ترسم ثلاثة تطورات في قطاع الطاقة صورة واحدة، تبرهن على أن مصر تمضي بخطى ثابتة نحو إقامة البنية التحتية، وتأمين الإمدادات، وعقد الشراكات اللازمة لترسيخ مكانتها لتصبح مركزا رئيسيا على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط. وتتمثل هذه التطورات في ممر لنقل الغاز القبرصي، وخط أنابيب للتصدير عبر البحر المتوسط، واتفاقية جديدة للحفر في الصحراء الغربية بقيمة 208 ملايين دولار.
قبرص تصدر غازها عبر مصر بحلول 2028
أما عن أول هذه التطورات، فتتعلق بمساعي قبرص لتصدير الغاز الطبيعي المستخرج من حقل كرونوس البحري إلى الأسواق الأوروبية عبر مصر بحلول عام 2028، بحسب تصريحات الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس التي أدلى بها قبيل اجتماع مجلس الوزراء الذي وافق على خطة تطوير وإنتاج الحقل إلى جانب الإطار التجاري الخاص به.
خطوة طال انتظارها: وقعت وزارة البترول خلال العام الماضي ثلاث اتفاقيات مع شركتي إيني وتوتال إنرجيز، الشريكتين في الحقل، لنقل غاز كرونوس ومعالجته من خلال البنية التحتية لحقل ظُهر، تمهيدا لإسالته في محطة دمياط وإعادة تصديره إلى أوروبا. ويتطابق الموعد المستهدف لبدء التصدير في 2028 مع تصريحات كل من وزير الطاقة القبرصي السابق جورج باباناستاسيو في العام الماضي، والوزير الحالي مايكل داميانو في شهر مارس الماضي، اللذين تراجعا عن الموعد الزمني المستهدف سابقا في عام 2027.
المشهد الكامل: يشتد السباق بين دول شمال أفريقيا لاقتناص حصة أكبر من الطلب على الطاقة في الكتلة الأوروبية؛ إذ تتنافس كل من الجزائر والمغرب وليبيا على تأمين إمدادات الطاقة إلى القارة العجوز. وقد تناولنا هذا المشهد بالتفصيل الشهر الماضي.
خط أنابيب جديد على ساحل المتوسط
تعتزم وزارة البترول الانتهاء من تنفيذ خط أنابيب جديد على طول ساحل البحر المتوسط خلال النصف الثاني من هذا العام، لنقل المنتجات البترولية المكررة من معمل تكرير ميدور إلى ميناء الحمراء، وفق ما نقله موقع العربية عن مصدر حكومي لم يسمه. وتبحث الوزارة حاليا تدبير تمويلات تتراوح بين 700 و800 مليون جنيه لاستكمال أعمال الإنشاءات المتبقية من المشروع.
بدأ العمل على هذا المشروع منذ فترة. ففي عام 2024، نفذت شركة بتروجت أكثر من نصف أعمال خط نقل الوقود الجديد الذي تبلغ تكلفته 1.7 مليار جنيه ويربط معمل ميدور بميناء الحمراء. وقد صمم هذا الخط لتزويد مدينة العلمين والمناطق المحيطة بها بالوقود المكرر، مع توفير خيار التصدير. وفي وقت سابق من العام الجاري، بدأت شركة ويبكو المشغلة للميناء في تقديم خدمات تخزين وتداول النفط الخام للغير، مستهدفة الوصول بحجم التداول إلى نحو 88 مليون برميل خلال العام المالي المقبل، مع مضاعفة سعتها التخزينية لتصل إلى 5.3 مليون برميل.
بلغة الأرقام- بلغت قيمة صادرات مصر من شحنات الوقود 1.4 مليار دولار خلال الربع الأول، صعودا من نحو 900 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
أهمية المشروع: يمثل خط الأنابيب الجديد الحلقة المفقودة في منظومة نقل المواد البترولية في الاتجاهين. فثمة مسار حالي يُستخدم فعليا في نقل النفط الخام من ميناء الحمراء البترولي إلى معمل ميدور لتكريره، في حين سيتولى المسار الجديد نقل المنتجات النهائية ذات القيمة الأعلى في الاتجاه المعاكس تمهيدا لإعادة تصديرها. إذ إن دورة الاستيراد والتكرير وإعادة التصدير تشكل عنصرا أساسيا في خطة مصر الرامية إلى تحويل قطاع الطاقة المحلي إلى مركز إقليمي للمعالجة والخدمات اللوجستية على البحر المتوسط.
مزيد من الغاز والنفط في باطن الأرض
وقعت الهيئة المصرية العامة للبترول اتفاقية بقيمة 208 ملايين دولار مع شركتي كايرون إنرجي وكابريكورن إنرجي لتسريع عمليات البحث والإنتاج في منطقة امتياز بدر الدين بالصحراء الغربية، وفق بيان صادر عن وزارة البترول. وستوجه الشركتان هذه الاستثمارات لحفر 44 بئرا استكشافية وإنتاجية جديدة، إلى جانب دمج ثمانية حقول إنتاج قائمة في الصحراء الغربية، مع إضافة مناطق استكشافية جديدة إلى الامتياز.
ماذا بعد؟ تستعد الوزارة أيضا لطرح مزايدة جديدة للتنقيب عن البترول خلال الربع الثالث من العام تشمل ما لا يقل عن 15 منطقة، وتقع أغلب هذه المناطق في الصحراء الغربية والصحراء الشرقية، وفق ما نقلته الصحافة العربية عن مصدر حكومي لم تسمه. ومن المتوقع إطلاق المزايدة الجديدة عقب إغلاق المزايدة العالمية الحالية للبحث والتنقيب في البحر الأحمر بنهاية شهر يونيو المقبل.
ما أهمية هذه التحركات؟ تحتاج الحكومة إلى كل برميل يمكن استخراجه؛ فمع بلوغ الإنتاج الحالي 560 ألف برميل يوميا، واستهدافها الوصول بالإنتاج إلى نحو 626 ألف برميل يوميا بنهاية العام المالي المقبل، لن تصل إلى هذه الزيادة في الإنتاج بدون ضخ شركات النفط العالمية استثمارات في أعمال الحفر.
الاستراتيجية: من أجل تأمين أهدافها الرامية إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 6.2 مليار دولار لقطاع البترول خلال العام المالي المقبل، تمضي الحكومة قدما على عدة جبهات، تشمل سداد المتأخرات المستحقة لشركات الطاقة الأجنبية، مع الالتزام بتسوية الرصيد المتبقي بالكامل بحلول يونيو 2026، وطرح شروط أكثر مرونة تراعي المخاطر في عقود البحث والاستكشاف، إلى جانب جذب تعهدات كبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر، التي تتضمن تعهدات بقيمة 19 مليار دولار من كبرى شركات الطاقة العالمية خلال السنوات الثلاث المقبلة.