ما حدود التقلبات المقبولة في سعر الصرف؟ يزداد في هذه الآونة تأثر قيمة الجنيه المصري بتدفقات رؤوس الأموال والصدمات الجيوسياسية، واستجابة لهذا الوضع يرى خبراء اقتصايون تحدثوا إلى إنتربرايز أن التحركات الأخيرة تعكس ميزات نظام سعر الصرف المرن في مصر، ولا تشكل تهديدا للاستقرار المالي. ويبقى السؤال المطروح حول المعيار الذي يحدده صانعو السياسات للتفرقة بين المرونة الصحية والتقلبات المفرطة، وما إذا كانت طموحات مصر التصديرية تتطلب عملة محلية أضعف أم أكثر استقرارا.
معادلة جديدة للتوازن: لم يعد البنك المركزي المصري يواجه المعضلة التي هيمنت على سياساته لسنوات، والتي تتمثل في الدفاع عن سعر صرف ثابت. فبعد تحوله إلى نظام سعر الصرف المرن، أتاح للعملة احتواء الصدمات الخارجية، مع السعي لعدم انعكاس هذه التقلبات على معدلات التضخم أو الاستقرار المالي أو ثقة المستثمرين. ويرى معظم المحللين والخبراء الاقتصاديين أن مصر تقف حاليا في الموضع الآمن من هذه المعادلة.
التذبذبات علامة على كفاءة النظام
تقلبات طبيعية وليست إخفاقا في السياسات: "لا يوجد أي سبب يدعو للتعامل مع التحركات الأخيرة للجنيه المصري على أنها تهديد للاستقرار المالي"، حسبما ينوه هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس. ويضيف جنينة: "أستغرب بصراحة من استحواذ تحركات الجنيه صعودا أو هبوطا بمقدار جنيه واحد على صدارة عناوين الأخبار؛ إذ ينبغي لنا أن نتحدث عن التقلبات الحقيقية عندما نشهد تحركات بنسبة 5–10%، أو تذبذبات تتراوح بين 2 و3 جنيهات خلال يوم واحد. فهذا هو المعنى الفعلي للتقلبات المفرطة، بينما نعيش اليوم حالة من التقلبات المعتدلة والمقبولة، بل والهادئة". ويوضح جنينة أن مصر حصدت مكاسب التعويم دون تحمُّل التكاليف الاعتيادية، إذ إن المستثمرين الأجانب "يتكبدون تكلفة عند الخروج ويُكافَأون عند الدخول، وقد تكيفوا بالفعل مع هذا الإطار".
ويرى علي متولي الخبير الاقتصادي المقيم في لندن أن هذه التذبذبات نتيجة طبيعية للتخلي عن تثبيت سعر الصرف. وقال: "من الطبيعي أن يتراجع الجنيه في أوقات الحروب أو خروج رؤوس الأموال أو التوترات الجيوسياسية، ثم يعاود التعافي مع عودة التدفقات وتراجع المخاطر. ولا يعني ذلك فشل مرونة سعر الصرف، بل هو الآلية المقررة لعمل نظام سعر الصرف المرن".
كما يضيف جنينة أن المرونة بحد ذاتها تؤدي دورا على مستوى الاقتصادي الكلي؛ إذ إن ترك سعر الصرف لآليات السوق يجنب البنك المركزي المصري استنزاف الاحتياطي، ويكبح الطلب المضارب على العملة الأجنبية في أوقات الضغوط. ويفسر ذلك قائلا: "يمتص السوق جزءا كبيرا من الصدمات عبر تغيّر أسعار البيع والشراء؛ إذ يؤجل بعض المستوردين الشراء، بينما يعيد بعض المستثمرين الأجانب التفكير في خروجهم، مما يقلل الضغط على الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي ويحفظ الاحتياطي الدولاري للبلاد في النهاية".
متى يساورنا القلق إذن؟
دواعي التدخل: يتفق الخبراء الاقتصاديون على أن الأوضاع الحالية مستقرة ومنظمة، لكنهم يشيرون إلى مؤشرات واضحة تستدعي تدخُّل السلطات. وأوضح متولي أن الخطر يبدأ عندما تتجاوز تحركات سعر الصرف قدرة الشركات على تسعير منتجاتها، أو عندما تعجز البنوك عن توفير العملة الأجنبية بالسعر المعلن، أو في حال ظهور فجوة ملموسة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. وأضاف: "لا نرى أيا من هذه الشروط قائما اليوم".
تقلبات العملة تحمل طابعا هيكليا
صار الجنيه أكثر تجاوبا مع التطورات العالمية بسبب طبيعة هيكل نظام مرونة سعر الصرف، وليس نتيجة لتراجع المؤشرات الأساسية للاقتصاد، حسبما أوضح متولي. وقال: "شهدت المؤشرات الأساسية تحسنا ملحوظا على صعيد الاحتياطيات وتحويلات المصريين بالخارج والسيولة بالعملة الأجنبية. غير أن سعر الصرف بات أكثر عرضة للتأثر بتدفقات محفظة الأوراق المالية والتطورات الجيوسياسية. فأي أنباء ترتبط بمضيق هرمز أو أسعار النفط أو شهية المستثمرين نحو الأسواق الناشئة تنعكس سريعا على سعر الجنيه. كما أن الاعتماد الكثيف على الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية يزيد بطبيعة الحال من سرعة تأثر العملة".
ويرى الخبير الاقتصادي إيهاب سعيد أن النفط هو المحرك الآخر على المدى القصير، بالنظر إلى فاتورة الواردات المصرية، مشيرا إلى أن "المنتجات البترولية أصبحت البند الأكبر في فاتورة الواردات الحكومية، مما يجعل الجنيه سريع التأثر بتقلبات أسعار الخام، لا سيما في أوقات التوترات الجيوسياسية". وتزيد خروج استثمارات المحفظة من حدة الضغوط، إذ "شهدت الموجة الأولى من الصراع الإقليمي في فبراير خروج نحو 8 مليارات دولار من سوق الدين المصري، ما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه بنسبة تقارب 15%".
كما ينبه متولي إلى أن الأموال الساخنة لا توفر استقرارا مستداما. فمع أن التدفقات الخاصة بالاستثمار في المحافظ تمول جزءا من احتياجات الدولة، فهي تتسم بأنها سريعة الحركة بطبيعتها، إذ يُقبل المستثمرون عند وجود مستويات فائدة حقيقية جاذبة واستقرار ظاهري للعملة، لكنهم يسارعون بالخروج مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية. ويؤكد: "لا يمكن بناء استقرار سعر الصرف على الأموال الساخنة، بل يجب أن يرتكز الاستقرار على الصادرات والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج والاستثمار الأجنبي المباشر".
التنافسية أهم من القوة
سلاح ذو حدين: تُعقد التقلبات حوكمة التضخم والسيطرة عليه، لكن الخبراء الاقتصاديين يحذرون من النظر إلى انخفاض قيمة الجنيه على أنه مؤشر سلبي في المطلق. قال متولي: "يرفع كل تراجع جديد في القيمة تكلفة السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج"، ما يدفع الشركات إلى إبداء مزيد من التحفظ في التسعير ووضع هامش أمان أكبر، وهو ما يعطل القرارات الاستثمارية. في المقابل، يرى جنينة أن المرونة المعتدلة تعزز تنافسية المصدرين. وقال: "عندما يخرج المستثمرون الأجانب ويضغطون على سعر الصرف، يستفيد المصدرون فورا من زيادة إيراداتهم بالجنيه، مما يشجع الشركات على مواصلة الاستثمار في القدرات التصديرية؛ لأن تراجع العملة يمثل تحوطا طبيعيا لجزء من التزاماتها بالعملة الأجنبية".
فيما يحذر سعيد من أن زيادة الصادرات وحدها لن تعزز قوة العملة في ظل قاعدة إنتاجية تعتمد اعتمادا كثيفا على الاستيراد. وقال: "أي زيادة في الصادرات تُقترن غالبا بزيادة الواردات، نظرا إلى أن نحو 70% من واردات مصر تتكون من المواد الخام والسلع الوسيطة. ولذا ينبغي التركيز على القطاعات ذات الاحتياجات الأقل من المكون المستورد، بدلا من الاكتفاء باستهداف رفع حجم الصادرات".
التعامل مع التقلبات
يشيد الخبراء الاقتصاديون بقدرة صانعي السياسات على حماية استقرار الاقتصاد الكلي وسط بيئة خارجية شديدة الصعوبة، وإدارة السياسة النقدية في وقت تعاني فيه المنطقة من التوترات، فيما لا تزال البلاد تتعافى من أزمة العملة. ويستشهد هؤلاء بوجود احتياطيات أجنبية تقارب 55 مليار دولار، وصافي أصول أجنبية لدى القطاع المصرفي يناهز 16 مليار دولار. كما يجادلون بأن البنك المركزي يجب عليه مواصلة تطوير الأدوات الداعمة للمرونة، وفي مقدمتها تعميق أسواق التحوط من مخاطر العملة، بدلا من الدفاع عن مستويات محددة للجنيه.
توصيات الاقتصاديين: يرى الخبراء أن تعميق سوق العقود الآجلة وعقود المبادلة للعملات الأجنبية سيتيح للشركات التحوط لتأمين احتياجاتها المستقبلية من النقد الأجنبي، دون أن تتحول إلى المضاربة في سوق الدولار. ويتفق الجميع على أن التعويم يحقق أهدافه المقررة، وأن الغاية ليست إلغاء التقلبات تماما. بل إن الاختبار الحقيقي يكمن في تحديد قدر التقلبات الممكن تحمله، قبل أن تبدأ هذه المرونة في التأثير سلبا على الثقة.