لا تضرب أزمات نقص إمدادات الطاقة جميع الفئات والأماكن في الوقت ذاته؛ فقد ينعم منزل بالكهرباء في حين يُحرم مصنع من إمدادات الغاز، أو يُسمح لفندق بتقديم وجبات العشاء لرواده بينما يُجبر مطعم على إغلاق أبوابه. يدفعنا هذا بعد أن تتبعنا أزمة نقص الغاز ومرور الصيف دون انقطاع الكهرباء إلى طرح سؤال آخر: إذا لم تكن إمدادات الطاقة كافية لتلبية احتياجات الجميع، فمن سيضطر لتحمل العجز؟
اختلفت الإجابة من أزمة إلى أخرى؛ فبدلا من وجود تسلسل هرمي معلن للأولويات، اتبعت الحكومة نهجا قائما على وضع تدابير خاصة لكل قطاع على حدة، تُطبق وفقا لمقتضيات الظروف وتُلغى متى انحسر الضغط.
والتدابير مثل قطع الكهرباء عن المنازل ووقف إمدادات الغاز للمصانع وقرارات الإغلاق المبكر للمتاجر تختلف تماما فيما بينها. فمصانع الأسمدة النيتروجينية مثلا ربما تتوفر لها الكهرباء وتعجز مع ذلك عن الإنتاج، لافتقارها إلى الغاز الذي يعد من موادها الخام، وكذلك المطاعم قد تتوفر لها الكهرباء، لكنها تكون ملزمة قانونا بإغلاق أبوابها والتوقف عن تقديم خدماتها. لذا فإن كل تدبير من تلك التدابير له وقع وتأثير مختلف.
من يتخذ القرار؟
يُتخذ قرار قطع الكهرباء عن شارعك في مستويات أعلى بكثير من غرف التحكم. وقد جاء التفسير الأوضح لكيفية اتخاذ تلك القرارات في سبتمبر 2024، عندما جمعت وزارتا البترول والكهرباء بيانات الاستهلاك والإمدادات لعرض الخيارات المتاحة على مجلس الوزراء. وانحصر الاختيار آنذاك بين قطع الكهرباء لساعتين، أو ساعة واحدة، أو عدم قطعها مطلقا. تدير كل وزارة منهما جانبا مختلفا لنفس الأزمة؛ إذ تتولى وزارة البترول تعديل مخصصات الغاز وتدبير إمدادات الوقود، في حين تقيم وزارة الكهرباء احتياجات المنظومة الكهربائية. وتقيدت قدرات التوليد بحجم الغاز الوارد من وزارة البترول، فيما تولت الشركة القابضة لكهرباء مصر إعلان جداول تخفيف الأحمال.
ثم تأتي مرحلة التوريد والتنفيذ والتفاوض. فقد سعت إيجاس لتأمين شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال في عام 2024، في حين تواصل المُصنعون لاحقا مع الهيئة المصرية العامة للبترول لاستيراد الغاز نيابة عنهم. وكُلفَت السلطات المحلية بمهام ترشيد الاستهلاك، في حين حملت الغرف الصناعية مشكلات إمدادات المصانع إلى الحكومة. لكن افتقر هذا المشهد إلى وجود لائحة تحدد أي مصنع يجب قطع الإمدادات عنه أولا، أو الحد الأدنى من الإمدادات الذي ينبغي أن تحصل عليه المصانع، أو التعويضات المترتبة على قطع الإمدادات.
ولو وضعت الحكومة لائحة تنظيمية مثل هذه فلن تقتصر في معاييرها على مساهمة ذلك المصنع أو غيره في توفير العملة الصعبة. إذ أوضح لنا عبد العزيز خليفات، الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن تقليص الإمدادات يجب أن يبدأ بالكيانات الصناعية المرنة وغير الأساسية، على أن تتصدر محطات توليد الكهرباء والخدمات الحيوية والصناعات الاستراتيجية قائمة الأولويات. وأضاف أن هذا الترتيب يجب أن يتسم بالمرونة بناء على كفاءة استخدام الطاقة، والالتزامات التعاقدية، وحجم العمالة، فضلا عن "الوقت اللازم لوقف العمليات وإعادة تشغيلها بأمان".
من يحظى بالحماية؟
في أغسطس 2022، ربطت الحكومة صراحة ترشيد استهلاك الكهرباء بتوفير الغاز للتصدير وجني العملة الصعبة. فطُلب من المباني الحكومية إطفاء الأنوار خارج أوقات العمل، إلى جانب تقليل الإضاءة في الشوارع وواجهات المحلات، وألزمت الحكومة المراكز التجارية بضبط مكيفات الهواء عند درجة حرارة لا تقل عن 25 درجة مئوية.
وبحلول الصيف التالي، امتدت التدابير لتطال أسبوع عملك؛ إذ طبقت الحكومة جداول تخفيف الأحمال، وقلصت إمدادات الغاز للقطاع الصناعي، وزادت من استخدام المازوت، وشكلت لجنة لإدارة الأزمات بمجلس الوزراء. وصرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي باستثناء المستشفيات والمرافق الاستراتيجية، إلى جانب المناطق الساحلية لحماية قطاع السياحة. وتحملت المنازل والمرافق العامة جزءا من وطأة الترشيد، كما وجهت الحكومة موظفيها للعمل عن بعد أيام الأحد، وغيرت مواعيد الفعاليات الرياضية لتُقام قبل غروب الشمس حيثما أمكن.
المصدرون قد يفقدون موقعهم في طابور الأولويات
تبين حالة قطاع الأسمدة أن مبدأ الأولوية للمصدرين ليس بهذه البساطة. ففي أغسطس 2023، أفادت تقارير بأن بعض منتجي الأسمدة تلقوا إمدادات غاز أقل بنسبة 20% بسبب توجيه الإمدادات إلى الشبكة القومية. وحذرت شخصيات بارزة في القطاع من أن خفض الإنتاج قد يجبر المصنعين على تقليص صادراتهم لتلبية احتياجات السوق المحلية، مضحين في ذلك بعائدات النقد الأجنبي. وعاد الخيار ذاته ليطرح نفسه في عام 2024، حين أُفيد بأن وزارة البترول خفضت إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة بنسبة 20-30% في أوائل يونيو لتغذية محطات الكهرباء. وحددت تغطيتنا وقتها شركات أبو قير للأسمدة وموبكو وكيما وإيجيفرت ضمن المنتجين المتضررين، إلى جانب شركة سيدي كرير للبتروكيماويات (سيدبك).
وبعد عام واحد، كشفت كذلك عمليات الصيانة المجدولة عن تأثر القطاع بنقص إمدادات الطاقة. ففي أعقاب تراجع واردات الغاز الإسرائيلية، واجه مصنعو الأسمدة خفضا بنسبة 50% في إمداداتهم لمدة 15 يوما في شهر مايو 2025، وأشارت التوقعات إلى تراجع الإنتاج بنسبة 30%. وبحلول أوائل يونيو، تواترت أنباء عن حصول مصانع الأسمدة والبتروكيماويات على نحو 450-500 مليون قدم مكعبة يوميا، مقارنة باحتياجاتها المعتادة البالغة 770 مليون قدم مكعبة يوميا. ثم جاءت أزمة يونيو 2025 لتجعل الأولويات أكثر وضوحا، إذ أوقفت وزارة البترول ضخ نحو 900 مليون قدم مكعبة يوميا إلى الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي منها الصلب والأسمدة والبتروكيماويات، وذلك لتوجيه تلك الإمدادات إلى محطات الكهرباء. كما علقت الحكومة شحنات السولار والمازوت لمصانع الأغذية والأسمنت لمدة 14 يوما.
وتطلبت استعادة تلك الكيانات لإمدادات الغاز مفاوضات خاصة، وامتد تأثيرها ليطال فاتورة بقالتك. فبحلول نهاية يونيو 2025، صار منتجو الأسمدة على رأس قائمة الأولويات بسبب التزاماتهم المحلية وعقود التصدير، بينما حصلت الصناعات الأخرى على ما يصل إلى 70% من مخصصاتها المعتادة. وتطلبت توجيهات سبتمبر 2025 توقيع بروتوكولات بخصوص التوريدات الموجهة لوزارة الزراعة والمبيعات التجارية المحلية والصادرات، إذ شكا المزارعون من أن تأخير ونقص الشحنات دفعهم للشراء من السوق المفتوحة بتكلفة أعلى. وهنا تحديدا يتجلى الأثر الملموس لحجة التصدير؛ فقد أسهمت في تحديد القطاعات التي استعادت إمداداتها أولا، وإن لم تمنع قطع الإمدادات من الأساس.
الأزمة تتفاوت في تأثيرها
بالكاد شعر قطاع الأسمنت بالأزمة، لاعتماده لسنوات على بدائل أخرى للغاز؛ فقد قلصت شركات القطاع اعتمادها على الغاز الطبيعي في أعقاب أزمة 2012-2013، وفقا لتغطيتنا السابقة. حينها، كان 16 مصنعا للأسمنت من أصل 18 مصنعا تستخدم الفحم في إحدى مراحل الإنتاج، وأكدت العديد من الشركات المدرجة في البورصة أن ارتفاع أسعار الغاز لن يؤثر على خطوط الإنتاج التي لا تعتمد عليه. وبحلول يونيو 2025، وُصفت مصانع الأسمنت بأنها لم تتأثر إلى حد كبير باضطرابات إمدادات الغاز لاعتمادها على الفحم. وبالتالي فإن مرونة قطاع الأسمنت نبعت من مزيج الوقود الذي يستخدمه.
أما مدى تأثر قطاع الصلب فيعتمد على طريقة التصنيع؛ فقد تضررت مصانع الاختزال المباشر في عام 2025. وتوضح تغطيتنا المنفصلة للأسعار هذا الاختلاف، إذ تشير تقديرات القطاع إلى أن زيادة سعر الغاز بمقدار دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية ترفع التكلفة بنحو 500 جنيه للطن في المصانع المتكاملة، مقابل ما لا يزيد عن 50 جنيها في مصانع الدرفلة، التي يقتصر استخدام الغاز فيها غالبا على تسخين الأفران. وفي الوقت نفسه، وجدت تغطيتنا في يونيو 2025 أن مصانع الطوب نجت إلى حد كبير من اضطرابات الإمدادات، بينما خففت الفوائض من وطأة الأزمة على قطاع السيراميك.
وبالنسبة للصناعات غير الثقيلة، فقد يعني انقطاع الكهرباء خسارة المنتج ذاته. إذ وثق تقريرنا في يونيو 2024 خسارة عدد من مزارع الدواجن لعنابر كاملة بسبب تزامن موجات الحر مع توقف أنظمة التبريد. كما قدر ممثل لقطاع الأجهزة المنزلية تراجع الإنتاج بنسبة 40%، بينما أشار مصنعو الأغذية إلى أن انقطاع الغاز كان مشكلتهم الرئيسية، وأن بعضهم لجأ للاعتماد على الاحتياطيات.
سهرة بطعم تخفيف الأحمال
لننتقل الآن إلى صيف هذا العام، والذي مر بسلام لحسن الحظ رغم الاضطرابات الإقليمية التي طالت إمدادات الطاقة. فرضت حزمة إجراءات ترشيد الاستهلاك المقرة في مارس إغلاق المتاجر والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساء خلال أيام الأسبوع، وفي العاشرة مساء يومي الخميس والجمعة. كما شملت الحزمة تدابير منها تخفيض إنارة الشوارع، وإطفاء اللوحات الإعلانية المضيئة على الطرق، وتقليص استخدام المباني الحكومية، وإبطاء وتيرة المشاريع كثيفة الاستهلاك للسولار.
وبالنسبة للوجهات التي عادة ما يرتادها المواطنون ليلا، فقد حُرمت بذلك من أوقات ذروتها المعتادة. ففي أبريل، قابلنا عددا من مع أصحاب وجهاتكم المفضلة لنعرف مدى تأثرهم بتلك التدابير. أوضح مؤسس تيبسي كاميل إن 85-90% من الإيرادات يحققها المطعم عادة بعد التاسعة مساء، في حين قدر مطعم براس مونكي هذه النسبة بنحو 80-90%. وقدر مطعم بابوز إيتس أن الإغلاق المبكر أدى إلى تبخر 60% من إيراداته، ما دفع القائمين عليه لتقديم وجبات الإفطار والبرانش وتنظيم الفعاليات النهارية.
ولم تتعلق المسألة بالتوقيت بل بالمكان كذلك؛ فالفنادق والمنشآت السياحية كانت معفاة من هذه المواعيد، رغم إفادة بعض الشركات بوجود اختلافات في تطبيق تلك الإعفاءات. كما كشف أصحاب المتاجر والمقاهي عن تقليصهم لنوبات العمل، وتسريح العمالة، وخسارة المبيعات. وبعدها مدت الحكومة موعد الإغلاق ليصبح في الحادية عشرة مساء، قبل أن تلغي لجنة الأزمات بمجلس الوزراء قرار الإغلاق المبكر للمحال التجارية والمطاعم تماما. وفي ذلك الوقت مدت الحكومة أيضا قرار العمل عن بعد أيام الأحد.
متنفس أكبر للقطاع الصناعي
تلقى القطاع الصناعي أيضا وعودا بالحصول على حصة أكبر من واردات الغاز الطبيعي المسال. ففي مايو، خصصت وزارة البترول 5 شحنات شهريا للقطاع بدءا من يونيو، ارتفاعا من شحنة واحدة. وبلغ حجم المخصصات المعلنة 16 مليار قدم مكعبة شهريا، وخُصص أكثر من 65% منها لصناعات الأسمدة والبتروكيماويات والصلب، بتكلفة قُدرت بنحو 300-350 مليون دولار.
تبلورت هذه الفكرة منذ الصيف الماضي؛ ففي يونيو 2025، درست الحكومة توفير 3 شحنات شهريا لمنتجي الأسمدة والبتروكيماويات على مدار 4 أشهر، على أن تتحمل المصانع التكلفة. وعلى نحو منفصل، طلب المنتجون من الهيئة المصرية العامة للبترول استيراد الغاز نيابة عنهم، واقترحوا الدفع بالدولار، بينما اقترح اتحاد الصناعات المصرية إنشاء صندوق لدعم الاستيراد يُمول عبر استقطاع 20% من حصيلة الصادرات.
لكن تأمين هذه الإمدادات صاحبته ضغوط خاصة بالتكلفة، وهو ما انعكس في النهاية على ما تشتريه من سلع. فقد رفعت الحكومة أسعار الغاز المورد للقطاع الصناعي في سبتمبر 2025، ثم بدأت العمل على وضع آلية تسعير أوسع نطاقا تعكس تكاليف الإنتاج المحلي والاستيراد معا. كما وصف تحليلنا لقطاع الأسمدة في فبراير الضغوط المتعلقة بالحفاظ على الإمدادات، والوفاء بالالتزامات الزراعية المحلية، وهوامش أرباح المنتجين.
ولا تظهر تكلفة انقطاع الغاز بشكل مباشر أو واضح في الأرباح النهائية للشركات. فقد ساعد استقرار الإمدادات شركة موبكو على تجاوز إنتاجها المستهدف في الربع الأول من 2026، لترتفع مبيعاتها بنسبة 29% وتبلغ 8.2 مليار جنيه، وتسهم الصادرات بنسبة 78.5% من إيرادات مبيعاتها، وهو ما يبرز المكاسب التي تتحقق عند وصول الغاز للمصانع الموجهة للتصدير. وفي المقابل فإن تراجع صافي أرباح شركة أبو قير للأسمدة في فترة الأشهر التسعة من العام المالي 2024-2025 يعكس انخفاض أرباح فروق العملة وتوزيعات الاستثمارات.
لهذا كله فإن نقص إمدادات الطاقة لا يتجلى فقط في أنوار المنازل، التي ربما تظل مضاءة بينما تُحرم المصانع من الغاز، أو تخسر المطاعم إيراداتها المسائية، أو يتكبد المزارعون تكلفة إضافية لشراء الأسمدة. وإلى أن تتوفر إمدادات كافية وموثوقة بحيث تصير تلك التدابير غير ضرورية، سيبقى التساؤل مطروحا عمن تبدو خسارته لإمدادات الطاقة مقبولة بالنسبة للدولة.