Posted inأغذية ومشروبات

نحو الكيف لا الكم: رهان تامر الليثي على العودة إلى أصل السوشي

🍣 إيجاد مطعم سوشي في مصر ليس بالمهمة الصعبة، بل في الواقع أصبح ظاهرة متواجدة بقوة في كل شارع مصري تقريبا. من عروض الكومبو في المطعم ذاته، إلى المطاعم التي توصل الطلبات في أقل من نصف ساعة، تحولت تلك الوجبة التي بدأت كتجربة حصيرة وفاخرة، إلى تجربة طعام أغرقت سوق الأطعمة المصرية.

معضلة الانتشار الهائل: هذا الانتشار الهائل وتلك العروض المغرية جاءت على حساب جودة تجربة السوشي اليابانية بالأساس، وهذا يمثل مشكلة جوهرية يسعى تامر الليثي (لينكد إن) — أحد أبرز رواد الأعمال في قطاع المأكولات والمشروبات المصري — لحلها منذ أبريل 2025 عبر مطعمه الياباني التجريبي هارا هاتشي بو. أسس الليثي مجموعة من أشهر العلامات التجارية في القطاع بمصر، ومنها تمارا وموري ومينس وتيدز وذا جروسر، وقد التقينا به في إنتربرايز ليشاركنا رؤيته الفريدة وتجربته المتخصصة في هذا الشأن.

الفجوة واضحة: "أدركت وجود فجوة في السوق فيما يتعلق بالسوشي عالي الجودة، ولاحظت أن نحو 95% من المطاعم تعتمد على مكونات مجمدة"، بحسب ما قال الليثي، مضيفا أن السوق تركز بالأساس على العروض والخصومات، وهو ما يحد من قدرة المطعم على تقديم سوشي عالي الجودة. لضمان استدامة هذا النموذج، تضطر المطاعم لتقديم تنازلات: إما رفع الأسعار إلى مستويات فلكية أو المخاطرة بالجودة، فلا يمكن أبدا الجمع بين الاثنين، حسبما أكد.

ولكن هل كان الوضع هكذا دائما؟ ليس تماما: عرفت مصر السوشي لأول مرة في أواخر الثمانينات بفضل المغتربين اليابانيين الذين جلبوا معهم طهاة محترفين للمساعدة في نشر المطبخ الوطني لبلادهم، حسبما نقلت الأهرام عن شيف السوشي المصري أحمد كمال. وفي عام 1995، كان سعر رول السوشي الواحدة يصل إلى 10 جنيهات وهو رقم كبير جدا في ذلك الوقت. آنذاك كان السوشي مقتصرا على المطاعم الراقية في الأحياء الثرية، قبل أن يشهد قفزة هائلة في شعبيته على مدى العقدين الماضيين.

"حدث التحول نحو العروض خلال السنوات الست أو السبع الماضية، وللأسف تغيرت السوق"، بحسب الليثي. بمجرد أن بدأت كبرى المطاعم في تغيير نهجها، حذا الجميع حذوها، واعتاد الناس على ذلك، إذ أصبح هذا النمط من استهلاك السوشي أسلوب حياة، خاصة مع صعود جيل زد. لذلك أصبحت هناك فجوة في تقديم سوشي طازج وعالي الجودة، بمكونات طازجة فعلا، وبالنظر إلى أن جميع العلامات التجارية الحالية للسوشي تقدم إلى حد ما القائمة نفسها تقريبا، أراد الليثي تقديم شيء مختلف تماما.

هذه هي فكرة هارا هاتشي بو: استوحى الليثي اسم المطعم من مثل كونفوشيوسي ياباني يترجم إلى "كل حتى تشبع بنسبة 80%"، ويسعى المطعم — الذي افتتح أول فروعه في ديستركت فايف — إلى استعادة النهج الصحي والطازج للوجبة اليابانية الشهيرة. أعاد الليثي التركيز على تناول السوشي كتجربة ممتعة، من خلال تقديم وصفات مختلفة وإضافات جديدة لقائمة الطعام والالتزام الصارم باستخدام مكونات طازجة.

العروض مهمة، لكن الجودة أهم: "اعتمدت استراتيجيتنا التسويقية على التركيز على كل ما هو طازج، فهدفنا الأساسي دائما تقديم طعام طازج بالمعنى الحرفي". ورغم أن الالتزام بالمكونات الطازجة فحسب له تكلفته الكبيرة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، إلا أن جهود الليثي قد أثمرت، إذ أكد أن ردود الأفعال فاقت توقعاتهم كلها.

الاعتماد على الأطعمة الطازجة للغاية قد يكلف المطعم كثيرا، إذ قال الليثي: "نستورد السلمون عبر الشحن الجوي عدة مرات أسبوعيا، ومعظم مكوناتنا الأخرى تأتي من الخارج أيضا"، وقد وجد المطعم نفسه في مأزق عندما كاد ينفد مخزون الأسماك الطازجة تماما، قبل أن تصل الشحنة في اللحظة الأخيرة ويستمر العمل كالمعتاد.

احتضن ديستركت فايف أول فروع المطعم، فرغم أنه كان يتسع إلى 12 طاولة فقط على مساحة تقارب 60 مترا مربعا، مثل المطعم خطوة أولى في بناء الاسم وسمعة المكان. بعد نحو عام ونصف، نقل الليثي مفهومه التجريبي إلى غرب العاصمة بافتتاح فرع جديد في مول هيل تاون بمدينة 6 أكتوبر: "لطالما شعرت أنا وأصدقائي وعائلتي وشركاء العمل أن غرب القاهرة يفتقر إلى وجهة متميزة للسوشي، لكنني لم أتمكن من العثور على الموقع المناسب، لكن بمجرد أن وجدته، افتتحنا الفرع".

موقع الفرع الجديد متميز حقا، إذ يتمتع بميزة وصول ملحوظة، فهناك أكثر من 12 ألف منزل بين الجيزة الجديدة وبالم هيلز، بحسب الليثي، الذي أشار إلى وجود إمكانات قوية للغاية هناك، خاصة من ناحية خدمات التوصيل، متطلعا إلى مزيد من التوسع في المستقبل القريب.

الدرس المستفاد لرواد الأعمال الصغار في قطاع المأكولات والمشروبات: عندما تتجه نسبة كبيرة من السوق نحو تقديم نفس المنتجات ونماذج التسعير، فإن الخطر الأكبر لا يكمن أحيانا في تجربة شيء جديد، بل في التمسك بالقديم والأصيل. يثبت النجاح المبكر لمطعم هارا هاتشي بو أن الخروج عن المسار المألوف — رغم تكلفته الكبيرة — يؤتي ثماره في النهاية.