تستعد الإمارات أخيرا لاستقبال أول طرح عام أولي في عام 2026؛ إذ تعتزم شركة دبي للاستثمار طرح 1.74 مليار سهم قائم تمثل حصة 20% من أسهم "دي آي بي هولدينغ" الشركة المالكة لمجمع دبي للاستثمار الممتد على مساحة 23 مليون متر مربع ويؤجر أراضيه للمستثمرين بعقود طويلة الأجل، وفقا لوثيقة نية الطرح (بي دي إف). وسيكون الطرح، الذي سيُنفذ في سوق دبي المالي، أول اختبار لسوق الطروحات العامة الأولية المحلية لعام 2026، التي اتسمت حتى الآن بالتقلب. وقال محللون لإنتربرايز إن أداء هذا الطرح قد يكون له تداعيات مهمة على الطروحات المرتقبة.
طريق طويل نحو الإدراج: طُرحت فكرة الإدراج منذ أوائل عام 2025؛ ففي يناير من ذلك العام، أعلنت دبي للاستثمار عن نيتها طرح أربع من شركاتها التابعة للاكتتاب العام، على أن يكون مجمع دبي للاستثمار من بينها قبل نهاية 2025. وبحلول سبتمبر من العام ذاته، دخلت الشركة في محادثات مع البنوك لطرح ما يصل إلى 25% من الأسهم، قبل أن يتأجل الإدراج إلى فبراير، ثم إلى الخريف لاحقا، بعد أن دفعت الحرب المستثمرين إلى موجة بيع مكثفة في أسواق الإمارات والمنطقة بأسرها.
الجدول الزمني: يفتح باب الاكتتاب في الفترة من 27 أكتوبر الجاري إلى 3 نوفمبر المقبل، ومن المتوقع أن يبدأ تداول الأسهم في 11 نوفمبر تقريبا، رهنا بالحصول على الموافقات التنظيمية. وسيُعلن النطاق السعري يوم 27 أكتوبر، في حين سيُحدد السعر النهائي في 4 نوفمبر من خلال عملية بناء سجل الأوامر. وذكرت وكالة بلومبرغ أن مسؤولي الشركة سيلتقون المستثمرين خلال الفترة من 19 إلى 26 أكتوبر.
الخطة: ستحتفظ دبي للاستثمار بكامل حصيلة الطرح، ولن يحق لها بيع المزيد من الأسهم حتى مايو المقبل. وسبق أن قدرت الإدارة قيمة المجمع بما يتراوح بين 10.8 و11 مليار درهم، ما يعني أن قيمة الحصة المطروحة تبلغ نحو 2.2 مليار درهم (أي 590-600 مليون دولار)، وفقا لحساباتنا. ويتماشى هذا مع حجم طرح صندوق مساكن دبي ريت البالغ 584 مليون دولار في مايو الماضي، ويعد أكبر مرة ونصف من حجم طرح شركة أليك البالغ 381 مليون دولار في أكتوبر الماضي.
شريحة صغيرة للأفراد وصفقة مغرية: تستحوذ شريحة المستثمرين المؤهلين على 92% من الطرح، بحد أدنى يبلغ مليون درهم للاكتتاب. وخُصصت نسبة 5% للمستثمرين الأفراد، بحد أدنى 5 آلاف درهم. بينما يحصل موظفو دبي للاستثمار على 1%، ويُخصص 2% لمساهميها الأفراد. وترجح "دي آي بي هولدينغ" توزيع أرباح بقيمة 700 مليون درهم لعام 2026، و725 مليون درهم لعام 2027، و750 مليون درهم لعام 2028، تُدفع على أقساط نصف سنوية.
رد فعل السوق: ارتفع سهم دبي للاستثمار بأكثر من 5% أمس عقب إعلان نية الطرح، وهو ما يعكس "تفاؤلا مبدئيا بشأن الاكتتاب العام"، بحسب ما ذكره فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة سنشري فايننشال، في حديثه لنشرة إنتربرايز. لكنه أشار في المقابل إلى أن "السهم أغلق في ختام الجلسة دون تغيير يُذكر وسط أحجام تداول كبيرة، مما يشير إلى أن المتعاملين في السوق سيحتاجون إلى المزيد من التفاصيل حول الطرح لتكوين رؤية واضحة".
كيف يبدو الإقبال على الطرح؟
سبق أن أعلنت دبي للاستثمار أنها تعتزم طرح حصة قدرها 25%، ثم خفضتها لاحقا إلى 24%، لتستقر الآن عند 20%. وقال جنيد أنصاري، مدير استراتيجية الاستثمار والأبحاث في كامكو إنفست، في تصريحات لإنتربرايز، إنه يرى أن هذه الخطوة قد تندرج ضمن "استراتيجية للحد من المخاطر". وأوضح أنه "قد يكون الهدف منها خفض مخاطر تنفيذ الطرح في ظل فتور سوق الطروحات الأولية حاليا في المنطقة". وأضاف أن "تقليص الحصة المطروحة إلى 20% يقلل من الحجم الإجمالي للطرح، مما يسهل استيعابه عند بدء التداول في السوق الثانوية".
ويرى أنصاري أن التوزيعات النقدية المقررة ستعزز جاذبية الطرح وتدعم الإقبال عليه في السوق. ويتوقع أن يحظى الطرح بترحيب قوي مدعوما بالأساس بصناديق الدخل المؤسسية المحلية والإقليمية، إلى جانب مشاركة قوية من المستثمرين الأفراد المحليين. ويوضح أن "التوزيعات النقدية توفر حدا أدنى للعائد للمستثمرين المحتملين وتجذب المؤسسات التي تركز على الدخل". ويضيف: "مع ذلك، وفي ظل الاتجاه الحالي للسوق، ستكون هناك منافسة من الشركات القائمة التي تقدم توزيعات جذابة".
كما أن غياب البدائل يصب في صالح الطرح أيضا؛ إذ يشير أنصاري إلى أن "قلة الطروحات الأولية في المنطقة من شأنها أن تعود بالنفع على طرح مجمع دبي للاستثمار، غير أن البيئة الجيوسياسية الحالية ستترك أثرا لا محالة، لا سيما على إقبال المستثمرين المؤسسيين الدوليين".
معيار النجاح: يتفق كل من أنصاري وفاليشا على أن تغطية الاكتتاب بمعدل يتراوح بين 10 و15 مرة سيكون مؤشرا قويا على نجاحه، لأن ذلك سيعكس "طلبا مؤسسيا منضبطا بدلا من موجات المضاربة التي دفعت معدلات تغطية الاكتتاب إلى أكثر من 20 مرة في دورات سابقة" على حد وصف فاليشا. ورغم ذلك، يرى فاليشا أن الاحتمال الأقرب هو ارتفاع السهم بين 4% و10% عند بدء التداول.
تدفقات نقدية متكررة وعقود طويلة الأجل تعزز جاذبية الطرح
يتمتع مجمع دبي للاستثمار بمقومات جذب قوية؛ إذ يرى فاليشا أن "نموذج تأجير الأراضي، بهامش أرباح معدل يبلغ 72% قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، ومعدل تحويل نقدي يصل إلى 97%، يوفر تدفقات نقدية متكررة قادرة على جذب المستثمرين الباحثين عن دخل مستقر مع إمكانية ارتفاع قيمة رأس المال".
شركة "دي آي بي هولدينغ" تدر إيرادات إيجارية ثابتة: يقع المجمع على شارع الشيخ محمد بن زايد بالقرب من مطار آل مكتوم الدولي وميناء جبل علي، ويضم نحو 1,300 قطعة أرض. ويخدم المجمع قرابة 1000 مستأجر، ويدعم نحو 5,700 عقد تأجير من الباطن، ويقطنه أكثر من 150 ألف ساكن، مع وصول نسبة الإشغال إلى حوالي 99% حتى 30 يونيو الماضي. وتمتد معظم عقود الإيجار إلى 30 عاما أو أكثر، بمتوسط فترة متبقية تبلغ 19 عاما تقريبا، وتُعدل الإيجارات وفقا لأسعار السوق كل 5 سنوات. كما يتحمل المستأجرون تكلفة تشييد المباني ويتملكونها، وقد استثمروا فيها أكثر من 42 مليار درهم على مر السنين.
والنمو أسرع مما توحي به الأرقام الأولية؛ فعلى أساس المقارنة بالمثل، وباستبعاد الأصول التي باعها المجمع في عام 2025 عند تحويل بعض عقود الإيجار، ارتفعت الإيرادات بنسبة 7% على أساس سنوي لتصل إلى 492 مليون درهم في النصف الأول من عام 2026. وصعدت الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بنسبة 9% لتبلغ 355 مليون درهم، بهامش 72%، في حين ارتفع صافي الأرباح إلى 444 مليون درهم مقابل 418 مليون درهم. أما من دون استبعاد أثر تلك الأصول، فلا يتجاوز نمو الإيرادات نحو 2%.
تحديات السوق
يمثل هذا الطرح أول اختبار حقيقي لمدى إقبال المستثمرين على الإدراجات الإماراتية منذ أن تسببت الحرب في تجميد خطط الإدراج؛ فقد أرجأت دبي القابضة خطط إدراج أصول قطاع التجزئة التابع لها، وأجلت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم طرحها العام الأولي إلى العام المقبل على أقل تقدير، كما ألغت مجموعة الحبتور خطط إدراجها في سوق دبي المالي في وقت سابق من هذا العام. ولم تتجاوز أحجام الطروحات العامة الأولية في الخليج 1.1 مليار دولار منذ بداية العام وحتى منتصف سبتمبر، لتتراجع بذلك أمام منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى للمرة الأولى. وإذا تحقق التقييم الذي تستهدفه الإدارة، فإن قيمة طرح مجمع دبي للاستثمار وحدها ستتجاوز نصف إجمالي ما جمعته أسواق الخليج طوال العام وحتى منتصف سبتمبر.
لكن أسهم دبي استعادت جانبا كبيرا من خسائر الحرب، والعقارات تتصدر التعافي. إذ ارتفع المؤشر العام لسوق دبي المالي بنسبة 2.1% في سبتمبر الماضي، محققا أفضل مكاسب شهرية بين أسواق الخليج، مع تضاعف حجم التداول تقريبا ليصل إلى 6.7 مليار سهم. وسجل قطاع العقارات نموا بنسبة 5.7%، وقطاع الاتصالات بنسبة 6.9%. وكانت أسواق الأسهم الإماراتية الوحيدة في الخليج التي أنهت شهر سبتمبر على ارتفاع، في حين تراجع مؤشر "إم إس سي آي" لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 3.5% مسجلا أسوأ أداء شهري له منذ نوفمبر 2025.
ويبدو المشهد الآن مختلفا تماما عما كان عليه في مارس؛ حين تكبد سوق دبي المالي خسائر بلغت 16.4% مع اندلاع الحرب الإقليمية، لكنه حقق مكاسب بنحو 9.7% منذ جلسته الختامية في نهاية ذلك الشهر، رغم أنه ما زال متراجعا بنسبة 3.2% منذ بداية العام. أما مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية فواصل الصعود لأربعة أشهر متتالية، لكنه ما زال متراجعا 2.1% منذ بداية العام، فيما ارتفع مؤشر العقارات 6.3% في سبتمبر
مستقبل السوق
تقع ضغوط كبيرة على عاتق مجمع دبي للاستثمار. ويوضح فاليشا أن "نجاح الإدراج سيعزز الثقة في سوق الطروحات الأولية بدولة الإمارات، ويمهد الطريق أمام شركات أخرى لدخول السوق"، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن ضعف أداء السهم في أولى جلسات التداول قد يؤدي إلى زيادة حذر السوق تجاه الطروحات التالية. ويضيف أن "تداول السهم دون سعر الطرح خلال الأسابيع الأولى سيرسل رسالة واضحة [للشركات الأخرى] بأن المستثمرين ما زالوا يترقبون خصومات".
ويتفق أنصاري مع هذا الرأي، قائلا إن "الأداء الضعيف عند بدء التداول سيدفع الشركات المنتظرة في طابور الطروحات إما إلى القبول بتقييمات أقل أو تأجيل جداولها الزمنية". ويضيف فاليشا أن الشركات قد تعتمد بدرجة أكبر على المستثمرين الرئيسيين، وأن جمع التمويلات قد يتحول نحو بيع أسهم جديدة في الشركات المدرجة بالفعل، وهو اتجاه أشرنا إليه الشهر الماضي.
ومع ذلك، يرى فاليشا أن أداء طرح واحد لن يكون حاسما لأداء السوق. ويوضح أن "التاريخ يثبت أن تعثر طرح واحد نادرا ما يتسبب بمفرده في إغلاق نافذة الاكتتابات"، مستشهدا بالطرح القوي لشركة طلبات، الذي أعقب أداء ضعيفا لطرح لولو في عام 2024. لكنه يقر بأن ذلك قد يصعب مهمة الشركة التالية التي تسعى إلى طرح أسهمها.
وعلى أي حال، من المرجح بقوة أن يكون طرح مجمع دبي للاستثمار هو الطرح الأولي الوحيد هذا العام. ويصف أنصاري الطرح بأنه "جرى ترتيبه بعناية كبيرة للحد من المخاطر، لاجتياز الفترة الصعبة التي تمر بها السوق". ويضيف: "نتوقع أن ينتعش النشاط في عام 2027 بدلا من العام الحالي"، معتبرا الاستقرار الإقليمي شرطا أساسيا لحدوث ذلك.
المستشارون: يتولى سيتي بنك وشركة الإمارات دبي الوطني كابيتال وبنك "إتش إس بي سي" دور المنسقين العالميين المشتركين، في حين يتكفل بنك أبوظبي التجاري وأرقام كابيتال وبنك دبي الإسلامي، و"إي إف جي هيرميس الإمارات" بدور مديري سجل الاكتتاب. ويضطلع بنك الإمارات دبي الوطني بالدور الرئيسي في تلقي طلبات الاكتتاب، إلى جانب بنك أبوظبي التجاري ومصرف أبوظبي الإسلامي وبنك دبي الإسلامي والإمارات الإسلامي وبنك أبوظبي الأول وبنك ويو. كما تتولى شركة المال كابيتال مهام المستشار المالي، فيما تعمل الإمارات دبي الوطني كابيتال أيضا مستشارا للإدراج.