يجب أن يبدأ التخطيط لتعاقب الأجيال قبل وقت طويل من تنحي المؤسس، إذ إن العائلات التي تؤجل إجراء المحادثات الصعبة تخاطر باندلاع النزاعات وتفتت الأصول، بل وحتى فقدان جزء من قيمة أعمالها، بحسب لمياء جاد الحق من مكتب بيكر ماكنزي القاهرة (حلمي، حمزة وشركاه) والمسؤولة عن خدمات إدارة الثروات في الشرق الأوسط، وفيليس تاونسند، الشريكة في ممارسة إدارة الثروات لدى بيكر ماكنزي في لندن ورئيسة مجموعة إدارة الثروات لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، وساجي حامد، مؤسسة سكوير كابيتال جروب، في حديثهم مع إنتربرايز.
لا تنتظر حدثا يدفعك إلى التحرك: يجب أن يبدأ التخطيط لتعاقب الأجيال "في أقرب وقت ممكن"، بحسب تاونسند. فالمؤسسون غالبا ما ينشغلون ببناء أعمالهم ويؤجلون التفكير في التعاقب إلى وقت لاحق، لكنها تصفه بأنه "الجزء المفقود من الأحجية" الذي ينبغي التفكير فيه بينما لا يزال النشاط ينمو، بدلا من انتظار حدث مثل بيع الشركة أو أي محطة مفصلية أخرى. وترى حامد أن الأمر يجب أن يبدأ أبكر من ذلك، قائلة: "من اللحظة التي تدخل فيها إلى أي نشاط تجاري، يجب أن تفكر في الاستمرارية وتعاقب الأجيال". كما أن إشراك الجيل التالي في الحوار مبكرا قد يقلل من احتمالات النزاعات المستقبلية عبر توضيح دور كل فرد داخل العائلة وفي الشركة.
أكبر خطأ هو غياب الخطة: تقول تاونسند: "أعتقد أن عدم التخطيط على الإطلاق هو أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه". وتشير جاد الحق إلى أن العديد من الشركات في الشرق الأوسط وأفريقيا شهدت انقسامات بعد وفاة المؤسس بسبب غياب التخطيط السليم للتعاقب، ما أضر بالعلاقات العائلية واستمرارية الأعمال. كما ينبغي للعائلات تجنب نسخ الهياكل التي تعتمدها عائلات أخرى، إذ إن الحل المناسب يعتمد على طبيعة الأصول والأهداف طويلة الأجل وديناميكيات كل عائلة، بحسب جاد الحق. وتتفق حامد مع ذلك، مشيرة إلى أن إخفاقات التعاقب غالبا ما تعود إلى غياب التخطيط والحوكمة، واعتماد العائلات على قرارات آنية بدلا من استراتيجية طويلة الأجل.
الحفاظ على الشركات والثروات
الحفاظ على القيمة أهم أحيانا من التوزيع المتساوي للأصول: قد يؤدي تفتت الملكية إلى صعوبة الحفاظ على الشركات والثروات، بحسب تاونسند. وتوضح جاد الحق أنه لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع عندما يتعلق الأمر بتوزيع الأصول بين الورثة، لأن القرار يعتمد على طبيعة الأصل والعائلة نفسها. وتقول: "بعض الأصول تفقد قيمتها إذا جرى تقسيمها، وعندها ستكون الخسارة على الجميع". كما ينبغي للعائلات التفكير فيمن يملك القدرة على مواصلة إدارة النشاط، وما إذا كان هناك خليفة طبيعي، وكيف ستوزع المسؤوليات مستقبلا.
التعاقب في جوهره يتعلق بالاستمرارية: ينبغي للمؤسسين التركيز على ضمان قدرة الشركة على الاستمرار من دونهم، بدلا من النظر إلى الأمر باعتباره مجرد تخطيط للتقاعد، بحسب حامد. فوجود فرق إدارة قوية وهياكل حوكمة واضحة وإجراءات محددة يساعد على الفصل بين الملكية والإدارة اليومية. وتقول: "يجب أن تستمر الشركة سواء كنت جزءا منها أم لا".
أجروا المحادثات الصعبة بينما لا يزال المؤسس على قيد الحياة: غالبا ما يكون المؤسس الأكثر فهما للعائلة وللشركة، وعادة ما تكون لديه رؤية لكيفية استمرار النشاط من بعده، بحسب جاد الحق. وإذا كانت الخلافات حتمية، فمن الأفضل أن تحدث بينما لا يزال المؤسس موجودا، بحسب تاونسند. وتقول: "بعد رحيل المؤسس قد تنزلق العائلة إلى صراعات ونزاعات قضائية". وتضيف أن العائلات التي تنجح في الحفاظ على ثرواتها عبر الأجيال تميل إلى التواصل بشفافية وإدارة التوقعات مبكرا. وتقول: "معظم النزاعات تنشأ عندما لا تتحقق توقعات بعض أفراد العائلة". وعادة ما يكون أفراد العائلة أكثر تقبلا للنتائج عندما يكونون جزءا من النقاش ويفهمون مبررات القرارات. وترى حامد أن النقاشات المتعلقة بالادخار والاستثمار والحفاظ على الثروة ينبغي أن تبدأ منذ سن مبكرة، حتى يفهم الجيل التالي الفرص والمسؤوليات المرتبطة بالثروة الموروثة.
التعقيدات القانونية
الثروة العابرة للحدود تزيد من تعقيد عملية التعاقب: تواجه العائلات التي تمتلك أصولا موزعة على عدة دول أنظمة قانونية ومتطلبات إفصاح وإجراءات تشغيلية مختلفة، بحسب جاد الحق. وتشير تاونسند إلى أن العقارات تخضع في الغالب لقوانين الدولة التي تقع فيها، بينما يمكن أحيانا الاحتفاظ بالأصول المالية من خلال هياكل مثل الصناديق الاستئمانية (Trusts). وقد يؤدي ضعف التخطيط إلى تحميل الورثة أعباء تتبع الأصول، أو حتى عدم معرفتهم بوجود بعض الأصول من الأساس. ومن دون تخطيط مناسب في مختلف الولايات القضائية، قد تضطر العائلات إلى انتظار انتهاء إجراء قانوني في دولة ما قبل بدء إجراء آخر في دولة مختلفة، وقد يستغرق إنهاء بعض التركات عقودا، بحسب تاونسند.
الصناديق الاستئمانية من أقوى أدوات التخطيط للتعاقب: تستخدم الصناديق الاستئمانية على نطاق واسع لأنها توحد الملكية وتفصلها عن حق الانتفاع، ما يسمح لأفراد العائلة بالاستفادة من الأصول من دون امتلاكها بشكل مباشر، بحسب تاونسند. ويمكن أن يساعد ذلك في الحد من تفتت الملكية بعد وفاة المؤسس والحفاظ على الشركات والثروات عبر الأجيال. ومن بين النماذج الممكنة هيكل يوحد ملكية الشركة مع توزيع المنافع الاقتصادية على فروع العائلة المختلفة، بما يضمن الحفاظ على النشاط مع تمكين أفراد العائلة من الاستفادة من نجاحه.
للفكرة جذور أعمق مما يعتقده كثيرون: رغم أن الصناديق الاستئمانية ترتبط اليوم غالبا بالأنظمة القانونية الأنجلوسكسونية، تشير جاد الحق إلى أن الفكرة تعود تاريخيا إلى مفهوم الوقف الإسلامي. وتقول: "من الطريف أن الأصل التاريخي للصندوق الاستئماني يعود إلى نظام الوقف في الشريعة الإسلامية". وبينما لا يزال الوقف معترفا به في مصر، فإنه يخضع لإطار تنظيمي مختلف ولا يؤدي الدور نفسه الذي تؤديه الصناديق الاستئمانية الحديثة في التخطيط للتعاقب.
الصناديق الاستئمانية ليست حلا يناسب الجميع: لا تعرف مصر، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، الصناديق الاستئمانية في إطار التشريعات المحلية، ما يدفع العائلات في بعض الحالات إلى اللجوء إلى هياكل خارجية مناسبة، بحسب جاد الحق. ويعتمد الهيكل الأنسب على طبيعة الأصول والقيود المفروضة على الملكية والاعتبارات الضريبية وأهداف العائلة. وتقول: "الأمر ليس ببساطة إنشاء صندوق استئماني يمتلك الأصول أو نقل الأصول إليه تلقائيا". وتضيف: "إنها عملية تتطلب مشورة قانونية متخصصة وتقييما ضريبيا لضمان الكفاءة الضريبية، خاصة عندما تشمل أكثر من ولاية قضائية".
الوعي يتزايد لكن التنفيذ لا يزال بطيئا: ارتفع الوعي بأهمية التخطيط لتعاقب الأجيال بين الشركات العائلية المصرية وشركات المنطقة خلال العقد الماضي، بحسب جاد الحق. لكن رغم إدراك كثير من العائلات للخيارات المتاحة ورغبتها في التحرك، فإن التنفيذ غالبا ما يستغرق وقتا أطول بسبب التعقيدات القانونية والضريبية والهيكلية المرتبطة بهذه العملية. ويزداد الأمر تعقيدا مع تزايد عدد أفراد العائلة الذين يعيشون أو يدرسون أو يعملون في الخارج. وتقول تاونسند إنها شهدت حالات اضطرت فيها العائلات إلى تعديل خطط التعاقب بعدما انتقل بعض أفرادها إلى الولايات المتحدة للدراسة ثم استقروا هناك، ما استدعى إعادة النظر في الهيكل بأكمله. ولذلك، كلما أمكن، ينبغي إجراء هذا النوع من التخطيط مسبقا.