Posted inعقارات

الاتحاد المرتقب للمطورين العقاريين في مصر يسعى لتصنيف الشركات دون إقصاء الوافدين الجدد

يحتاج القطاع العقاري في مصر إلى جهة تنظيمية تضبط إيقاع السوق دون أن توصد أبوابه أمام الوافدين الجدد الجادين، وهو الدور المرتقب لاتحاد المطورين العقاريين المزمع تأسيسه؛ إذ يتوقع أن يتولى تصنيف المطورين لفئات تحدد حجم المشروعات المؤهلين لتنفيذها. وقال عاملون في القطاع لإنتربرايز إن هذه الخطوة قد تؤدي إلى استبعاد الشركات التي تعاني نقصا في رأس المال، لكنهم أضافوا أنها قد ترسخ أيضا هيمنة الشركات الكبرى في السوق إذا لم تجلب منظومة التصنيف هذه معها مسارا واضحا وموثوقا يسمح للشركات الأحدث بالترقي عبر مراتب التصنيف.

الأمر ذو أبعاد وطنية: يسهم القطاع العقاري بأكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما قاله فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات بجمعية رجال الأعمال المصريين، خلال حديثه إلى إنتربرايز. وأشار فوزي إلى بناء 22 مدينة جديدة على مدار العقد الماضي، وهو ما يعادل في رأيه حجم ما بني خلال الأعوام الـ 30 السابقة. وتستضيف العاصمة الجديدة وحدها نحو 500 مطور، من بين آلاف المطورين على مستوى الجمهورية، بحسب طارق بهاء، الخبير في التطوير العقاري وعضو جمعية رجال الأعمال المصريين. وأوضح بهاء أن القطاع يمثل ركيزة أساسية لأكثر من 100 صناعة مرتبطة به.

الإطار العام يتشكل، في غياب التفاصيل التنفيذية: تعكف وزارة الإسكان على إعداد تشريع لجعل عضوية الاتحاد إلزامية، وإنشاء سجلات مهنية، وتصنيف المطورين وفق ملاءتهم المالية وسجل التنفيذ وحجم مشاريعهم وقدراتهم الفنية والإدارية. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه التصنيفات ستقتصر على كونها إرشادية للسوق فحسب، أم أنها ستحدد كذلك من يحق له الحصول على أراض، أو تدشين مشاريع، أو حتى ممارسة النشاط من الأساس.

يتطلع بعض المطورين إلى أن تسفر التصنيفات المرتقبة عن تأثير حقيقي؛ وذلك لأن التصنيف المسبق للشركات من شأنه منع تخصيص الأراضي للشركات التي تفتقر للخبرة الكافية، واختصار الوقت الذي تقضيه الجهات الحكومية في مراجعة طلبات المطورين المؤهلين، وفق ما قاله علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة بيتا إيجيبت للتنمية العمرانية، في تعليقه إنتربرايز. وأضاف فكري: "يحمل التصنيف المسبق ميزة تشغيلية كبرى للمطورين الجادين؛ إذ يمكنه تقليص الوقت الذي تستغرقه الجهات الحكومية في دراسة ملفات تخصيص الأراضي، مما يسرع عجلة الاستثمار للشركات المحلية والأجنبية على حد سواء".

السوق بحاجة إلى فلترة

طرح المبيعات ليس معيارا للنجاح: دخلت أكثر من 1000 شركة إلى السوق مع زيادة المعروض من أراضي التطوير خلال العقد الماضي، ويفتقر نحو نصف هذا العدد إلى الخبرة الكافية، بحسب فوزي، الذي يربط هذا الوضع بزيادة حالات التعثر وتأخيرات التسليم، التي تفاقمت نتيجة لتعويم العملة وارتفاع تكاليف البناء. ويرى بهاء أن الاتحاد المرتقب تأسيسه ينبغي له أن يغير آلية تقييم المطورين، كي لا تعتمد فقط على المبيعات. وقال بهاء لإنتربرايز: "قياس نجاح المطور عبر حجم المبيعات ينتمي إلى زمن قد ولّى بالفعل. فالنجاح الحقيقي في الوقت الراهن يقاس بالقدرة على إدارة التدفقات النقدية، والالتزام بالتنفيذ، وإدارة المشروع باحترافية".

لن يناسب تصنيف واحد جميع المطورين؛ إذ يجب أن يمنع التصنيف أي شركة قادرة على تطوير 20 فدانا من تولي مشروع مساحته 300 فدان دون امتلاكها الموارد اللازمة للوفاء بالتزاماتها، حسبما يرى بهاء. لكن حجم المشاريع وحده لا يجب أن يكون معيار التصنيف الأوحد دائما. فقد تكون الشركة قادرة تماما على تسليم مشروع بمساحة 50 فدانا ومع ذلك تفتقر إلى الخبرة لتطوير 300 أو 400 فدان، حسبما أوضح مصطفى صلاح، الرئيس التنفيذي لشركة "وان أوف وان"، التي بدأت تنفيذ باكورة مشاريعها هذا العام، مشيرا إلى أن القوة المالية وحدها لا تكفي أيضا، وأنه لا ينبغي معاقبة المطورين الأحدث لمجرد أن موعد تسليم أول مشروع لهم لم يحن بعد.

التصنيف الأقل يجب أن يكون نقطة انطلاق لا نهاية المطاف: في تعليقه لإنتربرايز، قاله كاتسبي لانجر باجيت، رئيس شركة سافيلز مصر، إن الإطار التنظيمي الموثوق ينبغي له أن يكافئ المطورين الذين يتمتعون بسجل حافل في التسليمات، وفي الوقت نفسه يمنح الشركات الجديدة الجادة مسارا واضحا لبناء سمعتها بمرور الوقت. وأضاف أن المطورين الأصغر والأحدث يجب أن يُسمح لهم بالارتقاء من خلال تعزيز رؤوس أموالهم، وهياكلهم الإدارية، وتقاريرهم، وسجل التنفيذ الخاص بهم. وقال صلاح: "المطور المصنف في الفئة (ج) ليس بالضرورة مطورا سيئا. السؤال الأهم هو الأسس التي وضع هذا التصنيف استنادا إليها، وما إذا كانت الشركة تمتلك فرصا عادلة للنمو، بدلا من أن تجد السوق مغلقة تماما لصالح الشركات العاملة منذ 20 أو 30 عاما".

البعض يرى أن الشراكة لا يجب أن تكون السبيل الوحيد للارتقاء: قد يدفع التصنيف المطورين الأصغر حجما نحو الاندماج، والاستحواذ، والمشاريع المشتركة مع شركات ذات تصنيف أعلى، وهو توجه نشهده بالفعل، حسبما قال صلاح. لكن الاندماج لا ينبغي أن يصبح المسار الوحيد لتنفيذ مشاريع أكبر. إذ قال صلاح لإنتربرايز: "ينبغي ألا يكون هذا هو طريقي الوحيد لتحسين تصنيفي. فإذا كنت مطورا جادا وكانت المتطلبات عادلة، فيجب أن أكون قادرا على تلبيتها داخل شركتي، والنمو، وتحسين تصنيفي".

لكن آخرين يتبنون وجهة نظر أكثر تشددا. قال فكري: "لن تُستبعد الشركات الناشئة من السوق، لكن يجب عليها الدخول من خلال شراكات مع أشخاص لديهم خبرة فعلية في التطوير العقاري". ويصل هذا الخلاف إلى أسس تصميم الإطار التنظيمي، وما إذا كانت الشراكات تمثل أحد المسارات التي تسمح بالارتقاء في التصنيف، أم أنها شرط رئيسي لدخول السوق من الأساس.

النصف المفقود: حماية المشترين

تنظيم المطورين وحده لن يحمي المشترين: يقول فوزي إن الاتحاد يختص بالمطورين وليس المشترين، وهو ما يترك الثغرة الأساسية في السوق دون معالجة. وقال في حديثه إلى إنتربرايز: "يمكن للاتحاد تصنيف الشركات ومنعها من تولي مشاريع تفوق قدراتها". لكنه أشار إلى الحاجة إلى هيئة وطنية مستقلة بعيدا عن الاتحاد المرتقب لتولي مهمة الإشراف على العلاقة بين المطور والمشتري والوسيط، على غرار المعمول به في السعودية والإمارات.

وتبقى حسابات الضمان هي الآلية التي يطالب بها الجانبان باستمرار؛ فإلزام المطورين بفتح حسابات الضمان، التي تضمن احتجاز مدفوعات المشترين وعدم صرفها إلا بعد التحقق من مراحل إنجاز البناء، من شأنه القضاء على ما وصفه فكري بأكثر الممارسات إضرارا بالسوق، وهي استخدام مقدمات المشاريع الجديدة لتمويل أعمال البناء في مشاريع قديمة متعثرة. وقال فكري: "هذه الممارسة طالما هددت معدلات التنفيذ وثقة المشترين". ويدعم فوزي الأداة ذاتها، إلى جانب قواعد تمنع المطورين من تسويق أو بيع الوحدات قبل الحصول على الموافقات القانونية، وتوحيد نسب التحميل لتمكين المشترين من مقارنة المساحات الحقيقية للوحدات.

من يقيم المُقيِّمين؟

لا يمكن للشركات التي تضع قواعد التصنيف تقييم منافسيها؛ فإذا كان المطورون العاملون هم أنفسهم أعضاء في مجلس إدارة الاتحاد، فيجب في هذه الحالة أن تتولى لجان فنية مستقلة عملية التصنيف، بعيدا عن توجيهات مجلس الإدارة، حسبما يراه صلاح. وحذر من أن مجرد شبهة المحاباة قد تقوض النظام بأكمله. وسيعتمد تأثير الاتحاد في النهاية على كيفية تأسيسه، وهوية من يديره، وما إذا كانت قواعده تطبق باستمرار وشفافية، وفقا لما قاله لانجر باجيت لإنتربرايز.

هل سيكون الاتحاد صوتا للمطورين أم قاضيا يبتّ في أمورهم؟ يجب أن يكون الدور الأساسي للاتحاد هو تنظيم المهنة، وتمثيل المطورين الجادين، والمساعدة في خلق بيئة عمل أكثر دعما، بدلا من التحول تلقائيا إلى هيئة شبه قضائية، بحسب صلاح. وأضاف: "نحن لا نؤسس هذا الاتحاد للوقوف ضد المطورين؛ بل لتنظيم السوق، وتشجيع الشركات الجادة، ومنح القطاع صوتا أقوى أمام الجهات الحكومية".

أسباب التأخير متفاوتة: يجب أن يكون الالتزام بمواعيد التسليم محوريا في عملية التصنيف. ومع ذلك، لا يمكن أن يُنظر تلقائيا إلى تفويت موعد التسليم على أنه دليل على سوء الإدارة، وفق صلاح، مشيرا إلى الصدمات الناتجة عن تقلبات العملة ونقص المواد، التي يمكن أن تعطل البناء في السوق بأكملها. إذ ينبغي للتقييم أن يُفرق بين الضغوط الخارجية الموثقة وبين الإخفاقات التي تقع على عاتق المطور، مثل بيع وحدات بمواصفات معينة وتسليم أخرى مختلفة، أو الفشل في توفير المرافق الموعودة، أو التأخير المتكرر دون مبرر مقنع.

أين تكمن الفائدة الكبرى للتصنيف؟

تكمن الأهمية القصوى للسجل في إنصاف الشركات التي ما زالت تبني سمعتها: من شأن أي نظام تصنيف موثوق أن يمنح المشترين والمؤسسات الاستثمارية أساسا أوضح للمقارنة بين المطورين، لا سيما خارج نطاق الشركات الكبرى المعروفة بسجل تسليماتها، حسبما ذكر لانجر باجيت. وأضاف أن غياب معايير موحدة للإفصاح وشروط العقود والتقارير يجعل من الصعب حاليا على المشترين والمستثمرين مقارنة الشركات وتقييم المخاطر بثقة. ومن جانبه أشار صلاح إلى أن كبار المطورين لا يحتاجون إلى مساعدة لإثبات مكانتهم؛ بل تكمن القيمة الحقيقية في منح المشترين رؤية أوضح عن الشركات الأحدث والأقل شهرة.

مصداقية الاتحاد تنبع من قوة النظام الذي يبنيه: يبدو أن هناك اتفاقا واسعا بين المطورين والعاملين في القطاع الذين تحدثوا لإنتربرايز حول الحاجة إلى كيان موحد. بيد أن قيمته ستعتمد على شفافية التصنيفات، والإدارة المستقلة، وإتاحة مسار حقيقي لتقدم المطورين الجادين. وقال لانجر باجيت: "من شأن وجود مؤسسة قوية بصلاحيات واضحة أن يحدث تغييرا حقيقيا في السوق، أما الكيانات الشكلية فلن تقدم الكثير". ويرى بهاء أن القطاع يدخل مرحلة فرز، ليصبح المعيار الحاسم لتقييم المطورين هو قدرتهم على تسليم المشروعات وإدارتها، وليس فقط حجم مبيعاتهم.

ماذا بعد؟

ترقبوا نموذج "البناء للإيجار": مع تآكل القوة الشرائية لشريحة واسعة من المشترين، يتوقع فكري أن تتجه صناديق الاستثمار والشركات المتخصصة نحو التأجير المؤسسي — أي شراء وتأجير وإدارة الوحدات السكنية بنظام التعامل بين الشركات وبعضها أو بين المستأجرين والشركات — لتصبح قناة جديدة لدعم مبيعات القطاع. ولا يزال التساؤل قائما حول ما إذا كان إطار التصنيف سيستوعب هذا النموذج، أم أنه سيتمحور فقط حول بيع الوحدات قيد الإنشاء تماشيا مع الاتجاه السائد في الوقت الحالي؛ وهو ما سنترقبه مع ممع المضي قدما في إقرار مشروع القانون.