا سيتسنى تحقيق جدوي استثمارية أكبر باستخراج كميات أقل من الغاز. ويمثل هذا النهج جزءا من خطة تطوير حقول الغاز في مصر بالفعل؛ إذ تشمل المشاريع البحرية المعتمدة حفر آبار إضافية متصلة بشبكات بحرية قائمة، بينما يجري تقييم الاكتشافات الحديثة بالقرب من المرافق القائمة لتسريع وتيرة تطويرها.

لذا، في المرة القادمة التي يتصدر فيها اكتشاف كبير عناوين الأخبار، أجِّل احتفالك به لعام أو عامين. فالتقييمات تحدد بعدها حجم المكمن، ومدى سهولة تدفق الغاز عبر الصخور، ومعدلات الإنتاج المستدامة بالنسبة للبئر. وهذه النتائج تساعد في تحديد عدد آبار التطوير وأماكنها، والمعدات المطلوبة، وما إذا كانت مبيعات الغاز المتوقعة تبرر التكلفة. لذلك، حين يُعلن اكتشاف بئر يحتوي على احتياطيات كبيرة فهذا يكون مجرد تقييم أولي، وليس توقعا للإمدادات اليومية بعد بدء الإنتاج.

ولدى مصر احتياطيات من الغاز بالفعل، لكن جدواها التجارية غير مؤكدة. إذ تمتلك مصر نحو 19 تريليون قدم مكعبة من احتياطيات الغاز التجارية المؤكدة والمحتملة (2P)، وهي كمية تعادل تقريبا استهلاك البلاد من الغاز على مدى تسع سنوات بمعدلات عام 2024، إلى جانب 20 تريليون قدم مكعبة أخرى من الموارد المحتملة (2C)، وفقا لتقديرات ميرفي.

💡 يشير مصطلح الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة (2P) إلى تقديرات احتياطيات الغاز القابلة للاستخراج من المشاريع التجارية، أما الموارد المحتملة (2C) فتشير إلى تقديرات الاحتياطيات المكتشفة التي لا يمكن بعد الجزم بإمكانية استخراجها من الناحية التجارية، بسبب عقبات تشمل التسعير أو تكاليف التطوير أو البنية التحتية أو الموافقات.

ويمكن إبطاء هذا النزيف في الإنتاج عبر تطوير عدد من الحقول الصغيرة، لكن إيقافه تماما يتطلب اكتشافا ضخما. ويوضح ميرفي أن "هناك القليل من الحقول المجدية التي تنتظر التطوير"، لكن إعادة الإنتاج إلى مستوى 6 مليارات قدم مكعبة يوميا يتطلب اكتشافا استثنائيا، والاكتشافات الجديدة كلها تقريبا غير مبشرة منذ حقل ظهر.

كما أن جزءا من الإنفاق سيُوجه نحو الحد من تراجع الإنتاج، فالاستثمار في الآبار والمرافق يمكن أن يدعم الإنتاج للحيلولة دون تراجعه أكثر من ذلك، دون أن تتحقق زيادة ملموسة في حجم الإنتاج على مستوى الدولة. ولهذا من الضروري التمييز بين زيادة إنتاج بئر أو حقل ما وبين نمو الإنتاج الإجمالي للدولة؛ فالأثر الناجم عن نجاح تطوير أي حقل جديد قد يتلاشى بسبب انخفاض الإمدادات بمواقع أخرى.

الشروط المطروحة

لا تقتصر الاتفاقات الاستثمارية على تحديد بنود التسعير، وإنما تتضمن إجراءات أخرى. فتشمل مساعي وزارة البترول الأخيرة ضمان أسعار أفضل في بعض مواقع الإنتاج، وإتاحة اتفاقيات أكثر مرونة لتقاسم الإنتاج، وتعديل اتفاقيات الامتياز، وتبسيط إجراءات التعاقد. وفي مارس، عملت الحكومة على تعديل العديد من الاتفاقيات، إدراكا منها لتعثر نموذج الاستثمار القديم. فالمشاكل المختلفة تحتاج إلى حلول مختلفة؛ والاكتشافات البحرية المكلفة تحتاج إلى بنود تبرر الإنفاق لسنوات قبل بدء الإنتاج، بينما تحتاج الحقول المتقادمة إلى تنفيذ المزيد من أعمال الحفر لتظل مجدية من الناحية الاقتصادية مع انخفاض الإنتاج.

وبالنسبة لاستكشاف المناطق الجديدة والقاصية، يساعد معامل الربحية في تقسيم الإنتاج بناء على الأرباح المتوقعة. تتابع هذه الآلية الإيرادات أو الأرباح التراكمية مقابل النفقات، لتتيح للمستثمرين حصة أكبر من أرباح النفط أو الغاز عندما تنخفض العوائد، وتزيد حصة الدولة مع تحسن الربحية. وبعد البدء في تطبيق هذا المعامل عام 2025، صرحت الوزارة مؤخرا بأنها طبقت النموذج في غرب البحر المتوسط، وتوسعت في استخدامه ليشمل البحر الأحمر والمناطق الجنوبية التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية.

يتمثل المنطق الاقتصادي هنا في تحسين التدفقات النقدية للمستثمرين خلال فترة استردادهم لأموالهم؛ فمنحهم حصة أكبر مبكرا يعزز الجدوى الاستثمارية لمشاريع التطوير المكلفة، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرة الدولة على جني المزيد من الأرباح لاحقا. ويعتمد مدى تأثير ذلك في الحسبة الاقتصادية للمشروعات على التكاليف المتفق عليها، وتعريفات الإيرادات، والحدود التي تغير من تقسيمة الأرباح.

أما الحقول المتقادمة فتحصل على شكل مختلف من الدعم؛ فنموذج الاستثمار الجديد في مشروعات الطاقة، الذي بدأ تطبيقه في أواخر مارس، يربط حصة الشركة المطورة بأسعار خام برنت والإنتاج اليومي، فتزيد تلك الحصة عند انخفاض الأسعار أو الإنتاج. وهي آلية مختلفة عن معامل الربحية، تهدف إلى الحفاظ على جاذبية الاستثمار في الحقول الأقدم ذات تكاليف التشغيل الأعلى. ويتماشى هذا مع خطط الوزارة المعلنة في مارس لطرح نظام مالي يشجع على الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي على مدى السنوات الخمس القادمة.

وتهدف مساعي تعديل التعاقدات أيضا إلى وضع جدول زمني للتطوير، إذ يتضمن الإطار الجاري إعداده تبسيط العقود، وتحديد فترة أولية لعقد الإيجار التطويري تبلغ عامين، يمكن بعدها للهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) استرداد الامتيازات دون تعويض. وفي حالة تحقيق اكتشاف تجاري، يمتد عقد الإيجار إلى 20-30 عاما، مع إبرام اتفاقيات مبيعات طويلة الأجل تحدد الكميات والتسعير والنسب المخصصة لكل من الاستهلاك المحلي والتصدير. كما تشمل الحزمة إقرارات ضريبية أبسط عبر جهة حكومية واحدة، واستمرار الإعفاءات الجمركية للمعدات بنظام الإفراج المؤقت.

السياق: ساعدت جهود الهيئة المصرية العامة للبترول وإيجاس منذ أوائل العقد الحالي في جذب استثمارات إضافية، لا سيما في المناطق البرية التي شهدت عمليات تطوير سابقة، حسبما كشف لنا ميرفي. كما شجعت أسعار الغاز المرتفعة على استكشاف وتطوير الحقول التي لم تكن لتصبح مجدية تجاريا لولا ذلك. ويشير ميرفي في هذا الصدد إلى مشاريع المراحل 10-12 من امتياز المياه العميقة بغرب الدلتا، وامتياز شمال إدكو/ شمال العامرية، وغرب البرلس، ومينا غرب، وهارماتان، و"الفيوم-5"، باعتبارها مشاريع ساعدت فيها الشروط المالية المرنة في اتخاذ قرارات الاستثمار النهائية.

مشوار طويل للعودة

هناك استجابة من جانب المستثمرين، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في تحويل أموالهم إلى غاز. فتشير الاجتماعات المتكررة لوزير البترول مع مسؤولي شركات النفط والغاز العالمية إلى تجدد اهتمامهم بالقطاع في مصر. كما تعهدت شركات الطاقة العالمية العملاقة أيضا باستثمار 19 مليار دولار في قطاع الطاقة لدينا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، مما سيعطيه دفعة قوية يحتاجها بشدة. وعن ذلك يقول ميرفي إن "عمليات الحفر في ازدياد، وعدد منصات الحفر يرتفع، والشركات تنفق المزيد من المال".

المشكلة أن الشركات المطورة للحقول لديها ذاكرة طويلة وبدائل أخرى؛ فيحذر ميرفي من أن تسديد مصر للمستحقات لم يكن يتم بانتظام خلال السنوات الماضية، مما يعني أن التحدي يكمن في مدى قدرتها على الاستمرار في السداد خلال فترات التحديات الاقتصادية. وبالنسبة للشركات التي تدرس مشاريع تطوير بفترات استرداد أطول، فإن الثقة في سداد المستحقات لن تكون كافية، وإنما لابد معها من شروط تنافسية بما يكفي لجذب الاستثمارات بدلا من المشاريع الواقعة في بلاد أخرى. لكن هناك مؤشرا آخر على تجدد الشهية الاستثمارية، يتمثل في المنافسة على الأصول المصرية في صفقات الاستحواذ الخاصة بشركات كابريكورن وفاروس وبي بي، وهو أمر يشير ميرفي إلى غيابه منذ سنوات.

تذكر: حسمت مصر تلك المسألة في شهر يونيو بتسوية كامل المستحقات المتأخرة لشركات النفط العالمية، بعد أن بلغ حجمها 6.1 مليار دولار في يونيو 2024. وكانت تسوية هذه المستحقات هي حجر الزاوية في استراتيجية الحكومة لاستعادة ثقة المستثمرين، ودفع الشركات الدولية لاستئناف عمليات الحفر. ويقول طه عن ذلك إنه "بعد أن أزيح عبء المستحقات المتأخرة عن كاهل الدولة، ظهرت فرصة جديدة لإعادة التفاوض على الشروط"، معتبرا أن إحجام الشركات عن الاستكشاف في ظل تأخر المستحقات كان يحد من قدرة الدولة على التفاوض بشأن الاستكشاف والاستخراج.

لكن تسديد فواتير الأمس لن ينتج غاز الغد؛ فتحسين طريقة السداد سيساعد المشاريع في المضي قدما، لكن ما زالت هناك حاجة لحفر آبار التطوير، وشراء وتركيب المعدات، وتوصيل واختبار المرافق. وقد أقرت وزارة البترول بذلك عند الإعلان عن تسوية المتأخرات، مشيرة إلى أن تطوير حقول المياه العميقة يتطلب سنوات من العمل قبل بدء الإنتاج. ويقدر ميرفي أن "البدء في ضخ الغاز من أي اكتشاف كبير إلى السوق قد يستغرق حوالي أربع سنوات".

وأي اكتشاف قادم لن يوفر لمنظومة الطاقة سوى مزيد من الوقت، لا أكثر من ذلك. إذ يتوقع ميرفي أن يستمر انخفاض إنتاج الغاز في مصر، وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ، نظرا لمساهمة المشاريع الجديدة وبالأخص دينيس غرب ونرجس في تعويض تراجع إنتاج الحقول القديمة. وصحيح أن البنية التحتية القائمة تتيح خيارات لتسريع الإنتاج من بعض الحقول المكتشفة، مع إبقاء الحقول القديمة قيد التشغيل لفترة أطول، غير أن قدرة هذه الإضافات على إنهاء الاعتماد على الاستيراد ستكون مرهونة بحجمها وتوقيتها، وخسائر الإنتاج التي يجب أن تعوضها، وحجم الطلب الذي سيتعين عليها تلبيته وقتها.

ماذا بعد؟

الاستثمارات هي الحل: مع بلوغ إنتاج الغاز أقل من 4 مليارات قدم مكعبة يوميا، ومساعي الدولة لإضافة مليار قدم مكعبة أخرى يوميا بحلول نهاية العام، ضمن هدفها الأكبر للوصول بمعدل الإنتاج إلى 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا بحلول عام 2027، قد تعتمد الاستراتيجية اعتمادا كبيرا على جذب استثمارات كافية لعكس مسار التراجع. وأبرز المسائل التي ينبغي متابعتها في هذا الصدد هي قرارات الاستثمار، وموافقات التطوير، ونجاح الاستكشافات عقب إجراء المسوحات السيزمية، ومدى نجاح العطاءات التنافسية في جذب شركات جديدة تتمتع بالمصداقية.