أمضت ساجي حامد 12 عاما في تقديم المشورة للعملاء حول سبل حماية ثرواتهم وتنميتها وتمريرها للأجيال القادمة. وبصفتها المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمجموعة سكوير كابيتال، وهي شركة متخصصة في الاستشارات الاستثمارية وإدارة الثروات بدبي، ركزت في عملها على التخطيط لانتقال الثروات، وهيكلة الثروات العائلية، وإضفاء الطابع المؤسسي على أعمال العملاء من ذوي الثروات الضخمة في دول مجلس التعاون الخليجي ومصر.
والآن، بدأت حامد توجه اهتمامها نحو شريحة مختلفة تماما من العملاء: المهنيون الشباب في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، الذين يجنون المال لكنهم لا يعرفون كيفية إدارته. لم يكن الدافع وراء هذا التحول رغبتها في دراسة السوق، بل سلسلة من النقاشات مع أصدقاء أبنائها ومعارفها من الشباب، وأبناء وبنات عملائها، إذ كشفت لها تلك النقاشات عن نمط مثير للقلق. فتقول عن ذلك: "كانوا يأتون إلي ويخبرونني برغبتهم في شراء الذهب أو الأسهم، لكنهم لا يعرفون من أين يبدؤون. المشكلة الأعمق هي أن بعضهم لم يكن يملك حتى حسابا مصرفيا، بل يعتمدون على بطاقات ائتمانية إضافية من والديهم، ولم يتخذوا قرارا ماليا واحدا بأنفسهم قط".
وما أثار قلق حامد أكثر من نقص المعرفة هو العقلية نفسها؛ إذ تتبعت هذه المشكلة إلى حكمة تربوية شائعة في ثقافتنا، وهي ادخار المال لشراء شيء مميز في النهاية. إذ ترى أن "هذه العبارة مضرة للغاية. فإذا غرست في ذهن أحدهم أن الغرض من المال هو شراء الأشياء، فهذا بالضبط ما سيفعله بقية حياته. ولن يعلمه أحد أن المال يمكن تركه لينمو، وأنه يمكن توريثه".
عمل والد حامد في القطاع المصرفي، لذا كانت تستثمر في البورصة المصرية قبل أن تبلغ 21 عاما. وبدأت مسيرتها المهنية بالعمل مصرفية في البنك التجاري الدولي، ثم انتقلت إلى مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية في شركة فاروس وبنك الكويت الوطني كابيتال في الكويت. وتقول إنها "أدركت أن الطريقة التي نشأت بها لم تكن هي المعتادة".
لذا صممت حامد دورة تدريبية حول الثقافة المالية لسد هذه الفجوة المعرفية. تتكون الدورة من 12 وحدة تبدأ بالخطوات الأساسية: فتح حساب مصرفي بعملات متعددة إذا لم يكن لديك حساب بالفعل، وفتح حساب وساطة، والتدرج في التعامل مع فئات الأصول، وتقييم المخاطر، وبناء المحافظ الاستثمارية. ويمكن إكمال هذه الوحدات في غضون فترة يبلغ متوسطها 3 أشهر.
ستُتاح تلك الدورة التدريبية تحت مظلة شركتها سكوير كابيتال، وستتسم بطابع عملي بحت؛ فقد رتبت حامد لحضور ممثلين عن شركات الوساطة والبنوك لفتح حسابات للمشاركين أثناء الدورة، كما سيُكلف المشاركون بمهام عملية، فسيُطلب منهم مثلا أن يحاولوا جني أول عوائدهم الاستثمارية ويناقشوا الخطوات التي اتخذوها لتحقيق ذلك. وتخطط حامد لتقديم الدورة من خلال مزيج من الجلسات الجماعية والاستشارات الفردية، عملا بحقيقة أن الأوضاع المالية تختلف من مشارك لآخر.
يبدأ سلم فئات الأصول الذي سيصعده الطلاب بالنقد وأشباه النقود مثل أسهم الشركات القيادية والسندات، ثم ينتقل إلى السلع مثل الذهب والفضة، وبعدها إلى العقارات، بما في ذلك منصات الملكية الجزئية التي تتيح الاستثمار بحد منخفض من رأس المال، وسيصلون في النهاية إلى الصناديق المدارة. وتؤكد حامد أن المعيار الرئيسي للاستثمار نسبي، وليس مطلق؛ فالعائد السنوي هو المهم، بغض النظر عن حجم الاستثمار نفسه سواء كان 10 آلاف جنيه أو مليون جنيه. ومع نمو الدخل، ينبغي أن يظل استهلاكك ثابتا من حيث القيمة بينما يرتفع معدل الادخار. فالمهم في رأيها هو المبدأ نفسه "سواء بدأت بألف جنيه أو بمليون جنيه".
وما يميز الدورة هو تركيزها على خصوصية كل منطقة؛ إذ ترى حامد أنه لا يمكن تطبيق مبادئ التمويل الشخصي العالمية كما هي على السياق المصري. وتوضح أن "الاقتصاد المقوم بالجنيه له ديناميكياته الخاصة. فالبنية التحتية لشركات الوساطة، والمنتجات المتاحة عبر الصناديق، سواء صناديق الذهب والدولار أو أدوات سوق النقد، هي منتجات محلية. ولا يمكنك تطبيق ممارسات السوق الكندية أو الأمريكية هنا. القوانين مختلفة، والعملات مختلفة، والقيود العمرية مختلفة".
تحدثت حامد أيضا عن فجوة الاستشارات؛ وأشارت إلى أنه عند الوصول لمستوى معين من الثروة، تعين لك البنوك مصرفيا خاصا لمساعدتك. لكن دون هذا المستوى، تقتصر فكرة إدارة الثروات على الترويج للمنتجات، مثل قروض السيارات، والتسهيلات الائتمانية، وباقات التأمين التي تباع للعملاء دون الكثير من التفاصيل، وهذا هو الوضع في جميع أنحاء العالم، لذلك "عليك أن تقوم بواجبك وتعرف الأسئلة التي ينبغي عليك طرحها".
وهذه الدورة التدريبية هي الحل الذي تقترحه لذلك الخلل في المنظومة. وهي ترفض بشدة الانتقادات الرائجة بين الأجيال الأكبر بأن الشباب يتسمون بالكسل، ويقضون أوقاتهم في المقاهي طوال اليوم، ولا يتركون هواتفهم أبدا. وتقول: "أعتقد أن جيل الشباب ذكي للغاية ومؤهل بشدة. فلديهم كل الأدوات في العالم".
وتضيف أن "الهاتف نفسه الذي تستخدمه للشراء دون تفكير وأنت على الإنترنت يمكن استخدامه لبناء محفظة استثمارية. والمهارات الرقمية ذاتها التي تجعلك مستهلكا بارعا يمكن أن تجعل منك مستثمرا ماهرا. العادة هي نفسها، كل ما تحتاجه هو تغيير الاتجاه فقط". وتسمي حامد هذا المفهوم "الاستثمار الاندفاعي".
والأرقام تثبت صحة هذا الرأي. فتوضح أنك "إذا وفرت يوميا من نفقاتك غير الضرورية، مثل القهوة وطلبات التوصيل والمشتريات المندفعة، فستجمع مبلغا كبيرا كل شهر. استمر في زيادة هذا المبلغ واستثماره لعشر سنوات، وسيصبح نقطة تحول في ثروتك". إلا أن الشباب حسبما ترى "لا يدركون أن المدخرات الصغيرة يمكن أن تدر عليهم أموالا طائلة، وفي الحقيقة فهي قادرة على ذلك".
تخضع دورة الثقافة المالية التي أعدتها حامد للتجربة حاليا، وستصير متاحة قريبا. وتأمل في أن تقدم مستقبلا دورة حول التخطيط لإدارة الثروات وانتقالها، تستهدف بها المستثمرين المتمرسين وورثة الثروات العائلية.