من المرجح أن تقتنص الذرة الأمريكية حصة سوقية أكبر في مصر هذا الموسم، بعدما أدت اضطرابات البحر الأسود إلى إقصاء أوكرانيا من إحدى أسواقها الرئيسية، وفق ما نقله تقرير حديث صادر عن ستاندرد آند بورز جلوبال كوموديتيز عن مستوردين مصريين. غير أن تجارا تحدثت إليهم إنتربرايز أبدوا شكوكهم في إمكانية تحقق هذا السيناريو. فقد اختفت الذرة الأوكرانية من السوق تقريبا؛ إذ لم تستقبل مصر أي شحنة منها منذ شهر مايو، في تراجع حاد عن ذروة الاستيراد المعتادة بين شهري أكتوبر ومارس، وفقا لبيانات شركة لات للملاحة والتجارة. لكن أمريكا الجنوبية نجحت في سد هذه الفجوة حتى الآن. ولم يشتر أي مستورد محلي ذرة أمريكية خلال النصف الأول من سبتمبر. بل إن "100% من الشحنات الواردة خلال هذه الفترة كانت برازيلية"، وفق بيانات التتبع التي شاركها معنا المدير العام لشركة ميديتيرينيان ستار للتجارة هشام سليمان.
تذكر: تستغرق شحنات الحبوب الأوكرانية حاليا أكثر من شهر للوصول إلى وجهتها، بدلا من نحو 12 يوما في السابق، إذ تضطر السفن للانتظار أسابيع للعبور من وإلى نهر الدانوب عبر قناة سولينا. وكانت أوكرانيا قد حولت مسار صادراتها عبر النهر بعد أن أدت الهجمات الروسية إلى إغلاق موانئها الرئيسية على البحر الأسود، والتي كانت تتعامل مع نحو 90% من صادرات البلاد من الحبوب. وتدهور الوضع بشدة بعد استهداف روسيا للبنية التحتية على ضفاف النهر. وصرح سليمان لإنتربرايز بأنه "لا يرى أي دور للحبوب الأوكرانية حتى يُحسم هذا الصراع، سواء كانت قمحا أو ذرة أو صويا أو زيتا".
أهمية ذلك: تعتمد مصر بشدة على الواردات لسد العجز الهيكلي الضخم في الأعلاف، مع توقعات بأن تصل واردات الذرة إلى 10.5 مليون طن في العام المالي 2027/2026. وتمثل الذرة ما بين 60% و70% من مكونات أعلاف الماشية والدواجن والأسماك محليا، لذا فإن أي اضطراب في سلاسل الإمداد يهدد منظومة الثروة الحيوانية مباشرة. ولا يغطي الإنتاج المحلي سوى أقل من 40% من الطلب، ويظل ضئيلا للدرجة التي لا تمكنه من تعويض فاتورة الواردات، مما يجعل مصانع الأعلاف عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وضغوط سعر الصرف.
وينقسم التجار حول مدى عمق هذا التحول. فحتى 15 سبتمبر، لم تزد حصة الذرة الأوكرانية عن 8% فقط من إجمالي واردات مصر من المحصول الاستراتيجي هذا العام، مقابل 2% للذرة الأمريكية، وهي فجوة يتوقع المستوردون الذين استشهد بهم تقرير ستاندرد آند بورز تقلصها مع اتجاه المشترين لتنويع مصادرهم بعيدا عن المورد الذي توقفت شحناته عمليا. ورجح أحد المشترين المصريين أن تختفي الذرة الأوكرانية تماما من السوق إذا لم تتحسن الأوضاع في البحر الأسود، بينما كان مشتر آخر مقره القاهرة أكثر حذرا، مستبعدا أن تحل الذرة الأمريكية محل الواردات الأوكرانية بالكامل خلال الأشهر المقبلة.
ويعزو هذا التردد إلى تحديات التسعير والخدمات اللوجستية وتقلبات أسعار الصرف، وليس إلى تراجع الطلب. ففي حين أن جودة الذرة الأمريكية تضاهي نظيرتها الأوكرانية، يوضح سليمان لإنتربرايز أن الموردين الأمريكيين يفرضون حاليا أسعارا تبعدهم عن المنافسة بالسوق. وأضاف: "ما لم يعدلوا أسعارهم، فلن يتجه أي مستورد مصري إلى الذرة الأمريكية بدلا من الأرجنتينية أو البرازيلية". ويعتمد المشترون المحليون للذرة الأوكرانية عادة على سفن صغيرة تحمل نحو 30 ألف طن، ومحاولة جلب شحنات مماثلة الحجم من الولايات المتحدة ستجعل تكاليف الشحن والأسعار النهائية أقل تنافسية بكثير. وتضيف هيكلة التسعير عقبة أخرى؛ إذ تُباع الذرة الأوكرانية بسعر ثابت، مما يمنح المشترين رؤية واضحة للتكاليف، بينما تُسعر الذرة الأمريكية بعلاوة سعرية فوق العقود المستقبلية في بورصة شيكاغو، مما يعرض المشترين لكل من العلاوة السعرية وتقلبات سوق العقود المستقبلية. وقدرت مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال بلاتس سعر الذرة الأوكرانية تسليم ظهر السفينة (FOB) بموانئ التصدير بنحو 226 دولارا للطن للشحنات المحملة في أكتوبر، مقابل 251.28 دولار للطن للذرة الأمريكية تسليم ظهر السفينة في ساحل الخليج الأمريكي حتى 16 سبتمبر.
وتفاقم تكاليف الشحن ومخاطر العملة من حجم الأعباء. فقد أدت القفزات الأخيرة في أسعار خام برنت إلى ارتفاع حاد بتكاليف شحن السفن الصغيرة في البحر الأسود، لتقفز من 50 دولارا إلى 130 دولارا للطن في غضون 60 يوما. ويصف سليمان أسعار الشحن بأنها "أصبحت تعجيزية"، لافتا إلى أن المستوردين يواجهون كذلك مخاطر العملة في ضوء الزيادات الأخيرة بأسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي وتقلبات الجنيه: "مع تذبذب الجنيه وخروج الأموال الساخنة وارتفاع الدولار، فإن فترات العبور الأطول تعني ببساطة مخاطر أعلى عند تسوية المستندات". وبعيدا عن عقبات التسعير الفورية، يرى سليمان أن عامل الوقت يقف بالفعل عائقا كبيرا أمام المصدرين الأمريكيين. وأضاف: "تفصلنا نحو شهرين عن عطلات عيد الميلاد، وهي الفترة التي تتوقف فيها حركة التجارة فعليا، وتستغرق الرحلة البحرية شهرا كاملا من هذه الفترة".
وفي المقابل، تتجه مصانع الأعلاف نحو مسار مختلف. إذ يؤكد سليمان أن "مصانع الأعلاف المحلية تركز بشدة على المناشئ البرازيلية والأرجنتينية لأن جودتها أفضل بكثير". ويرى أنه كي يتمكن المنشأ الأمريكي من النفاذ للسوق، يتعين على المصدرين عرض أسعار تقل بنحو 500 إلى 600 جنيه للطن عن أسعار الذرة البرازيلية والأرجنتينية.
ورغم ذلك، فإن جهود التصدير التي تقودها واشنطن جادة. ففي إطار عدة حملات تجارية لتوسيع الأسواق الدولية أمام المزارعين الأمريكيين، تفاوضت واشنطن على خفض الرسوم الجمركية وتوسيع نطاق الدخول إلى الأسواق في وجهات عالمية، من البرازيل إلى إندونيسيا وتايوان والهند وفيتنام، وغيرها من الدول الآسيوية. ومصر لا تخرج عن هذا النطاق؛ إذ قفزت وارداتنا من المنتجات الزراعية والغذائية الأمريكية بنسبة 50% لتصل إلى 2.3 مليار دولار في عام 2025 (مقارنة بنحو 1.49 مليار دولار في 2024). وبينما قاد فول الصويا الأمريكي هذه الطفرة، مسجلا 1.75 مليار دولار بالتزامن مع تعافي قدرات العصر المحلية، سجلت الذرة الصفراء عودة قوية، محققة 152.81 مليون دولار من خلال استيراد 712 ألف طن، مما أرسى موطئ قدم للموردين الأمريكيين في ظل تباطؤ الشحنات القادمة من البحر الأسود. غير أن موطئ القدم هذا، الذي ترسخ العام الماضي، هو ذاته ما تعثر هذا الموسم بسبب حسابات التسعير وتكاليف الشحن.
أمريكا الجنوبية تظل المصدر الرئيسي لواردات مصر من الذرة: شكلت الذرة البرازيلية والأرجنتينية معا 88% من واردات مصر من الذرة هذا العام حتى 15 سبتمبر (بنسبة 60% و28% على الترتيب)، مع توقعات بوصول نحو 1.3 مليون طن إضافية من الذرة البرازيلية بحلول 15 أكتوبر. ويتسق هذا مع ما ذكرناه في يونيو، حينما قدر سليمان حصة البرازيل من واردات مصر من الذرة بنحو 51.4% حتى منتصف مايو، مقابل 17.8% للأرجنتين و17.5% لأوكرانيا، ما يعني أن تراجع أوكرانيا من ذلك المستوى إلى 8% اليوم جاء سريعا للغاية، حتى مع كون التحول الهيكلي نحو الإمدادات القادمة من أمريكا الجنوبية يسبق اضطرابات البحر الأسود هذا العام.
استعدت مصر مسبقا لهذا التحول: توسع المشروع القومي للصوامع ليصل إلى 81 صومعة على مستوى الجمهورية بحلول عام 2025، لترتفع السعة التخزينية من 1.5 مليون إلى 3.6 مليون طن، مع استهداف الوصول إلى 6 ملايين طن بحلول عام 2030، وهي طاقة استيعابية شُيدت جزئيا بناء على افتراض استمرار تقلب الإمدادات من البحر الأسود. وينعكس هذا المنطق ذاته الآن في التحركات الدبلوماسية؛ إذ أجرى وفد من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مباحثات في مدينة ساو باولو هذا الأسبوع بشأن إنشاء مركز لوجستي عالمي للحبوب ومركز توزيع لوجستي، وذلك قبيل زيارة بعثة تجارية برازيلية مرتقبة في أوائل ديسمبر، في خطوة تستهدف إضفاء الطابع الرسمي على دور البرازيل كأكبر مورد للذرة إلى مصر، وفقا لبيان.
السياق: تعد هذه الخطوة الأحدث ضمن المساعي التي نتتبعها منذ عام 2024، عندما بدأ سبعة مستثمرين برازيليين دراسات جدوى لإنشاء منطقة لوجستية لتداول الذرة وفول الصويا والسكر بغرض إعادة تصديرها إلى الأسواق العربية والأفريقية. وسعى وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى إحياء هذه الجهود على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة بريكس في مايو بالعاصمة الهندية نيودلهي، كجزء من تحركات دبلوماسية أوسع تستهدف تحويل مصر إلى مركز للحبوب. وتتضمن هذه الاستراتيجية إجراء محادثات موازية مع روسيا وبيلاروسيا لترسيخ مكانة مصر كـ نقطة انطلاق إقليمية لإعادة تصدير الحبوب في أعقاب اضطرابات البحر الأسود عام 2022.