وقعت أمان القابضة وبكرة القابضة وإرادة للتمويل اتفاقا لإطلاق مشروع تجريبي للديون المغامرة المخصصة للشركات المصرية سريعة النمو، ضمن برنامج سكيل إت فوروارد، ومن المقرر اختيار 30 شركة خلال الشهر الجاري. طُور هذا البرنامج بالشراكة بين الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ومؤسسة إنباكت، ويمنح لكل شركة يقع عليها الاختيار منحة مالية لا ترد بقيمة 5000 يورو، لتخفيف المخاطر وتشجيع المقرضين على خوض هذه التجربة.
أهمية الخطوة: قد يبدو المشروع التجريبي صغيرا في حد ذاته، لكنه يستهدف تحديا هيكليا يتمثل في دفع المؤسسات المالية نحو الانخراط في تقديم الديون المغامرة، وهي أداة بديلة لتمويل النمو لا تُستخدم على نطاق واسع في مصر. وتعود أحدث البيانات التي أوردتها نشرة إنتربرايز الصباحية حول الديون المغامرة في السوق المصرية إلى عام 2023، والتي لم تكن مبشرة. فقد هوى التمويل المقدم للشركات الناشئة المحلية بنسبة 86% على أساس سنوي ليصل إلى 4 ملايين دولار موزعة على صفقتين فقط، وهو ما يمثل تراجعا بنسبة 75% في عدد الصفقات مقارنة بعام 2022.
أكثر خطورة على البنوك، وأعلى تكلفة لرأس المال المغامر
لا تتناسب نماذج التمويل التقليدية بالشكل الكافي مع الشركات سريعة النمو والمدرة للإيرادات في مصر، حسبما أوضحه كل من شريف يونس، مدير مشروع شراكات العمل والترويج للشركات الصغيرة والمتوسطة لدى الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في مصر، وروان بسام، مديرة مؤسسة إنباكت في مصر خلال حديثهما إلى إنتربرايز. فضلا عن أن فجوات الربحية، والتدفقات النقدية غير المتوقعة، والافتقار إلى الضمانات التقليدية تعيق هذه الشركات عن الوصول إلى القروض المصرفية. وترى بسام أن حلول رأس المال المغامر ربما ليست الخيار الأمثل لها أيضا؛ فحينها سيكون "تقييم أسهمها مرتفعا للغاية، وهم لا يرغبون في التخلي عن حصص منها في هذه المرحلة". باختصار، لم تُصمم القروض المصرفية أو شيكات رأس المال المغامر لهذه المرحلة من عمر الشركات.
في تعليقه لنشرة إنتربرايز، يقول أيمن الصاوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بكرة القابضة، إن الشركات سريعة النمو التي تجاوزت مرحلة التمويل بالأسهم ولم تصل بعد إلى مرحلة تؤهلها للاقتراض من البنوك تحتاج إلى "شريحة تمويل وسيطة، وتحديدا بالعملة المحلية". ويضيف أن الديون المقومة بالدولار تعرِّض الشركات التي تجني إيراداتها بالجنيه لمخاطر تقلب أسعار الصرف، وهي مخاطر لا يمكنها في العادة تحملها.
💡 ما هي الديون المغامرة؟ هي نوعية من الإقراض تقدمه البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية، يجمع عادة بين الميزات التقليدية للقروض وبعض جوانب تمويل رأس المال المغامر. وقد صُممت هذه الديون خصيصا للشركات سريعة النمو في مراحلها المبكرة، التي ربما لم تحقق أرباحا بعد ولا تستوفي شروط القروض المصرفية التقليدية، لكن أداءها جيد وتولد إيرادات قوية. ولا تُتاح هذه الديون عموما للشركات في مرحلة التأسيس، بل تُوجه إلى الشركات التي تمنح الأولوية للنمو على حساب الربحية. يمكنكم مطالعة المزيد حول الديون المغامرة في فقرة إنتربرايز تشرح التي نشرناها في عام 2022.
آلية عمل البرنامج
يتطور مفهوم الديون المغامرة محليا، رغم حاجته إلى التكييف مع معطيات السوق، وفق ما يقوله يونس وبسام. وفي غضون ذلك، يضيف البرنامج هيكلا حول الترتيبات الحالية. كما يوفر للمؤسسات المالية غير المصرفية بيئة منظمة لاختبار حلول الديون المغامرة، واستيعاب الاحتياجات التمويلية للشركات المصرية في مرحلة النمو بشكل أفضل. بالإضافة إلى ذلك، يقدم البرنامج للشركات المختارة خدمات التقييم والتدقيق والتدريب على الاستعداد للاستثمار، إلى جانب الدعم المالي غير المسترد لتعزيز مراكزها المالية.
تتمحور هذه المنحة حول بناء الموثوقية. إذ تحصل كل شركة سريعة النمو يقع عليها الاختيار على 5000 يورو قبل أن تتلقى أي ديون من المقرضين، وهو مبلغ لا ترده للبرنامج أبدا. وبعد ذلك، يُصرف الدين المغامر الذي يقدمه المقرض، ليُسدد مع الفائدة وفقا لجدول زمني متفق عليه. وتوضح بسام: "الهدف من دعمنا هو تخفيف العبء عن الشركة سريعة النمو عند سداد مستحقات المؤسسة المالية".
يتزايد الاهتمام بالديون المغامرة: وقعت الشركات الثلاث هذا الاتفاق في أغسطس الماضي، وجميعها مؤسسات مالية غير مصرفية تبدي استعدادا لتفعيل منتجات الديون المغامرة للشركات في مرحلة النمو العاملة في قطاعات التكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الزراعية والتكنولوجيا الصحية والتجارة الإلكترونية وتكنولوجيا المناخ والخدمات الرقمية، حسبما ذكر يونس وبسام لإنتربرايز. وصُمم البرنامج في البداية لتتولى خمس مؤسسات مالية تجربة حلول الديون المغامرة مع ست شركات سريعة النمو. ولكن بعدما اطلعت المؤسسات المختارة على قائمة الشركات المنتقاة، "تغير هذا النهج؛ إذ أعربت بعض المؤسسات المشاركة عن رغبتها في العمل مع أكثر من ست شركات"، وفقا ليونس وبسام.
كيف يرى المقرضون الديون المغامرة؟
يرى الصاوي أن الطلب يأتي من ثلاثة اتجاهات في آن واحد، ويضيف أن الشركات سريعة النمو تسعى لحماية جداول التمويل الخاصة بها، في حين تمد صناديق رأس المال المغامر فترة السيولة المتاحة للشركات بين الجولات التمويلية، فيما تبني البنوك قاعدة عملاء لتهيئتهم للاقتراض المصرفي مستقبلا. ويضيف: "هذه الحلقة تخلق ردود فعل إيجابية؛ إذ تنمو الشركات وتنتقل لترتيبات الديون المصرفية، وترى صناديق رأس المال المغامر عوائد أقوى وتنشر المزيد من رؤوس الأموال، فتكتسب البنوك الثقة للإقراض في هذا القطاع".
تبدو الديون المغامرة "شكلا من أشكال تمويل الميزانين" الذي يقع في منتصف منحنى المخاطر، بحسب الصاوي؛ فهذه الديون "أقل خطورة من التمويل الخالص بالأسهم، لكنها أكثر خطورة من الديون التقليدية". ويضيف أن المقرضين الذين يبحثون عن ضمانات مادية "سيواجهون صعوبة في العثور على ما يناسبهم"، لكن الآخرين المستعدين لتحمل المخاطر وتقديم التمويل بضمان معدلات النمو والإيرادات المتكررة "سيجدون سوقا كبيرة تفتقر إلى الخدمات".
كيف تُقيّم الشركات سريعة النمو؟ يوضح الصاوي أن التقييم من جانب شركة بكرة يركز على "جودة الإيرادات ونموها، واقتصاديات الوحدة، ومعدل حرق النقد وفترة كفاية السيولة، وكفاءة الإدارة، والمستثمرين الحاليين، والأداء المالي التاريخي، والقدرة على السداد، والاستخدام المحدد لعائدات التمويل"، وفقا للصاوي.
في غياب الضمانات، ما هي شبكة الأمان الفعلية؟ يقول الصاوي إن الحماية التي تقدمها بكرة تنبع من التقييم الدقيق ووضوح الرؤية بشأن التدفقات النقدية، والضوابط التعاقدية، جنبا إلى جنب مع برنامج بكرة فنتشرز، وهو برنامج داخلي يعمل على استراتيجية الحوكمة قبل بدء التمويل. وبمجرد ضخ الأموال، يتولى أحد أنظمة الإنذار المبكر الرقمية مراقبة أداء شركات المحفظة ومدى توافقها مع مؤشرات الأداء الرئيسية، مما يسمح برصد أي تدهور قبل أن يتحول إلى تعثر في السداد.
محفزات توسع الديون المغامرة
إطلاق العنان لصناديق مخصصة للديون المغامرة: يرى الصاوي أن أكثر ما يسرع وتيرة نمو الديون المغامرة في مصر "هو نمو الصناديق المخصصة لها في المنطقة" بجانب وجود أطر تنظيمية تسمح للمستثمرين المؤسسيين والأفراد بضخ رؤوس الأموال فيها مباشرة. وأضاف أن الطلب من جانب الشركات سريعة النمو موجود بالفعل، لكن رأس المال المخصص هو العنصر الغائب، وتحديدا المخصص للديون المغامرة؛ فهذا النوع من رؤوس الأموال يمكنه تمويل الشركات في قطاعات التكنولوجيا الصحية وتكنولوجيا التعليم والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا الزراعية والتكنولوجيا المالية، مع خلق "فئة أصول استثمارية جديدة".
في السياق: في فبراير الماضي، أطلقت الحكومة ميثاق الشركات الناشئة في مصر، بقيادة المجموعة الوزارية لريادة الأعمال، إلى جانب مؤسسي الشركات الناشئة والمستثمرين ومؤسسات الدعم. وقد حدد الميثاق خطة لتقليص المخاطر في بيئة العمل وإزالة العوائق البيروقراطية التي تعترض النمو، مستهدفا جذب تدفقات جديدة من رأس المال المغامر بقيمة 5 مليارات دولار بحلول عام 2031. كما تضمن الميثاق مبادرة تمويلية موحدة بقيمة مليار دولار لتحقيق هذا الهدف، تشمل تقديم الدعم الائتماني للديون المغامرة، ضمن ركائزها الخمس، التي تشمل أيضا توسيع نطاق رأس المال المغامر عبر صندوق صناديق يديره جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وتأسيس صناديق استثمار مشترك للمستثمرين الملائكيين والشركات.
ويمثل الدعم الائتماني للديون المغامرة إشارة سوقية بالغة الأهمية لجهات تخصيص رؤوس الأموال من المؤسسات، مما يحسن ملف المخاطر على مستوى المعاملات الفردية، حتى في ظل هيمنة التحديات الكلية على حسابات الشركاء المحدودين الأجانب، حسبما صرح به مازن نديم، الشريك الإداري في صندوق فاونديشن فنتشرز، في حديثه مع إنتربرايز في وقت سابق عند إطلاق الميثاق.
الخطوة التالية: من المستهدف اختيار 30 شركة سريعة النمو خلال أكتوبر الجاري، على أن يتبع ذلك تقديم التمويل. وقد انطلق البرنامج في يناير وسيستمر حتى ديسمبر 2026.
رأينا: لا يزال هذا الإطار بمثابة مشروع تجريبي أولي وليس سوقا مكتملة التطور، ولن تتمكن 30 شركة سريعة النمو وثلاث جهات مقرضة أو أكثر من تغيير مشهد التمويل في مصر بمفردها. ومع ذلك، سيسلط المشروع الضوء على الثغرات الهيكلية في سوق الديون المغامرة المحلية، ويقدم في الوقت ذاته نموذجا لتصميم آليات دين تتناسب مع احتياجات كل من الشركات سريعة النمو والمؤسسات المالية في مصر.