Posted inتمويل

طفرة نموذج منتجي الطاقة المستقلين تحتاج إلى التمويل.. فمن يتحمل التكلفة؟

تحتاج مصر إلى اقتراض الأموال اللازمة لمضاعفة قدراتها من الطاقة المتجددة إلى أكثر من 3 أمثالها بحلول عام 2029، وطريقة هيكلة هذه التمويلات ستحدد في النهاية سعر استهلاك الكهرباء. وفي الوقت الحالي، يرى المطورون أن "مؤسسات تمويل التنمية توفر الجزء الأكبر من تمويلات الديون، أما شهية الإقراض التجاري فلم تواكب الوضع بعد"، حسبما قال محمود شطا، مدير تطوير الأعمال في شركة سكاتك.

تفسر طبيعة هذه الديون هذا العزوف؛ إذ أوضح لنا محمود مرسي، كبير المصرفيين في فريق البنية التحتية المستدامة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، أن هذه المشاريع تعتمد على تمويلات طويلة الأجل، وقروض بالعملات الأجنبية، وتوفر الديون 70-80% من إجمالي تكاليفها، وتمتد فترات سدادها حتى 20 عاما. وأضاف أن "توفير هذا النوع من التمويلات طويلة الأجل بأسعار تنافسية ما زال يمثل تحديا للعديد من البنوك التجارية، لا سيما في الأسواق المحلية والإقليمية".

يمثل هذا الجانب الأول من الطفرة الحالية في نموذج منتجي الكهرباء المستقلين الذي تناولناه بالأعلى. لكن السؤال الأصعب يتعلق بصعوبة العثور على بنوك مستعدة لتمويل المشروعات التي يقترحها المطورون، وهي فجوة تسدها أطراف عدة، يتقاسم كل منها جزءا مختلفا من المخاطر، وتشمل جهات تمويل التنمية، والبنوك التجارية، ومقدمي الضمانات، والدولة.

مؤسسات تمويل التنمية تتحمل أولى المخاطر

تتمثل مهمة مؤسسات تمويل التنمية في تأمين المشروعات بما يكفي لجذب مقرضين آخرين. ففي مشروع محطة رياح شدوان التابع لشركة سكاتك، والذي تبلغ قدرته 900 ميجاوات، يدرس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تدبير ديون ممتازة تصل قيمتها إلى 192 مليون دولار، ويُتوقع أن تكون تلك الديون مصحوبة بضمانات لتحمل الخسائر الأولية ضمن برنامج هاي بار التابع للصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلس. كما تقترح مؤسسة التمويل الدولية تدبير ما يصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب إتاحة منتجات لإدارة المخاطر. ويشير مرسي إلى أن البنك الأوروبي مول 16 مشروعا من أصل 31 مشروعا استكملت مرحلة الإغلاق المالي بموجب برنامج تعريفة التغذية في مصر، ويواصل جهوده منذ ذلك الحين.

ويعتمد المطورون على مؤسسات تمويل التنمية نظرا إلى عجز السوق المحلية عن تلبية احتياجات هذه المشاريع. فيوضح شطا أنهم "يعتمدون عادة على تمويل مشاريع الطاقة المتجددة بقروض دون حق الرجوع. وبموجب هذا الهيكل التمويلي، تشكل الديون أغلبية مصادر التمويل، بينما تغطي تمويلات الأسهم الحصة المتبقية". كما كانت مؤسسات تمويل التنمية سباقة في تمويل التقنيات الأحدث، مثل أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، والتي "ترسي سابقة في السوق تساعد في تطوير القطاع". ويقول مرسي إن "الداعمين غالبا ما ينظرون إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية كمقرض رئيسي، تسهم مشاركته في طمأنتهم بشأن هيكل المشروع، وتوزيع مخاطره، وجاذبيته عموما للحصول على التمويلات المصرفية".

وتكمن المهارة في ترتيب المقرضين حسب حجم المخاطر التي يمكن لكل منهم تحملها. فمثلا بالنسبة لمشروع سكاتك للطاقة الشمسية وتخزين الطاقة في الصعيد، والذي تتجاوز تكلفته 590 مليون دولار، استكمل المشروع مرحلة الإغلاق المالي بتمويل قدره 479.1 مليون دولار من مؤسسات تمويل التنمية، منها 184.1 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية، وما يصل إلى 173.5 مليون دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب تمويل من المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي. وتعد هذه الشريحة الميسرة هي المغناطيس الذي يجذب أموال الكيانات الخاصة؛ إذ يوضح مرسي أنه "في كثير من الحالات، يمكن لمبلغ صغير نسبيا من الدعم الميسر أو تقاسم المخاطر أن يجذب قدرا أكبر بكثير من رأس المال الخاص". ويضيف أن هذه الهياكل التمويلية تطيل أيضا فترات السداد، وتغطي مخاطر محددة كان من شأنها أن تمنع المقرضين من المشاركة.

لكن كل هذا لا يلغي مخاطر المشروعات، بل يغير فقط الجهة التي تسعرها. فالضمانات وتسهيلات تقاسم المخاطر تنقل المخاطر المالية للمشروع أو جزءا منها إلى طرف آخر، وفقا لمؤسسة التمويل الدولية، ويؤكد البنك الدولي قدرة تلك الضمانات والتسهيلات على خفض تكاليف التمويل وتحسين الشروط. لكن تظل هناك أطراف تتحمل المخاطر، سواء المقرضين التجاريين أو المطورين أو مؤسسات التمويل التنموي أو الضامنين، كل حسب تكلفته ومدى استعداده. وإذا لم تنجح أي من هذه الهياكل في جعل المشروع جذابا للتمويلات المصرفية، فربما لا يتمكن من جمع التمويل اللازم.

البنوك التجارية تلحق بالركب تحت مظلة تمويلات التنمية

إليك مثال على كيفية اكتساب البنوك التجارية الثقة الكافية للمشاركة: في مشروع محطة رياح السويس بمصر البالغة قدرتها 1.1 جيجاوات، رتب البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية قرضا مشتركا بقيمة 275 مليون دولار، يتألف من شريحة من النوع "أ" بقيمة 200 مليون دولار وشريحة من النوع "ب" بقيمة 75 مليون دولار من البنك العربي وستاندرد تشارترد، إلى جانب تمويل مشترك من البنك الأفريقي للتنمية، والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي، والمؤسسة الألمانية للتمويل التنموي، وصندوق الأوبك، وأبيكورب. ويشارك البنكان التجاريان تحت مظلة البنك الأوروبي باعتباره المُقرض المسجل والدائن المفضل، وهو هيكل مصمم لجذب "تمويل تجاري ربما لم يكن ليتوفر في السوق لولا ذلك"، بحسب مرسي.

بهذا يمكن لمؤسسات تمويل التنمية أن تفتح باب الإقراض، لكنها لا تستطيع توفير جميع الديون التي تحتاجها مشروعات بهذا الحجم؛ لذا يتعين على البنوك التجارية أن تتقبل مستويات أقل من الدعم الميسر أو السيادي، وهو أمر يتوقف على حجم المخاطر المتبقية بعد شريحة التمويل التنموي، وما إذا كانت العوائد تغطيها.

ما الذي يحتاجه المقرضون قبل الموافقة؟

هل يكفي توقيع العقد وحده؟ يبحث المقرضون عن الثقة في الجدارة الائتمانية لمشتري الطاقة، واستقرار سعر التعرفة، والحماية من تقلبات العملة، والضمانات التعاقدية. كما يجب أن تكون الميزانية العمومية للداعمين بها تدفقات نقدية كافية لخدمة الديون وتحقيق العوائد. ويوضح مرسي أن هذه النقاط عادة ما تكون حجر العثرة في مرحلة الإغلاق المالي.

وتشمل الحماية من تقلبات العملة عدة أبعاد، إذ تنقسم مخاطر العملات الأجنبية إلى شقين: تكلفة الدولار، ومدى إمكانية توفيره عند حلول موعد السداد. فإذا كانت الإيرادات تتحقق بالجنيه المصري بينما تُسدد الديون بالدولار، فإن تراجع قيمة الجنيه يجعل السداد أكثر تكلفة، ما لم يوفر العقد حماية من تلك المخاطر، وهذا هو دور تقويم التعرفة بالدولار. لكن ما لا تضمنه هذه التعرفة هو توفر الدولارات وإمكانية تحويلها عند استحقاق المدفوعات. وعادة ما يقع هذا الخطر على عاتق المشتري، ومن خلفه الدولة، من خلال ترتيبات تحويل منفصلة عن اتفاقية شراء الطاقة نفسها.

وعادة ما يبدي المقرضون استعدادا للدفع مقابل المخاطر التي يألفونها؛ إذ يصف مرسي الإطار التنظيمي في مصر بأنه "مجرب ومختبر"، وأن المقرضين يعرفون هياكله وكيفية التخفيف من مخاطره. إذ تقوم معظم المشاريع على إبرام عقود الاستهلاك أو الدفع مع جهة حكومية، وهو ما يتيح للمشاريع بحسب شطا "تحقيق أفضل شروط التمويل، وبالتالي أفضل تعرفة للكهرباء للحكومة". لكن العملة شكلت التحدي الأكبر؛ إذ يقول شطا إن العملة الصعبة كانت "أكبر مصدر لعدم اليقين خلال السنوات الماضية بالنسبة للمطورين والمقرضين على حد السواء"، وأنهم يتعاملون مع مخاطرها من خلال أدوات هيكلية في اتفاقيات التمويل والمشاريع.

من ناحية أخرى، تدرس الدولة كيفية تقديم هذا الدعم. إذ تعمل الحكومة مع البنك الدولي على إعداد آلية لضمان تمويل البنية التحتية، تهدف إلى جذب رأس المال الخاص لمشاريع البنية التحتية طويلة الأجل مع تقليل الاعتماد على الضمانات السيادية. وسيدمج هذا التسهيل البالغة قيمته 520.38 مليون دولار نحو 150 مليون دولار من البنك الدولي مع 370 مليون دولار من التمويلات التجارية غير المضمونة، ليسمح للحكومة بتغطية مخاطر محددة في المشروعات، بينما يتحمل بقيتها المقرضون من القطاع الخاص. وتأتي مشاريع الطاقة المتجددة في مقدمة أهداف تلك الآلية. لكن تزداد حساباتها تعقيدا مع نمو حزمة المشاريع؛ فزيادة المشاريع تعني زيادة الضمانات القائمة، ومثل هذه التسهيلات توفر الدعم من خلال محفظة محددة من التمويلات المجمعة، بدلا من توفير ضمان جديد لكل مشروع.

وهنا تكمن أهمية تكاليف التمويل، والتي قد تختلف وإن تشابهت المشروعات في مواردها؛ إذ تحدد الموارد كالطاقة الشمسية والرياح حجم الكهرباء المولدة، بينما يحدد التمويل تكلفة هذه الكهرباء. ولأن مشاريع الطاقة المتجددة تتطلب تكاليف عالية في البداية وتحقق "إيرادات أقل نسبيا"، فإن خفض تكلفة التمويل ولو بقدر صغير "يمكن أن يكون له تأثير ملموس على جدوى المشروع والقدرة على تحمل تكاليفه"، وفقا لمرسي. فكل بند من المخاطر يتحمله طرف ما بتكلفة زهيدة يرفع أعباء عن سعر التعرفة النهائي.

النموذج أثبت نجاحه.. وحان وقت التوسع

رؤيتنا: أثبتت مصر قدرتها على استكمال الإغلاق المالي لمشاريع ضخمة للطاقة المتجددة، والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت تستطيع تكرار ذلك لتوليد القدرات التي تحتاجها. فنجاحها اعتمد حتى الآن على مصادر محدودة: ديون مؤسسات تمويل التنمية، والتمويلات الميسرة، والضمانات، والقروض التجارية التي تلحق بركبها، واتفاقيات شراء الطاقة المدعومة سياديا. لكن الظروف المحيطة تبدو غير مواتية؛ إذ يشير شطا إلى أن "الصراعات الإقليمية أثرت سلبا على مناخ الاستثمار في جميع أنحاء المنطقة، خاصة مع ارتفاع تكلفة الديون نتيجة صعود معدل التضخم العالمي"، بينما "تستمر المنافسة الشديدة في دفع أسعار الطاقة للانخفاض، ما يسفر عن مزيد من التحديات أمام المشروعات التجارية".

ولا يزال رأس المال المحلي هو الحلقة المفقودة. فيقول مرسي: "حجم الاستثمار المطلوب لا يمكن أن يعتمد فقط على تمويل بنوك التنمية متعددة الأطراف ومؤسسات تمويل التنمية، وإنما ستكون هناك حاجة إلى مشاركة أكبر من المؤسسات المالية المحلية وأسواق المال". وقد يساعد في ذلك وجود مشترين من القطاع الخاص يتمتعون بجدارة ائتمانية أقوى، إلى جانب توطين سلاسل التوريد، والذي سيقلل الاعتماد على المكونات المستوردة والحاجة إلى التمويلات بالعملة الأجنبية، ويفتح الباب أمام الإقراض بالعملة المحلية.