Posted inاستثمار

صناديق التأمين الخاصة تتجاوز مستهدفات الرقابة المالية لعام 2026.. والسؤال: أين تستثمر أموالها؟

تحولت صناديق التأمين الخاصة في مصر إلى وعاء ضخم لرأس المال المحلي طويل الأجل يفوق ما استهدفت الجهات التنظيمية بناءه، ويبقى السؤال المطروح حول ما إذا كانت هذه الأموال قد بدأت تتحرك بشكل مختلف. فقد تجاوزت استثمارات الصناديق 201 مليار جنيه بنهاية 2025، بزيادة 20% مقارنة بنحو 168 مليار جنيه في العام السابق، لتتخطى بذلك مستهدف الهيئة العامة للرقابة المالية في استراتيجيتها للفترة 2022-2026 (بي دي إف) البالغ 150 مليار جنيه، وقبل نحو نصف عام من الموعد النهائي للاستراتيجية. ولا يقتصر التحول الأكبر على حجم هذه السيولة، بل في توجيه أموال مكافآت الموظفين نحو منتجات استثمارية أكثر تنوعا تدار باحترافية، بعد أن ظل تركيزها لفترة طويلة منصبا على الودائع البنكية وأدوات الدخل الثابت.

صورة أوسع للقطاع: تخدم صناديق التأمين الحكومية الستة في مصر نحو 30 مليون مشترك، لكنها تمتلك استثمارات بقيمة 2.1 مليار جنيه فقط. وفي المقابل، لدى صناديق التأمين الخاصة 5 ملايين مشترك فقط، واستثمارات بقيمة 201 مليار جنيه. وهذا يؤكد أن رأس المال طويل الأجل المدار باحترافية يتركز بأكمله تقريبا في القطاع الخاص.

لا تعد هذه صناديق مضاربة تسعى وراء مكاسب قصيرة الأجل. ويخدم القطاع الذي يضم 671 صندوقا نحو 5 ملايين مشترك بالتزامات طويلة الأجل، وفقا للهيئة العامة للرقابة المالية. ورغم اندماج بعضها، نمت هذه الصناديق، وتضاعفت استثماراتها تقريبا مقارنة بقاعدة بلغت 102 مليار جنيه في عام 2021، في حين انخفض عدد الصناديق النشطة إلى هذا الرقم، بعد أن كانت سابقا 694 صندوقا. في حديثها إلى إنتربرايز، تقول محللة الاقتصاد الكلي رانيا يعقوب إن التنويع ليس مجرد إضافة لتطوير السوق، مضيفة أن الصناديق تهدف إلى "تحقيق عائد أعلى للمستفيدين من صناديق المعاشات... [إلى جانب] التنويع وتجنب التركز في أصل واحد".

وتستمر الأموال الجديدة في التدفق بوتيرة سريعة. إذ بلغت الاستثمارات الجديدة لصناديق التأمين الخاصة 9.87 مليار جنيه في الربعالأول من عام 2026 (بي دي إف)، بزيادة قدرها 51.6% على أساس سنوي مقارنة بنحو 6.51 مليار جنيه في العام السابق. ويمثل هذا الرقم حجم التدفقات وليس حجم القاعدة الحالية، لكن الوتيرة تظل مهمة في قطاع كانت بدايته أكثر تحفظا مما يوحي به التركيز الحالي على أدوات الدخل الثابت. في حديثه مع إنتربرايز، قال العضو المنتدب لشركة ألفا لإدارة الاستثمارات المالية محمد حسن: "في الماضي، كانت جميع الأموال توضع في البنوك في شكل ودائع لا أكثر، لا سيما البنوك المملوكة للدولة".

لم تقتصر التعديلات التي أقرتها هيئة الرقابة المالية في يناير 2025 على توسيع الخيارات الاستثمارية، بل سمحت لصناديق التأمينالخاصة ذات المزايا المحددة باستثمار ما يصل إلى 10% من أصولها في الأدوات أو الصناديق المرتبطة بالمعادن المتداولة في البورصة المصرية، واستثمار 5-20% في الصناديق المفتوحة، وما يصل إلى 5% في صناديق رأس المال المخاطر والاستثمار المباشر، مع وضع حد أقصى للسيولة النقدية غير المستثمرة عند 5%، وتشديد متطلبات الإفصاح. ويرى مديرو الأصول أن الدافع الأكبر كان سلوكيا؛ إذ بات لزاما أن تدار الصناديق التي تتجاوز قيمتها 100 مليون جنيه بواسطة مدير استثمار مرخص أو شركة خارجية لإدارة الأصول. وهذا يضع هذه الأموال "تحت إدارة احترافية"، بدلا من تركها في أيدي أعضاء مجلس إدارة منتخبين قد يفتقرون إلى المعرفة اللازمة لإدارتها، بحسب ما ذكره العضو المنتدب لشركة أزيموت مصر أحمد أبو السعد لإنتربرايز.

وقد ورد هذا التوجه نصا في استراتيجية الهيئة؛ إذ أكدت الهيئة العامة للرقابة المالية في خطتها للفترة 2022-2026 أنها ستراجع السياسات الاستثمارية لشركات التأمين وصناديق التأمين الخاصة لتوجيهها نحو الأدوات غير المصرفية، مستلهمة قراراها من بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تُظهر أن المستثمرين المؤسسيين يقودون أكثر من 80% من التداولات في الأسواق المتقدمة، في حين لا تصل إلى البورصة سوى نسبة ضئيلة من أصول المؤسسات المصرية. بعبارة أخرى، كانت الجهة التنظيمية هي التي صاغت السياسة التي تغير بموجبها توزيع الأصول.

لكن قيود التفويض حقيقية، وقد لمسنا أثرها في مجالات أخرى. فعندما أطلقت البورصة المصرية العقود الآجلة لمؤشر EGX30 في مارس الماضي، لم تتمكن صناديق التقاعد وشركات التأمين — المستخدمون الطبيعيون لمثل هذه الأدوات — من الاقتراب منها إلى حد كبير، ويُعزى هذا الأمر إلى أن سياساتها الاستثمارية في كثير من الحالات لا تسمح بعد بالمراكز المالية المدعومة بالرافعة المالية. كما أن هذه القيود التي تعمل الهيئة العامة للرقابة المالية على تخفيفها الآن بالنسبة لصناديق التأمين الخاصة، هي ذاتها ما أبقت الأموال المؤسسية بعيدة عن أحدث منتجات السوق.

إلا أن هذا التحول لا يزال متفاوتا: لا تزال بيانات الربع الأول الصادرة عن الرقابة المالية تُظهر تركز الاستثمارات في أدوات مألوفة، مثل شهادات البنك الأهلي المصري، والودائع البنكية، ووثائق صناديق الاستثمار، وأذون الخزانة، والسندات الحكومية، ولا يوضح بند "وثائق صناديق الاستثمار" حجم الأموال المتجهة إلى صناديق أسواق النقد أو الأسهم أو المعادن أو غيرها. ويشير حسن إلى أن الصورة تبدو صعبة القراءة أيضا من جانب مديري الأصول، إذ غالبا ما يطلع المديرون على جزء فقط من المحفظة. وقد اتجهت بعض الصناديق بالفعل نحو الأسهم أو صناديق الأسهم، في حين أن أخرى بالكاد بدأت هذه الخطوة.

السيولة تفضل الأمان: قالت يعقوب إن صناديق التأمين الخاصة تُبدي اهتماما بصناديق الأسهم المفتوحة، والمنتجات المرتبطة بالمؤشرات منخفضة التقلبات، وصناديق المعادن، والصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. غير أن الجزء الأكبر من المحافظ لا يزال يتركز في أدوات الخزانة والصناديق المحافظة، حسبما يوضحه حسن لإنتربرايز، إذ يرجع ذلك جزئيا إلى أن بعض الصناديق تحتفظ بسندات حكومية قديمة لا يمكنها بيعها دون تكبد خسائر.

وبدأ هذا يغير تصميم المنتجات. يعكف مديرو الأصول على ابتكار هياكل استثمارية تمنح الأموال طويلة الأجل المتحفظة انكشافا على الأسهم دون أن تضطر كل الصناديق لقبول نفس مستوى المخاطر. وقال أبو السعد إن شركة أزيموت طورت نسخا متوافقة مع الشريعة الإسلامية ومنخفضة التقلبات من منتجات الأسهم الخاصة بها؛ لكي تجد كل مؤسسة ما يناسبها. وضرب مثالا بصندوق "معاشي إي زد" التابع للشركة. كما صرح لإنتربرايز العام الماضي بأن الشركة تعتزم رفع رأسمال الصندوق إلى 300 مليون جنيه للاستفادة من القواعد الجديدة.

يؤثر هذا الأمر على البورصة المصرية تأثيرا حقيقيا، لكنه تدريجي. قال أبو السعد إن صناديق التأمين الخاصة بدأت بالفعل في شراء الأسهم مع تنامي تدفقاتها السنوية، في حين تبدو يعقوب أكثر تحفظا، مشيرة إلى أن المؤسسات لا تزال بعيدة عن استعادة السيطرة على السوق من المستثمرين الأفراد، الذين لا يزالون يستحوذون على الجزء الأكبر من نشاط التداول.

هذا القيد تفرضه الأمانة الاستثمارية واللوائح التنظيمية على حد سواء: أوضح حسن لإنتربرايز أن عديدا من مجالس الإدارة لا تزال حذرة نظرا إلى أن الأعضاء قد يتحملون المسؤولية الشخصية عن الخسائر الاستثمارية، فيما تقول يعقوب إن تعزيز الحوكمة ووجود خطوط اتصال مباشرة مع الجهة التنظيمية جعلا المديرين أكثر ارتياحا عند اتخاذ قرارات توزيع الأصول. وتعتمد استدامة هذا الإصلاح على هذا التوازن، الذي يتمثل في توجيه أموال المزايا التأمينية للموظفين إلى ما هو أبعد من الودائع وأدوات الدخل الثابت دون أن تشعر مجالس الإدارة بأنها تتحمل مخاطر غير مدروسة.

أصبح التوجه العام واضحا ومحسوما؛ فقد وضعت الرقابة المالية الخيارات الاستثمارية، ويعمل المديرون على بناء منتجات حولها، وتُدفع مجالس الإدارة نحو اتخاذ القرارات المتعلقة بتوزيع الأصول، التي طالما قاومتها، فقد عقدت الهيئة التنظيمية ورشة عمل بدعم من البنك الدولي في مايو حول حوكمة الصناديق، وإدارة المخاطر، وتضارب المصالح، وكفاءة مجالس الإدارة. ولذا ما ينبغي مراقبته حاليا هو الإفصاح. فحتى تُفصّل البيانات الفصلية الصادرة عن الرقابة المالية بند "وثائق صناديق الاستثمار"، لا يمكننا أن نصل بدقة إلى قياس التحول المشهود في توزيع الأصول، نتيجة إطلاق هذه الاستراتيجية.