💳 أين تكمن مشكلة التمويل الاستهلاكي؟ في مايو الماضي، فتح هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة البنك التجاري الدولي، باب النقاش حول الكيفية التي يمول بها المستهلك المصري شراء الهواتف والأجهزة والأثاث، محذرا من لجوء العملاء غير المؤهلين للحصول على تمويل بنكي إلى جهات الإقراض غير المصرفية بأسعار فائدة مرتفعة رغم ضعف قدرتهم على السداد، مستشهدا بأزمة الرهن العقاري الأمريكية. (شاهد مقطع فيديو، 5:08 دقيقة)
البداية
الصناعة التي يصفها عز العرب لم تكن موجودة قبل عقد من الزمان، إذ وصلت خدمات الشراء الآن والدفع لاحقا إلى مصر أواخر 2017، عندما أسست إي إف جي هيرميس شركة فاليو باستثمار أولي بلغ 250 مليون جنيه. سرعان ما أعقب ذلك طفرة في النمو، إذ ضاعفت فاليو قاعدة عملائها ثلاث مرات لتصل إلى 170 ألف مستخدم بحلول عام 2020، وبحلول وقت إدراجها في البورصة المصرية في يونيو 2025، كانت قد سجلت أكثر من 9.2 مليون معاملة تراكمية واستحوذت على 25% من سوق التمويل الاستهلاكي. ولم تكن إم إن تي حالا ببعيدة عن هذا المسار، إذ سرعان ما أصبحت شركة يونيكورن في عام 2023.
طفرة نمو: في يونيو الماضي، استحوذت شركة الأهلي كابيتال — الذراع الاستثمارية للبنك الأهلي المصري — على حصة في الشركة بتقييم بلغ 1.4 مليار دولار، في سابقة هي الأولى من نوعها التي يشتري فيها بنك تجاري حصة في مؤسسة مالية غير مصرفية كأحد المساهمين. وإلى جانب شركتي فاليو وإم إن تي حالا، ظهرت سلسلة أطول من المنصات الأصغر حجما والتي تحظى تقريبا بنفس معدلات الاستخدام.
الأرقام تبرر التحذيرات: نما معدل التمويل الاستهلاكي الممنوح من قبل المؤسسات المالية غير المصرفية بشكل ضخم بنسبة 57% على أساس سنوي ليصل إلى 96.3 مليار جنيه في عام 2025، وهو القطاع الذي يضم خدمات الشراء الآن والدفع لاحقا إلى جانب قروض التقسيط والتمويل متناهي الصغر، ليخدم أكثر من 10.8 مليون عميل، وفقا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية.
المشكلة
الأزمة تكمن في عدم وجود توازن محدد، إذ منحت تطبيقات التمويل الاستهلاكي تسهيلات ائتمانية تصل إلى 250 ألف جنيه لأشخاص تتراوح رواتبهم الشهرية بين 6 إلى 8 آلاف جنيه، حسبما صرح الخبير المالي محمد عبد المنعم لإنتربرايز في وقت سابق، لتخلق فجوة غير مستدامة، محذرا من زيادة المخاطر التي قد يتعرض لها المقترضون.
لا تقتصر التداعيات السلبية على الجانب الاقتصادي فحسب، إذ تشير مكاتب المحاماة المصرية إلى ارتفاع في عدد الشكاوى المتعلقة بأساليب تحصيل الديون العدوانية المرتبطة بمنتجات التمويل الاستهلاكي وخدمات الشراء الآن والدفع لاحقا، والتي تشمل المكالمات المستمرة والتواصل مع أصحاب العمل وأفراد عائلة المقترضين، والضغط الذي يتجاوز المتابعة القانونية ليصل إلى حد المضايقة، وفقا لتقرير حديث صادر عن منصة ليكسولوجي. ما يزيد الأمر سوءا هو إمكانية استخدام المستهلك نفسه لعدة خدمات تمويل استهلاكي في الوقت ذاته، في ما يعرف بظاهرة تراكم القروض.
تحركات
المركزي يتدخل: بادر البنك المركزي المصري بالتحرك في أبريل الماضي، إذ يُحظر حاليا على البنوك منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية للمؤسسات المالية غير المصرفية، ما لم تكن هذه الشركات مسجلة بالكامل لدى البنك المركزي، وتقدم تقاريرها بانتظام إلى الشركة المصرية للاستعلام الائتماني "أي سكور"، مع منح مهلة مدتها 3 أشهر لتسوية الانكشافات الحالية لأي جهة لا تلتزم بذلك.
بلاك ليست: تبعت الرقابة المالية ذلك في مايو بإصدار قائمة سوداء من 3 مستويات للقطاع، تتضمن قوائم منفصلة للمشغلين غير المرخصين والكيانات الصادر بحقها أحكام نهائية والشركات التي كانت مرخصة سابقا وتعرضت لتدابير إدارية. الهدف؟ السماح للعملاء بالتحقق من الجهات التي يتعاملون معها أولا. وبحلول أواخر يونيو، ربطت الهيئة توسع المؤسسات المالية غير المصرفية بامتلاكها سجلا نظيفا من ناحية الامتثال، ومنحت الشركات مهلة حتى 25 أغسطس لتوفيق أوضاعها. في حال تخلفها عن ذلك، ستواجه الشركات تجميدا لخطط التوسع — لفترة تتراوح بين 3 أشهر إلى 3 سنوات — وفقا لحجم المخالفة.
قبل أن تشتري
الحقيقة المرة: من الضروري فهم المنطق وراء خدمات الشراء الآن والدفع لاحقا، إذ ينبغي أن تكون خيارا يلجأ إليه المرء فقط في الاستثناءات، فهي لم تصمم لتكون أداة مالية يومية وأسلوب حياة. استخدام تلك الخدمات لشراء لابتوب تحتاجه بالفعل، أو ثلاجة تعطلت فجأة هو الغرض الأساسي منها. فالمشكلة لا تكمن في استخدامها لتقسيط مشتريات صغيرة على حدى، بل تتجلى مع تراكم الديون الصغيرة من هنا وهناك.
أسهل مما تتخيل: يمكن للمرء التعامل بحكمة مع تلك الأدوات المالية، عندما يسأل نفسه سؤالا بسيطا: هل فعلا أنا بحاجة إلى ذلك؟ هل هذا القسط الصغير سيراكم ديوني الإجمالية بما يفوق قدرتي على الدفع؟ ففي وقت يمكن فيه تقسيط حتى أوردر البقالة من طلبات، يجب على المرء أن يحكم عقله قبل الاندفاع وراء أي عملية شراء قد تمنحه متعة لحظية مقابل صداع شهري متكرر هو في غنى عنه.