أبقى البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير للاجتماع الخامس على التوالي، غير أن نبرة توجيهاته المستقبلية للسياسة النقدية شهدت تغييرا ملموسا. وقررت لجنة السياسة النقدية بالبنك في اجتماعها يوم الخميس الإبقاء على سعر الإيداع لليلة واحدة حاليا عند 19.0%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20.0%، وسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%، وفق ما جاء في بيان البنك (بي دي إف).
طرأ تغيير ملحوظ على لهجة التوجيهات المستقبلية؛ إذ تخلى البنك المركزي عن صياغة "هامش موجب مناسب في سعر الفائدة الحقيقي" التي واظب على استخدامها منذ شهر أبريل الماضي. وبدلا من الإشارة إلى استعداده لتعديل سياسته للعودة إلى مستهدف التضخم، أكدت لجنة السياسة النقدية التزامها الأوسع بأنها "لن تتوانى عن استخدام ما لديها من أدوات حفاظا على استقرار الأسعار". وأشار البيان إلى أن "المستوى الحالي من التقييد النقدي يتيح حيزا للحد من" المخاطر التضخمية، مما يحافظ على المسار النزولي المتوقع للتضخم. ويجعل هذا التحول التوجيهات المستقبلية أقل ارتهانا بهامش محدد للفائدة الحقيقية أو بإطار زمني بعينه، مما يمنح البنك المركزي مرونة أكبر، وفق ما أوضحه دويتشه بنك في مذكرة بحثية حديثة (بي دي إف).
تقييم التضخم دعم قرار التثبيت: قال البنك المركزي إنه على خلفية "التطورات الأخيرة في التضخم والتي جاءت أكثر إيجابية من التوقعات" للاجتماع الثاني على التوالي، خفض توقعاته للتضخم مقارنة باجتماع لجنة السياسة النقدية في أغسطس الماضي. ويتوقع البنك حاليا أن "يشهد المعدل السنوي للتضخم العام استقرارا في الربع الثالث من عام 2026". ويعد هذا تحولا عن بيان أغسطس الذي توقع تسارعا مؤقتا في الربع الثالث متأثرا بالتأثير السلبي لفترة الأساس.
البيانات وراء التغيير
سلط البنك المركزي الضوء على "الاستقرار واسع النطاق عبر مكونات سلة الرقم القياسي لأسعار المستهلكين على مدار الأشهر الثلاثة الماضية"، مستشهدا بمعدلات التضخم العام الشهرية التي سجلت سالب 0.4% في يونيو، و0.0% في يوليو، و0.1% في أغسطس. وتباطأ التضخم السنوي العام في مدن مصر إلى 14.5% في أغسطس، ليأتي أقل من توقعات رويترز البالغة 15.5% وأدنى كذلك من تقديرات المركزي السابقة بارتفاع التضخم خلال الربع الثالث. وتراجعت أسعار المواد الغذائية للشهر الثالث على التوالي (بنسبة 1.1% على أساس شهري)، ممّا استوعب أثر الزيادة في أسعار شرائح الكهرباء للاستهلاك المنزلي البالغة نحو 12%، والتي رفعت تكاليف السكن بنسبة 42.8% على أساس سنوي. وارتفع التضخم الأساسي ارتفاعا طفيفا إلى 14.9% مقارنة بـ 14.7%، وهو ما وصفه المركزي بـ "استقرار الأسعار بوجه عام" عبر السلع الغذائية الأساسية والسلع الاستهلاكية والخدمات.
ولا تزال التوقعات قائمة بتراجع التضخم تدريجيا نحو مستواه المستهدف البالغ 7% (± 2 نقطة مئوية) خلال النصف الثاني من عام 2027، دون تغيير عن التوجيهات السابقة. ووفق السيناريو الأساسي للمركزي، يتوقع أن يسجل التضخم 16.6% في المتوسط خلال العام المالي 2026/2027، قبل أن يتباطأ إلى 8.1% في العام المالي 2028/2027.
لكن، لماذا التثبيت؟
معضلة النمو: أكد البنك المركزي تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.7% في الربع الثاني من عام 2026 مقارنة بـ 5.0% في الربع الأول، وهو ما "يرجع بصفة رئيسية إلى تداعيات التوترات الإقليمية". وبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام المالي 2026/2025 نحو 5.1%، متوقعا أن "يظل مستقرا إلى حد كبير عند هذا المستوى خلال العام المالي 2027/2026".
لكن المركزي يرى أنه "لا يزال مستوى الناتج أقل من طاقته القصوى"، ولن يقترب منها تدريجيا إلا بحلول النصف الثاني من عام 2027. وأوضح البنك أن فجوة الناتج السالبة الناجمة عن ذلك "تشير إلى أن الضغوط التضخمية الناشئة عن جانب الطلب ستظل محدودة في الأجل القصير، مدعومة بقدر مناسب من السياسة النقدية التقييدية".
ثلاثة مخاطر على رادار المركزي
أوضح البيان أن "ميزان المخاطر المحيطة بتوقعات التضخم لا يزال يميل نحو الاتجاه الصعودي؛ وذلك انعكاسا لتجدد الأعمال العدائية على الصعيد الإقليمي". وبشكل أكثر تحديدا، يرى المركزي أن هذه المخاطر من شأنها "التأثير على التضخم المحلي من خلال انتقال أثر إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة وارتفاع الأسعار العالمية للغذاء بمعدلات تتجاوز التوقعات، لا سيما إذا ظلت الأسعار العالمية للطاقة مرتفعة لفترة ممتدة".
كما تظهر الضغوط على فاتورة الواردات بصورة أوضح على صعيد البيانات الرسمية؛ إذ بلغ إجمالي حجم التجارة الخارجية لمصر 89 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بارتفاع قدره 19% مقارنة بـ 75 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (بي دي إف). واتسع العجز التجاري بنحو 45% ليصل إلى 33 مليار دولار مقابل 22.8 مليار دولار قبل عام، نتيجة قفزة الواردات بنسبة 25% إلى 61 مليار دولار (بزيادة بلغت نحو 12 مليار دولار)، في حين ارتفعت الصادرات بنسبة طفيفة بلغت 7% (1.9 مليار دولار) لتسجل 28 مليار دولار.
وتكاليف الشحن على وشك أن تفاقم من هذه الفاتورة؛ إذ قررت شركة هاباج لويد رفع أسعار نولون الشحن الشامل لجميع أنواع البضائع من الشرق الأقصى إلى أوروبا اعتبارا من 19 أكتوبر. وسترتفع التعرفة الشاملة المتجهة إلى مصر وتركيا والشرق الأوسط إلى 3.6 ألف دولار للحاويات سعة 20 قدما، و5.1 ألف دولار للحاويات سعة 40 قدما، وفقا لإخطار من الشركة، وتتضمن الأسعار الجديدة رسوم استرداد وقود السفن وستظل سارية حتى إشعار آخر.
التوقعات قصيرة الأجل مرهونة بأسعار الوقود
أوضحت هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة "إتش سي لتداول الأوراق المالية"، وهي الوحيدة التي غردت خارج السرب قبل الاجتماع متوقعة رفع الفائدة، في تصريحات لإنتربرايز الأسبوع الماضي، أن دعواتها لرفع الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس بنيت على التحركات المرتقبة وليس التطورات المسعرة بالفعل. وتتوقع منير أن يصل التضخم في سبتمبر إلى 1.3% على أساس شهري متأثرا بالتعديلات الموسمية للإيجارات وبداية العام الدراسي، على أن يرتفع أكثر في أكتوبر إلى نحو 2.1% على أساس شهري بالتزامن مع الانعكاس المتوقع لزيادة أسعار الوقود بنحو 10% وخفض الدعم. ويرى دويتشه بنك أيضا تسارعا للتضخم خلال الفترة المتبقية من عام 2026 ليصل إلى 15-16% مدفوعا بزيادات أسعار الوقود وانتعاش أسعار الأغذية العالمية، مشيرا إلى أن "رفع الفائدة خلال الربع الرابع يظل سيناريو قائما ضمن المخاطر".
ويبدي صندوق النقد الدولي حذرا أكبر؛ إذ توقع أن يسجل التضخم 16.7% في المتوسط خلال النصف الثاني من عام 2026 على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض سعر الصرف، مع تأخر الاقتراب نحو المستهدف بنحو عام كامل. وأشار الصندوق إلى أن نظام سعر الصرف المرن في مصر امتص صدمة الحرب الإيرانية بدرجة أفضل مقارنة بالأزمات السابقة، إلا أن مواطن الضعف القائمة والمتمثلة في ارتفاع إجمالي الاحتياجات التمويلية وتراكم الديون قصيرة الأجل وتنامي البصمة الاقتصادية للدولة لا تزال تشكل مخاطر على المدى المتوسط.
في المقابل، يبدو بنك مورجان ستانلي أكثر تفاؤلا؛ إذ يتوقع أن يسجل التضخم 13.2% في سبتمبر، ويهبط إلى ما دون 13% في أكتوبر، قبل أن يصل إلى 11.8% بحلول ديسمبر 2026. ويتوقع البنك أن يُبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، موضحا أن "التوترات الإقليمية تطغى على المساحة المتاحة للتيسير النقدي".
المشهد العالمي يضيف بعدا آخر: فقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى 3.75-4.00%، وهي الزيادة الأولى في عهد رئيسه الجديد كيفن وارش، مع توقع 16 من أصل 18 مسؤولا إقرار زيادة أخرى على الأقل هذا العام. فيما تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في وقت سابق من هذا الشهر.
حائط صد خارجي
سعر العائد على الإقراض البالغ 20% مقابل معدل تضخم عند 14.5% يمنح عائدا حقيقيا إيجابيا بنسبة 5.5%، وهو ما يشكل حائط صد حتى لو استمر الفيدرالي الأمريكي في رفع الفائدة، وفق ما قاله هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، لإنتربرايز الأسبوع الماضي. وأضاف جنينة: "حتى لو رفع الفيدرالي أسعار الفائدة إلى 4.25-4.50%، فإن الفجوة لا تزال واسعة جدا لصالح الجنيه المصري".
وسجل صافي الاحتياطيات الدولية 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس، بزيادة قدرها 920 مليون دولار مقارنة بشهر يوليو. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن مرونة سعر الصرف سمحت للبلاد بتجاوز أزمة تخارج رؤوس الأموال في وقت سابق من هذا العام دون استنزاف الاحتياطيات، على عكس الأزمات السابقة المرتبطة بتثبيت سعر الصرف.
ما نترقبه في المرحلة المقبلة
يبدو البنك المركزي راضيا عن المستويات الحالية لأسعار الفائدة باعتبارها "حائط صد" بدلا من الالتزام بمعادلة صارمة للفائدة الحقيقية، ويُبقي على كافة أدواته النقدية متاحة عوضا عن حصر نفسه في مسار واحد. وستختبر الاجتماعات المقبلة للجنة السياسة النقدية في 29 أكتوبر و17 ديسمبر، ما إذا كانت المخاطر التي حددها البنك المركزي نفسه (أسعار الوقود، وتكاليف الغذاء، وصدمة الطاقة الممتدة) ستتحقق بدرجة كافية لدفعه نحو اتخاذ إجراء بشأن الفائدة.