هل يمكن أن يكون الفن استثمارا؟ سؤال ظل لسنوات محصورا بين جامعي الأعمال الفنية، لكنه بدأ يفرض نفسه على طاولة مديري الثروات والبنوك الخاصة. وجاءت الشراكة التي وقعها بنك قناة السويس مع آرت دي إيجيبت مؤخرا لتسلط الضوء على هذا التوجه المتنامي، إذ تستهدف التعامل مع الفن باعتباره أصلا اقتصاديا يمكن أن يشكل جزءا من إدارة الثروات، من خلال تقديم خدمات استشارية وفرص اقتناء وتمويل مخصص لشراء الأعمال الفنية.
وتأتي الخطوة في وقت يزداد فيه اهتمام صناعة إدارة الثروات عالميا بالفن. ووفقا لتقرير ديلويت آرت آند فاينانس 2025، يقدم 51% من مديري الثروات حول العالم خدمات مرتبطة بالفن، مقارنة بنحو 25% فقط في عام 2011. كما ارتفعت نسبة العملاء الذين يطلبون المساعدة في هذا المجال إلى 65%، مدفوعة بتوقعات انتقال ملكية أعمال فنية ومقتنيات بقيمة تقارب تريليون دولار خلال العقد المقبل.
سوق الفن العالمية تبلغ قيمتها نحو 68 مليار دولار، حسبما قالت أنثيا بيرز، رئيسة كريستيز أوروبا والشرق الأوسط، خلال إطلاق برنامج الاستشارات والاستثمار الفني التابع لبنك قناة السويس. وتتحرك عادة استثمارات الفنون في دورات تمتد لخمس سنوات. وأضافت أن السوق تدخل حاليا مرحلة صعود جديدة مدفوعة بزيادة أعداد الأفراد الذين يحققون ثروات كبيرة، مشيرة إلى أن الفن بات يشكل ما يصل إلى 10% من محافظ بعض جامعي الأعمال الفنية من أصحاب الثروات المرتفعة.
ويستند المؤيدون لفكرة الاستثمار في الفن إلى قدرته على تنويع المحافظ الاستثمارية. فالفن لا يتحرك عادة بالتوازي مع الأسهم أو السندات، ما يجعله أداة محتملة للحفاظ على القيمة خلال فترات اضطراب الأسواق. ومع ذلك، يوصي المستشارون الماليون عادة بألا تتجاوز الاستثمارات الفنية نسبة محدودة من المحفظة، تتركز في أعمال لفنانين أو أسماء تتمتع بسوق نشطة ومثبتة.
زخم متزايد للفن في المنطقة
تشهد أسواق الفن في الشرق الأوسط نموا ملحوظا خلال السنوات الخمس الأخيرة. وتشير بيانات كريستيز إلى أن مبيعات الفن الحديث في المنطقة ارتفعت بنسبة 298% بين عامي 2020 و2024، بالتزامن مع استثمارات خليجية متزايدة في المتاحف والمعارض والمؤسسات الثقافية. كما ساهمت النجاحات الدولية لفنانين مصريين في تعزيز حضور السوق المصرية على الساحة العالمية. ويبرز من بينهم وائل شوقي، الذي مثل مصر في بينالي البندقية 2024 وتولى الإدارة الفنية لـ آرت بازل قطر 2026، إلى جانب غادة عامر التي تعرض أعمالها في مؤسسات عالمية بارزة مثل غوغنهايم ومركز بومبيدو.
ويرى آدم بالدوين، مؤسس شركة بالدوين كونتمبوراري، أن الإمارات أصبحت واحدة من أسرع أسواق الفن نموا على مستوى العالم، مع تزايد أعداد جامعي الأعمال الفنية والمستثمرين والمكاتب العائلية التي تنظر إلى الفن كجزء من استراتيجياتها لإدارة الثروات.
لكن هل الفن استثمار فعلا؟
لا يتفق الجميع مع هذه الرؤية. إذ تقدم ساجي حامد، مؤسسة مجموعة سكوير كابيتال جروب، وجهة نظر أكثر تحفظا. وتقول إن هناك توجها متزايدا بين بعض الأفراد ذوي الملاءة المالية المرتفعة لشراء الفن والساعات والمقتنيات الفاخرة وتصنيفها ضمن محافظهم الاستثمارية، رغم أنها لا تعتبرها استثمارات بالمعنى التقليدي.
وترى حامد أن بناء الثروة يجب أن يبدأ بالأصول الأعلى سيولة والأقل مخاطرة، مثل النقد وأدوات الدخل الثابت، ثم العقارات والأسهم القيادية، على أن يأتي الفن في نهاية القائمة وبنسبة محدودة للغاية من إجمالي الثروة.
وتعزو حامد الطفرة العالمية في أسعار الأعمال الفنية إلى صعود جيل جديد من أصحاب الثروات الناتجة عن قطاع التكنولوجيا، والذين يمتلكون سيولة كبيرة تبحث عن أصول نادرة ومحدودة المعروض. لكنها ترى أن هذه الديناميكيات لا تنطبق بالضرورة على معظم المستثمرين، خصوصا في سوق لا تزال محدودة العمق مثل السوق المصرية.
سوق ما زالت في طور البناء
ويقر العاملين في القطاع بوجود تحديات هيكلية تحد من تحول الفن إلى فئة أصول ناضجة، إذ تقول لينا موافي، الشريكة المؤسسة ومديرة جاليري تام، إن الأعمال الفنية قد تكون أصولا منخفضة السيولة نسبيا ويصعب بيعها بسرعة، وإن السوق الثانوية تعتمد حاليا بشكل كبير على العلاقات التي تديرها الجاليريهات وقوائم جامعي الأعمال الفنية.
وتشير موافي إلى أن السوق تفتقر إلى عدد من العناصر الأساسية، من بينها منصة مركزية لإعادة البيع، وشفافية أكبر في التسعير، وآليات اعتماد ومراجعة مهنية تحد من الممارسات العشوائية في تقييم الأعمال الفنية.
الخلاصة
لا يزال شراء الأعمال الفنية أقرب إلى قرار شخصي واستهلاكي منه إلى قرار استثماري بحت. لكن المبادرات الجديدة، مثل شراكة بنك قناة السويس وآرت دي إيجيبت، قد تساعد في إضفاء قدر أكبر من التنظيم والشفافية والمهنية على السوق. وحتى ذلك الحين، تبقى النصيحة الأبسط للراغبين في دخول هذا العالم: اشترِ العمل الفني لأنك تحبه أولا، وليس فقط لأنك تتوقع أن ترتفع قيمته يوما ما.