☀️قد تبدو درجة حرارة 40 مئوية أمرا اعتياديا في صيف مصر، لكنها في أوروبا قد تتحول إلى كارثة، فما السبب؟ تواجه أوروبا الغربية هذا الأسبوع موجة حر شديدة بسبب ما يعرف بـ القبة الحرارية، إذ تسجل درجات الحرارة مستويات قياسية غير مسبوقة خلال النهار والليل في عدة دول، بينما تسببت مستويات الرطوبة المرتفعة في تحويل أجواء بعض المناطق الأوروبية إلى طقس يميل للبيئات الاستوائية أكثر من المعتدلة. كما تزايدت أعداد الوفيات بسبب هذه الموجة، إذ سجلت فرنسا وحدها 1000 حالة وفاة خلال 3 أيام فقط. واجتاحت الموجة الحارة، القادمة من شمال أفريقيا، كلا من إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة، وهي دول لا يمتلك معظمها شبكات تكييف هواء واسعة النطاق، ولم يعتد سكانها على فترات ممتدة من الطقس شديد الحرارة.
تسببت هذه الموجة في اندلاع حرائق غابات في ألمانيا وتحطيم أرقام قياسية لدرجات الحرارة بالمنطقة، ومع تحرك القبة الحرارية شرقا، سجلت ألمانيا رقما قياسيا يوميا لليوم الثالث على التوالي بعدما بلغت الحرارة 41.7 درجة مئوية في بلدة نايسمونده القريبة من الحدود البولندية، في حين سجلت بولندا أعلى مستوى وطني جديد عند 40.5 درجة مئوية، وشهدت جمهورية التشيك اليوم الأكثر حرارة في تاريخها بواقع 41.9 درجة مئوية. وعلق رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس، عبر منصة إكس قائلا: "غالبا ما يعرف الإجهاد الحراري بالقاتل الصامت، ولم تبن المنازل وأماكن العمل والمدارس في أوروبا لتحمل هذه الدرجات المرتفعة".
أوروبا تحت الاختبار
لماذا يحدث هذا الآن، ولماذا بدت قارة أوروبا غير مستعدة ؟ تتداخل عدة عوامل في هذه الأزمة، إذ كشف تحليل سريع أجرته منظمة إسناد الطقس أن موجة الحر الحالية هي الأشد في تاريخ المنطقة، وخلص التحليل إلى أن تكرار موجة مماثلة لتلك التي شهدتها أوروبا عام 1976 كان سيصبح شبه مستحيل لولا ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة البشرية. في الوقت نفسه، تواجه القارة ضغوطا إضافية مع التوسع المتسارع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إذ يقع نحو ثلثي مراكز البيانات التي بنيت عالميا منذ عام 2022 في مناطق تعاني بالفعل من الإجهاد المائي، بينما تتركز توسعات مراكز البيانات في أوروبا في مناطق تشهد ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة، ما زاد من الضغط على موارد المياه والطاقة اللازمة لتبريدها.
في المقابل، اتجهت دول مثل هولندا وإيرلندا إلى تقييد إنشاء مراكز بيانات جديدة، بسبب المخاوف من ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه. ومع التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وما تتطلبه من قدرات حوسبة أكبر، تتزايد احتياجات هذه المراكز إلى أنظمة التبريد، ما يفرض ضغوطا إضافية على شبكات الكهرباء خاصة في أوقات الذروة التي تتزامن مع موجات الحر، وسرعان ما تحولت القضية إلى ملف تنظيمي، إذ يعتزم الاتحاد الأوروبي تطبيق معايير إلزامية لكفاءة استخدام المياه في مراكز البيانات بحلول عام 2026.
هل مصر أكثر استعدادا لموجات الحر؟
لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بأجهزة تكييف الهواء في فرنسا 25%، بحسب بي بي سي، وهي نسبة منخفضة مقارنة بدول جنوب أوروبا، إذ تبلغ نحو 50% في كل من اليونان وإيطاليا، وتظل بعيدة عن الولايات المتحدة واليابان التي تصل إلى نحو 90%. في المقابل، تتميز مصر بانتشار أوسع لأجهزة التكييف خاصة في المناطق الحضرية، إذ تستحوذ المكيفات على نحو 75% من استهلاك الكهرباء المنزلي خلال أشهر الذروة الصيفية، وفقا لتقرير صادر عن الشركة القابضة لكهرباء مصر.
لا يعني ذلك أن المصريين أكثر تحملا للحر، بل أنهم أصبحوا أكثر استعدادا وتجهيزا لمواجهته. لكن ثمة فارقا كبيرا بين الاستعداد والحماية وهو الدرس الذي اضطرت أوروبا إلى التعامل معه اليوم مع تصاعد المطالبات بتوسيع استخدام أجهزة التكييف في المدارس والمستشفيات، وتحذيرات المسؤولين من استمرار ارتفاع أعداد الوفيات.
لا جديد تحت الشمس
هل البنية التحتية في مصر أكثر استعدادا لمواجهة درجات الحرارة القياسية، أم أننا ببساطة اعتدنا التعايش معها؟ ربما تكمن الإجابة في الأمرين معا، لكن العامل الحاسم يظل أمن الطاقة أكثر من القدرة على تحمل الحرارة نفسها. رغم أن فصول الصيف القاسية ليست جديدة على مصر، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في ضمان استقرار إمدادات الكهرباء مع الارتفاع الكبير في الطلب الناتج عن التشغيل المستمر لأجهزة التكييف. في هذا السياق، سجلت الشبكة القومية للكهرباء حملا أقصى بلغ 36.6 ألف ميجاوات خلال يونيو الجاري، بالتزامن مع الموجة الحارة الحالية، وسط توقعات بارتفاع الطلب إلى 40 ألف ميجاوات قبل نهاية فصل الصيف.
لكن .. الأمر ليس جديدا، إذ اضطرت مصر إلى تطبيق خطط يومية لتخفيف الأحمال خلال صيفي 2023 و2024، بالتزامن مع نقص إمدادات الغاز الطبيعي وارتفاع استهلاك الكهرباء، إلا أن الحكومة تراهن هذا العام على معادلة مختلفة تقوم على زيادة القدرة الإنتاجية وتأمين احتياجات الوقود. ففي الوقت الذي أضافت فيه وزارة الكهرباء نحو 3 آلاف ميجاوات إلى الشبكة، بدأت أيضا في دمج أنظمة بطاريات تخزين الطاقة استعدادا لأوقات ذروة الصيف. كما عملت وزارة البترول على تأمين شحنات من الغاز الطبيعي المسال عبر وحدات التغويز في العين السخنة ودمياط في محاولة لتجنب تكرار أزمة الطاقة، إذ يؤكد المسؤولون أن مصر تتجه نحو صيف دون انقطاعات للكهرباء، وهو تعهد سيظل رهنا بقدرة الشبكة على الصمود مع استمرار موجات الحر وارتفاع الطلب على الطاقة.
الاختبار الحقيقي
من المتوقع أن تواصل الحكومة مسارها التدريجي لإصلاح منظومة دعم الكهرباء، بعدما عدلت أسعارها عدة مرات في إطار جهودها لخفض العبء المالي على الدولة. بينما تظل مستويات الطلب على الكهرباء المؤشر الأبرز الذي ستراقبه الأسواق وصناع القرار، لمعرفة ما إذا كان الاستهلاك سيتجاوز حاجز 40 ألف ميجاوات، ومدى قدرة واردات الغاز الطبيعي المسال وسعات التخزين الجديدة على الحفاظ على استقرار الشبكة خلال أشهر الصيف الأكثر حرارة.
ما الذي تكشفه الأزمة؟ تواجه أوروبا حاليا واقعا مناخيا قاسيا أمضت مصر سنوات في بناء منظومتها لمواجهته، لكن هذا الاستعداد جاء بتكلفة مالية كبيرة، إذ اعتمد النهج المصري على التوسع في قدرات التوليد وتأمين إمدادات الوقود وإعادة هيكلة سوق الكهرباء للتعامل مع الطلب المتزايد خلال فترة الصيف. رغم أن شبكة الكهرباء واجهت ضغوطا غير مسبوقة، مع توقعات باستمرار نمو الطلب فإن ذلك لا يعني أن مصر بمنأى عن أزمات الطاقة المرتبطة بموجات الحر، إذ لا يزال القطاع عرضة لمخاطر اضطراب إمدادات الوقود وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتحقيق التوازن بين الحفاظ على أسعار مناسبة للمستهلكين وضمان الاستثمارات اللازمة لتطوير المنظومة. ليبقى الاختبار الحقيقي هذا الصيف هو مدى نجاح القدرات الإنتاجية الجديدة والبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال وتحديثات منظومات تخزين الطاقة على توفير الاستقرار الذي تعهد به المسؤولون.