تستعد شركة "جي 42" لتنفيذ أحد أضخم مشاريع البنية التحتية للحوسبة في التاريخ، في خطوة تضعها في موقع استثنائي، وفق ما أورده فريق نشرة الذكاء الاصطناعي والابتكار في إنتربرايز هذا الأسبوع. وتمتلك الشركة الإماراتية الوطنية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والمدعومة من جهات سيادية رؤوس أموال ضخمة، وقائمة مستثمرين تضم شركة مايكروسوفت وشركة سيلفر ليك الأمريكية البارزة للاستثمار المباشر، إلى جانب إمكانية الحصول على أحدث رقاقات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى تراخيص.
غير أن سيف ديموقليس يظل مسلطا فوق رأسها، إذ تلوح إدارة ترامب بأنها قد تقيد حصول الشركة على هذه الرقاقات ما لم تتحول "جي 42" إلى شركة أمريكية.
ما المقصود؟ أثار هذا الشرط الذي قد تفرضه الإدارة الأمريكية حيرة الخبراء المتخصصين في ضوابط التصدير بالولايات المتحدة. علما بأنه ورد في بند لا يتجاوز 17 كلمة وسط قرار أصدرته وزارة التجارة الأمريكية يضم نحو 5 آلاف كلمة، وتمنح "جي 42" وذراعها للحوسبة السحابية "كور 42" و8 شركات أمريكية تعمل في الإمارات إمكانية الحصول على أحدث رقاقات الذكاء الاصطناعي دون تراخيص. ويقول الخبراء إنهم لم يصادفوا مثل هذه الصياغة من قبل، ولا يعرفون مدى جدية هذا الشرط، أو كيف ينسجم مع اعتبارات الأمن القومي التي يفترض أن تحكم قرارات الرقابة على الصادرات.
والأكثر غموضا هو كيفية استيفاء "جي 42" و"كور 42" لهذا الشرط. فهل يعني التحول إلى شركة أمريكية مجرد التسجيل في إحدى الولايات الأمريكية؟ أم يتطلب خطوة أكبر، مثل بيع حصة أغلبية لشركة أمريكية؟ وكانت "جي 42" قد أجرت محادثات استكشافية بشأن صفقة من هذا النوع، وفق ما ذكرته وكالة بلومبرغ في سبتمبر الماضي، دون أن تسمي أي شركات أمريكية مشاركة في الصفقة، علما بأن مايكروسوفت تمتلك بالفعل حصة في الشركة. أم أنه قد يكون هناك حل وسط، مثل عزل الأجزاء الحساسة من الشركة تحت سيطرة أمريكية وتعيين مجلس إدارة مستقل لها؟
وهذا ما قالته "جي 42" في بيان لإنتربرايز: "تجمعنا بالفعل روابط قوية مع الولايات المتحدة، من خلال شراكاتنا ومساهمينا الأمريكيين والكيانات التابعة لنا هناك، ونقيم باستمرار [الفرص] التي تدعم أهدافنا طويلة الأجل. وسنواصل العمل بما يتوافق تماما مع جميع المتطلبات المعمول بها. وليس لدينا أي تعليق إضافي على اعتبارات تنظيمية أو مؤسسية محددة في هذه المرحلة". ولم تستجب الإدارة المعنية بالرقابة على الصادرات في وزارة التجارة الأمريكية لطلب التعليق.
وإذا أصرت إدارة ترامب على تحول "جي 42" و"كور 42" إلى شركتين أمريكيتين، فستجد القيادة الإماراتية نفسها أمام خيار صعب؛ إذ سيتعين عليها المفاضلة بين الاحتفاظ بالسيطرة على "جي 42" باعتبارها أحد أبرز الأصول التكنولوجية للإمارات ورمزا لقوة الخليج ونفوذه، وبين ضمان استمرار حصول الشركة على الرقاقات المتطورة، حتى لو كان ذلك على حساب هويتها الإماراتية وتحولها إلى شركة أمريكية.
ولا ينبغي الاستهانة بتداعيات هذه الخطوة على سمعة الشركة: فالتخلي عن هوية "جي 42" كشركة إماراتية سيمثل ضربة قوية لفكرة أن شركة خليجية قادرة على لعب دور رئيسي في تطوير أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم وجودها خارج الولايات المتحدة والصين، القوتين المهيمنتين على هذا المجال.
التفاصيل التنظيمية: نقل القرار الصادر عن وزارة التجارة الأمريكية في يوليو الماضي الإمارات من قوائم الدول المثيرة للمخاوف بشأن انتشار الأسلحة الكيميائية والصواريخ إلى الدول المندرجة ضمن فئة A:5، والتي تضم أقرب شركاء واشنطن في مجال الرقابة على الصادرات، وتتيح لهم إعفاءات واسعة من متطلبات الحصول على تراخيص التصدير الأمريكية.
لكن هناك استثناء مهم: أبقى القرار على القيود المفروضة على رقاقات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورا، إذ لا يزال المصدرون الأمريكيون بحاجة إلى تراخيص لشحنها إلى أي جهة في الإمارات باستثناء "جي 42" و"كور 42" وغيرهما من الكيانات التي حصلت على إعفاءات مماثلة. كما ينص القرار على انتهاء صلاحية الإعفاء الممنوح للشركتين في أبريل 2027، ما لم تتحولا إلى شركتين أمريكيتين أو تحصلا على موافقة جديدة من وزارة التجارة. وأشار صراحة إلى تعاون الإمارات خلال الحرب الأمريكية الجارية على إيران.
أيضا: يجري كل ذلك في إطار علاقة أمريكية إماراتية بالغة التعقيد. فالإمارات تعهدت باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، إلى جانب التزامات أمنية أمريكية، فضلا عن مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية التي ازدادت أهميتها منذ اندلاع الحرب على إيران. وقالت هديل عبد الهادي لينكد إن، المحامية المتخصصة في ضوابط التصدير والتكنولوجيا الناشئة لدى شركة ماس بوينت القانونية في واشنطن لنشرة إنتربرايز الصباحية: "لا نعرف جميع الاعتبارات المطروحة، ولا جميع جوانب هذه الصفقات المختلفة، أو الروابط القائمة بينها".
ما الذي تسعى إليه واشنطن إذن؟ يحاول الخبراء استقراء نوايا الإدارة الأمريكية من صياغة القرار، وتبرز ثلاثة تفسيرات محتملة:
- ترك الباب مفتوحا أمام جميع الخيارات: يكافئ القرار الإمارات على تعاونها خلال الحرب على إيران، بينما يترك لواشنطن مخرجا إذا ظهرت مشكلات، مثل المخاوف من وصول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى الصين. ويتيح موعد انتهاء الإعفاء في أبريل 2027 فرصة لإعادة تقييم الوضع.
- ورقة تفاوضية: يمنح الإعفاء المؤقت واشنطن ورقة للتفاوض، إذ يمكن ربط تجديده مستقبلا بالعلاقة الاقتصادية عموما، بما في ذلك التعهد الاستثماري البالغ 1.4 تريليون دولار.
- شهية للاستحواذ على حصص بالشركات: أبدت الإدارة الأمريكية اهتماما بالاستحواذ على حصص في الشركات ذات الأهمية الاستراتيجية، ومنها شركة إنتل، إلى جانب "سهم ذهبي" في شركة يو إس ستيل شرطا لبيعها لشركة نيبون ستيل. وقد تسعى الإدارة إلى اتباع النهج نفسه بالحصول على حصة في شركة مرشحة للعب دور رئيسي في قطاع الذكاء الاصطناعي بالمنطقة.
لكن خضوع "جي 42" للسيطرة الأمريكية قد يؤثر سلبا على أعمالها أيضا، خاصة أن "الذكاء الاصطناعي السيادي" يعد من أهم المزايا التي تعتمد عليها الشركة في جذب العملاء. ويقوم هذا المفهوم على تمكين الحكومات والقطاعات الحيوية في الشرق الأوسط وأفريقيا من تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي باستخدام قدرات الحوسبة لدى "جي 42"، مع الاحتفاظ بالسيطرة القانونية والسيادية على بياناتها وعملياتها، كما لو كانت تمتلك المنظومة التكنولوجية بالكامل.
وسيصعب كثيرا تسويق هذه الميزة إذا أصبحت "جي 42" شركة أمريكية خاضعة للقوانين الأمريكية، التي تنص تحديدا على حق جهات إنفاذ القانون الأمريكية الحاصلة على إذن قضائي في الوصول إلى بيانات الشركات الأمريكية أينما كانت. وقال أندرو ليبر لينكد إن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تولين المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والباحث غير المقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، لنشرة إنتربرايز الصباحية: "سيقوض ذلك الميزة الأساسية التي تسوق بها الشركة منتجها الجديد، وهو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي السيادية، التي تقوم فكرتها على عدم الخضوع للقوانين الأمريكية".
لكن الإمارات تمتلك بدورها أوراق ضغط إذا أصرت إدارة ترامب على فرض صيغة للملكية الأمريكية لا تقبلها. فشركتا مايكروسوفت وسيلفر ليك، المستثمرتان في "جي 42"، تتمتعان بنفوذ كبير في واشنطن، ولهما مصلحة في استمرار حصول الشركة على الرقاقات المتطورة. كذلك تعد الإمارات مستثمرا رئيسيا في مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، ومنها أنثروبيك و"أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي"، في وقت يسهم فيه قطاع الذكاء الاصطناعي بدور كبير في دعم سوق الأسهم الأمريكية. ومن شأن هذه المصالح أن تمنح إدارة ترامب حافزا قويا لمواصلة تدفق الرقاقات المتطورة.