انتهت وزارة الإسكان من إعداد مسودة قانون لإنشاء الاتحاد المصري للمطورين العقاريين، وتعكف حاليا على مناقشتها مع المطورين تمهيدا لإحالتها إلى مجلس الوزراء ثم مجلس النواب. وتجعل المسودة، التي اطلعت عليها إنتربرايز، عضوية الاتحاد إلزامية، وتشترط فتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع، كما تنص على حل غرفة صناعة التطوير العقاري القائمة. لكنها تترك الأسئلة الأكثر تأثيرا على السوق دون حسم، مثل: كيف سيُصنَّف المطورون، وكيف ينتقلون بين فئات التصنيف، وهل يحدد التصنيف تخصيص الأراضي وحجم المشروعات؛ وكلها أسئلة مؤجلة إلى اللائحة التنفيذية.
القواعد السارية حتى الآن: يعمل القطاع حاليا في ظل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2184 لسنة 2022، الذي يشترط فتح حسابات بنكية خاصة بكل مشروع وودائع ضمان مالية تتناسب مع حجم المشروع، لكنه لا يتضمن تسجيلا إلزاميا أو تصنيفا للمطورين ولا رقابة مركزية. أما غرفة صناعة التطوير العقاري، التي تحلها المسودة، فهي كيان طوعي للقطاع يعمل تحت مظلة الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، ولا تتمتع بأي سلطة تنظيمية أو تأديبية. وقد تتبعنا إعداد مسودة القانون منذ أن طرحتها وزارة الإسكان لأول مرة في مايو الماضي، مرورا بتوجيه رئيس الوزراء في سبتمبر بتسريع وتيرة صياغته، وما تلاه من جدل في القطاع حول التصنيف وحسابات الضمان.
الكيان الجديد
تحظر مسودة مشروع القانون على أي جهة من خارج الاتحاد مزاولة أعمال التطوير العقاري، باستثناء الجهات الحكومية. كما يمنع جهات التخطيط من اعتماد تقسيم الأراضي أو إصدار التراخيص دون التحقق أولا من قيد المطور لدى الاتحاد. وللقيد في الاتحاد يجب أن تمتلك الشركة أو تُخصص لها مساحة لا تقل عن: خمسة أفدنة للنشاط السكني، وفدان للنشاط التجاري أو الإداري أو الخدمي أو السياحي. وتقع الشركات الأصغر في فئة منفصلة هي "من هم في حكم المطورين"، ويتعين عليها إثبات سابقة أعمال للقيد. وتمنح المسودة المطورين القائمين عاما من صدور اللائحة لتوفيق أوضاعهم.
ما هو مصير الغرفة؟ تنص المسودة على حل غرفة صناعة التطوير العقاري بقوة القانون، وتؤول أصولها إلى صندوقي تأمين جديدين يؤسسان بموجب لائحة قانون اتحاد المطورين العقاريين.
يدير الاتحاد مجلس إدارة مكون من 15 عضوا لمدة أربع سنوات: سبعة أعضاء ينتخبهم المطورون العقاريون، وعضو تنتخبه فئة "من هم في حكم المطورين" الأصغر، وستة من ذوي الخبرة يعينهم الوزير، إلى جانب رئيس جهاز حماية المستهلك. ويجوز للمجلس تشكيل لجان فنية والاستعانة بخبراء من الخارج، لكن المسودة لا تُلزم بلجان مستقلة للتصنيف. وتعد تلك من بين الثغرات الحرجة، لا سيما إذا كان مطورون عاملون هم من يصنفون أقرانهم، وفق ما قاله مصطفى صلاح، الرئيس التنفيذي لشركة "وان أوف وان"، في حديثه لإنتربرايز.
ويحتفظ الوزير بسلطات واسعة؛ فهو يعتمد قواعد التصنيف والموازنة واللوائح، وله الاعتراض على قرارات الجمعية العمومية، ووقف نشاط المجلس بشرط عرض الأمر على المحكمة المختصة في غضون 10 أيام. وتتولى لجنة دائمة للتظلمات برئاسة أحد نواب رئيس مجلس الدولة النظر في الطعون على القيد والتصنيف والجزاءات، والتي يتعين استنفاذ جميعا قبل اللجوء إلى القضاء.
"نحن لا نؤسس هذا الاتحاد للوقوف ضد المطورين؛ بل لتنظيم السوق، وتشجيع الشركات الجادة، ومنح القطاع صوتا أقوى أمام الجهات الحكومية"، على حد قول صلاح لإنتربرايز. وتمنح المسودة الاتحاد سلطة حصرية لتمثيل المطورين أمام الجهات الحكومية، وسلطات تأديبية تمتد من الإنذار إلى الإيقاف لمدة خمس سنوات. وهذا يجمع بين تمثيل المطورين والحكم عليهم في آن واحد.
ما أهمية ذلك؟ يقول كاتسبي لانجر باجيت، رئيس شركة سافيلز مصر، لإنتربرايز: "من شأن وجود مؤسسة قوية بصلاحيات واضحة أن يحدث تغييرا حقيقيا في السوق، أما الكيانات الشكلية فلن تقدم الكثير". وحتى الآن تمنح المسودة الاتحاد صلاحياته، وترجئ التصنيف والترقي بين الفئات إلى اللائحة التنفيذية.
تصنيف.. بلا حسم
يمتلك الاتحاد سلطة تصنيف المطورين، لكن تبعات التصنيف لم تحسم بعد. فالمسودة تكلفه باقتراح قواعد لتصنيف الأعضاء وترتيبهم بحسب تخصصاتهم وملاءتهم المالية، على أن يعتمدها الوزير، مع إنشاء سجل عام يُحدَّث شهريا. ويحدد التصنيف رسوم العضوية، ومساهمات المطورين في صندوقي التأمين، وقيمة الدفعة المقدمة التي يجوز للمطور سحبها من حساب الضمان، وما إذا كان بإمكانه نقل أموال من مشروع إلى آخر. أمَّا ما لم يحدد، على الأقل حتى الآن، فهو حجم المشروعات التي يحق للمطور تنفيذها، أو أحقيته في الحصول على أراض. فالاعتماد مرتبط بالقيد في الاتحاد، ولا شيء غيره.
كما "يمكن للاتحاد تصنيف الشركات ومنعها من تولي مشروعات تفوق قدراتها"، وفق ما قاله فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات بها، لإنتربرايز. ويتوقع علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة بيتا إيجيبت للتنمية العمرانية، أن "يحمل التصنيف المسبق ميزة تشغيلية كبرى للمطورين الجادين؛ إذ يمكنه تقليص الوقت الذي تستغرقه الجهات الحكومية في دراسة ملفات تخصيص الأراضي".
الحد الأدنى لمساحات التطوير تعتبر بوابة لدخول الاتحاد، لكن فوزي يرى أنها لا ينبغي أن تكون معيارا للتصنيف، قائلا إن حجم استثمارات المشروع ينبغي أن يكون المعيار الأساسي لتحديد الفئة، فمشروع فندقي على مساحة 10,000 متر مربع قد يتطلب رأس مال أكبر من مشروع سكني على مساحة 5 أفدنة، كما ينبغي أن يراعي التصنيف سابقة الأعمال إلى جانب حجم الاستثمارات. وتفرق المسودة بالفعل بين النشاط السكني وغير السكني في الحد الأدنى للمساحة، لكن حجم الاستثمارات لا يظهر في أي من معايير القيد أو التصنيف؛ ولا تدخل التكلفة الإنشائية إلا في حساب المبلغ الذي يجب على المطور إيداعه في حساب الضمان.
يغيب أيضا سجل التسليم عن معايير التصنيف، إذ لم تتطرق المادة الثالثة من مشروع القانون إلى سجل التسليم، مع أن الوزارة كانت تدرس هذا المعيار، كما ذكرنا في يوليو الماضي. ويرى لانجر باجيت أن الإطار التنظيمي الموثوق ينبغي أن يكافئ المطورين أصحاب السجل الحافل في التسليمات. ويصيغها طارق بهاء، الخبير في التطوير العقاري وعضو جمعية رجال الأعمال المصريين، بكلمات أكثر دقة قائلا إن قياس نجاح المطور عبر حجم المبيعات "ينتمي إلى زمن قد ولّى بالفعل". ويرى بهاء أن النجاح الحقيقي يقاس بالقدرة على إدارة التدفقات النقدية، والالتزام بالتنفيذ، وإدارة المشروع باحترافية.
الثغرة الأكبر في المسودة
لا تحدد المسودة كيف يرتقي المطور من فئة إلى أخرى، تاركة ذلك لقواعد التصنيف التي سيقترحها الاتحاد. ويؤكد لانجر باجيت أن الإطار الموثوق ينبغي أن يمنح الشركات الجديدة الجادة مسارا واضحا لبناء سمعتها بمرور الوقت، وأن يتيح للمطورين الأصغر والأحدث عهدا بالسوق الترقي عبر تعزيز رؤوس أموالهم وهياكلهم الإدارية وتقاريرهم وسجل التنفيذ الخاص بهم. ويقول صلاح لإنتربرايز: "المطور المصنف في الفئة (ج) ليس بالضرورة مطورا سيئا.. لكن، السؤال الأهم هو الأسس التي وضع هذا التصنيف استنادا إليها، وهل تحظى الشركة بفرصة عادلة للنمو، أم ستجد السوق مغلقا بالكامل لصالح شركات تعمل منذ 20 أو 30 عاما".
شرط الدخول أسهل من المتوقع: للاعتراف بالشركة كمطور عقاري، يكتفي النص بإثبات مزاولة النشاط فعليا في مشروع واحد على الأقل خلال السنوات الخمس السابقة، دون اشتراط أن يكون قد جرى تسليمه للمشترين. وتحيل المادة (42) قواعد احتساب أعمال التطوير السابقة للشركة عند الاندماج أو الانقسام أو تغيير هيكل الملكية إلى اللائحة التنفيذية، دون أن تحسم ما إذا كانت الشراكة طريقا للترقي في التصنيف أم شرطا للدخول. ويلخص فكري الخلاف قائلا: "لن تُستبعد الشركات الناشئة من السوق، لكن يجب عليها الدخول من خلال شراكات مع أشخاص لديهم خبرة فعلية في التطوير العقاري". في المقابل، يرى صلاح أن الاندماج والمشروعات المشتركة لا ينبغي أن يكونا الطريق الوحيد لتحسين التصنيف.
حسابات الضمان واستدامة التمويل
بينما يحدد التصنيف من يحق له البناء، تضبط حسابات الضمان كيفية تعامل المطورين مع الأموال عندما يدخلون مرحلة الإنشاءات، وهي الأداة التي تعتمد عليها المسودة أكثر من غيرها لحماية المشترين. فأي عضو يبيع وحدات قبل اكتمال الإنشاء يجب أن يفتح حسابا بنكيا مستقلا لكل مشروع أو مرحلة، ويودع فيه مدفوعات المشترين دون غيره. كما يودع المطور مبلغا يتناسب مع المساحة المطروحة للبيع وتكلفتها الإنشائية. وتُصرف الأموال على دفعات وفق الجدول الزمني ونسبة الإنجاز، بناء على تقرير استشاري معتمد من الاتحاد، وتتحصن من الحجز لصالح دائني المطور. ولا يجوز الإعلان عن أي وحدة أو الترويج لها في المعارض دون ترخيص من الاتحاد. وبشكل منفصل، تودع رسوم الصيانة المحصلة من المشترين في حساب مستقل خاص بها، ولا تُعد جزءا من أموال المشروع.
هذه البنية القائمة على المشروع هي بالضبط ما طالب به فوزي: حساب منفصل لكل مشروع لا لكل مطور، حتى لا تستخدم أموال مشروع لتمويل آخر. ويصف فكري استخدام مقدمات المشروعات الجديدة لاستكمال مشروعات قديمة متعثرة بأنه أكثر الممارسات إضرارا بالسوق، ويضيف أنها "طالما هددت معدلات التنفيذ وثقة المشترين". وتضع المادة (37) استثناء محدودا: إذ يجوز لمطور من الفئة الأعلى تجاوز نسبة إنجاز محددة والملتزم بجدوله الزمني أن يطلب من الاتحاد الإنفاق من حساب مشروع على مشروع آخر. وقد تركت المسودة كلا من نسبة الإنجاز المطلوبة والحصة المسموح بها فارغتين.
الضغط الذي يجعل حسابات الضمان ضرورية: ارتفعت خطط السداد من سنتين إلى أربع سنوات في 2016 وتصل حاليا لدى البعض إلى 15 عاما، حسبما توضح آية غانم، رئيسة قسم الاستشارات الاستراتيجية لمنطقة أفريقيا لدى "جيه إل إل"، في حديثها لإنتربرايز، وهو ما يضع أعباء تمويلية ومخاطر على التدفقات النقدية للمطورين. وتستجيب المسودة لذلك بربط جداول السداد بنسب الإنجاز، وهو بند جوهري يحدده قرار وزاري ويُدرج في عقود جميع الأعضاء، لكنها لا تضع سقفا لمدد السداد.
لا تقتصر فوائد آلية الصرف هذه على حماية المشترين الأفراد، إذ يرى لانجر باجيت أن حسابات الضمان ستؤدي دورا أكبر مع اتساع منظومة تمويل القطاع، بصرف الأموال تدريجيا وفق مراحل التنفيذ بعد التحقق منها واعتمادها من جهة مستقلة. ومن شأن ذلك ربط التحصيل بما أُنجز من أعمال، ومنح المشترين والبنوك والمستثمرين المؤسسيين رؤية واضحة للتدفقات النقدية لكل مشروع. وتسند المسودة اعتماد الصرف إلى الاتحاد بناء على تقرير استشاري المشروع، وتكلفه بالتحقق من مطابقة رصيد الحساب لما أُنجز فعليا. ويجب على الأعضاء تقديم تقارير نصف سنوية من مراقب حسابات مقيد لدى البنك المركزي أو الهيئة العامة للرقابة المالية. ويبقى التساؤل مطروحا حول ما إذا كان اعتماد الاتحاد يستوفي شرط الجهة المستقلة، خاصة وأن المطورين ينتخبون سبعة من أعضاء مجلس إدارته (المزيد حول هذه النقطة أدناه).
يقتصر اختصاص الاتحاد على المطورين؛ ولا توجد هيئة موازية تراعي مصالح المشترين. وقد دعا فوزي إلى ضرورة وجود هيئة وطنية مستقلة تشرف على العلاقة بين المطور والمشتري والوسيط، على غرار ما يحدث في السعودية والإمارات. وتغفل المسودة هذه الهيئة، معتمدة بدلا منها على وسائل حماية مدمجة في الاتحاد ذاته: مقعد في مجلس الإدارة لرئيس جهاز حماية المستهلك، وصندوقا تأمين يمكنهما تعويض المتعاقدين، ولجنة تسوية ودية إلزامية قبل رفع أي دعوى قضائية، ودوائر قضائية متخصصة، وآلية لإسناد المشروعات المتعثرة إلى مطور آخر عضو في الاتحاد. وتُعد أموال الاتحاد أموالا عامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات، ويجوز منح موظفي الجهة الإدارية المختصة صفة الضبط القضائي فيما يقع من مخالفات.
ما ينتظر الحسم
غياب مرجعية للسوق: تكلف المسودة الاتحاد برصد أسعار العقارات في جميع أنحاء الجمهورية وإعداد تقرير دوري يوثق ويحلل بيانات التصرفات الفعلية وتغيراتها السعرية، لتوفير مرجعية للسوق. وقد انتقدت غانم غياب هذه المرجعية، إذ ترى أن الاعتماد على التقييمات الشخصية والشفهية للوحدات لا يعكس القيمة الحقيقية، وأن السوق يحتاج إلى طرق تقييم موضوعية وعادلة كي يبلغ مرحلة النضج.
غياب التأجير: يعتمد تعريف المسودة للتطوير العقاري على تشييد مبان بهدف التصرف فيها أو في وحداتها، ولا يتناول النص، بحسب قراءتنا، التأجير المؤسسي أو الإيجار المنتهي بالتملك، ما يترك الباب مفتوحا حول كيفية معاملة الوحدات المحتفظ بها للتأجير في إطار القيد والتصنيف. لكن فكري يرى أن التأجير المؤسسي قادم سواء شمله النص أم لا، متوقعا أن تدخل الصناديق والشركات المتخصصة هذا المجال ليصبح قناة جديدة لدعم مبيعات القطاع.
والمزيد من التفاصيل الغائبة أيضا: تخلو المسودة من رسوم القيد أو العضوية، ومن النسب المنصوص عليها في المادة (37)، ومن بديل مالي للإيقاف، ومن الحدود القصوى للعقوبات؛ ومن المقرر إعدادها جميعا بعد التوافق على المواد الموضوعية. وثمة تفصيل واحد محسوم بالفعل: يظل بإمكان المطور الموقوف أو المشطوب استكمال المشروعات قيد التنفيذ، حماية لمشتري الوحدات في هذه المشروعات.