Posted inالخبر الأبرز اليوم

فيتش تتوقع انكماش الاقتصاد غير النفطي للإمارات بنسبة 3.7% في 2026 قبل أن يتعافى العام المقبل

اضطرابات مضيق هرمز تضر بالمزايا اللوجستية والسياحية وتوافر الكفاءات التي يرتكز عليها نموذج النمو الإماراتي

تضع الحرب الحالية أسس نموذج النمو غير النفطي لدولة الإمارات على المحك، وفقا لوكالة فيتش. إذ يرتكز هذا النموذج على دور الدولة كمركز محوري يربط بين آسيا وأوروبا، وبيئتها التشغيلية المرنة، وقدرتها على جذب الشركات الأجنبية والعمالة الوافدة والسياح. وصحيح أن وكالة التصنيف الائتماني أوضحت في تقرير خاص أن الحرب لم تلحق سوى ضرر مؤقت ببعض هذه المزايا، لكن استمرار حالة الضبابية الإقليمي لفترة أطول قد يقوض مزايا أخرى، مثل التفوق اللوجستي للإمارات، وسُمعتها كوجهة آمنة للأعمال والأنشطة المالية والسياحة.

ومن المرجح أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 3.7% بالقيمة الحقيقية خلال عام 2026، قبل أن يحقق نموا بنسبة 6.1% في 2027 و4.3% في 2028، وفقا لتقرير فيتش عن نموذج النمو غير النفطي للإمارات الذي اطلعت عليه نشرة إنتربرايز الصباحية. ورغم هذا الانكماش، سيبقى الاقتصاد غير النفطي في 2027 أكبر بنسبة 2.2% مما كان عليه في 2025، إلا أن معدلات النمو ستظل أقل بكثير من المتوسط البالغ 7.4% المسجل بين عامي 2022 و2025. وتستند هذه التوقعات إلى افتراض انكماش التعداد السكاني بنسبة 1% هذا العام، ليعود للنمو بنسبة 2% في 2027 و3% في 2028، مقارنة بمتوسط نمو بلغ 4.8% خلال السنوات الأربع الماضية.

ينذر ذلك بتسجيل أداء أضعف بكثير في النصف الثاني من العام الحالي، بعدما نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 1.8% فقط في النصف الأول، وفقا للبيانات الأولية الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء في عطلة نهاية الأسبوع. ويشمل ذلك تسجيل انكماش بنسبة 1.1% في الربع الثاني، علما بأنه أول ربع يمر بالكامل في ظل الحرب. ولتتحقق توقعات فيتش للعام بأكمله، من المفترض أن يتراجع الناتج غير النفطي بنحو 9% على أساس سنوي خلال النصف الثاني، وفقا لحساباتنا التقريبية، وهو تراجع أشد بكثير من أي مؤشرات ظهرت في البيانات حتى الآن.

القطاع اللوجستي هو الأكثر عرضة للخطر: تمر حوالي 80% من تجارة الإمارات عبر موانئها الواقعة داخل المضيق، علما بأن ميناء جبل علي وحده يشهد مرور نصف حركة التجارة. وقد تراجع متوسط حركة السفن اليومية في ميناء جبل علي من 24 سفينة خلال شهري يناير وفبراير إلى 3.7 سفينة منذ بدء الحرب. وحتى ميناء الفجيرة، الواقع خارج المضيق، شهد تراجعا في حركة السفن من 10 سفن إلى 3.2 سفينة في ظل الهجمات الإيرانية. ولا تتوقع وكالة فيتش أن تغادر الشركات العاملة بالفعل في الإمارات، بل ترجح أن توازن الشركات الصناعية والتجارية العالمية بين مخاطر إغلاق مضيق هرمز مجددا وجودة البنية التحتية والبيئة الاستثمارية في الإمارات، وأن تعزف عن ضخ استثمارات جديدة.

وفي غضون ذلك، تشتد المنافسة من دول الخليج المجاورة. تقع موانئ عُمان خارج المضيق ولم تتأثر تقريبا بالهجمات الإيرانية. كذلك حولت السعودية مسار تجارتها إلى ساحلها المطل على البحر الأحمر، رغم ما يحمله هذا المسار من مخاطر عند مضيق باب المندب، كما أن مراكزها الصناعية والمالية في المنطقة الشرقية ومحيط الرياض كانت أقل تضررا (رغم تغير هذا الوضع مع وصول هجمات الحوثيين إلى عمق العاصمة). وتكثف الرياض إنفاقها لتوطين القدرات التي تستمدها حاليا من الإمارات، مستعينة بحوافز لتشجيع الشركات على تأسيس مقرات فعلية لها داخل المملكة. كما تواجه الإمارات منافسة من خارج المنطقة أيضا؛ فربما تجتذب إسطنبول وهونغ كونغ وسنغافورة الأعمال غير المرتبطة بموقع جغرافي. وصحيح أن فيتش ترى أن شبكات الأعمال الراسخة في الإمارات ستظل الخيار الأرخص والأكفأ، لكن ذلك لن يمنع خروج بعض الأعمال التجارية إلى وجهات أخرى.

العنصر البشري يمثل نقطة الضغط الأكبر: يشكل الوافدون 88% من سكان الإمارات، وغالبا ما تكون الكفاءات الأجنبية أكثر استعدادا للانتقال عند الشعور بالخطر. وقد تتجه الشركات إلى تقليص عدد موظفيها في الإمارات، لا سيما في الوظائف التي يمكن إنجازها من أماكن أخرى. وسيكون قطاعا الخدمات المالية والمهنية، اللذان يمثلان معا نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، الأكثر تضررا حال مغادرة الشركات والعمالة الأجنبية. كما أن انخفاض التعداد السكاني سيلقي بظلاله على قطاع العقارات، الذي يشكل 8% من الناتج غير النفطي، في وقت سيشهد فيه السوق طرح وحدات جديدة قريبا. كما تواجه السياحة ضغوطا أيضا؛ إذ تتوقع فيتش أن تنخفض عائدات السياحة بنسبة 40% خلال العام الجاري، وألا تعود إلى مستويات عام 2025 قبل عام 2028.

لماذا ما زالت فيتش تثق في النموذج الإماراتي إذن؟ يرجح السيناريو الأساسي للوكالة أن تحتفظ الإمارات بميزتها التنافسية، مع تلاشي الأضرار التي لحقت بسمعتها كوجهة آمنة في غضون عامين. ويفترض هذا السيناريو التوصل إلى اتفاق دائم لإعادة فتح مضيق هرمز بحلول الربع الأول من العام القادم. كما أن سجل الإمارات الحافل بالتعافي من صدمات سابقة، مثل أزمة ديون دبي في عامي 2008 و2009 وجائحة كوفيد-19، إلى جانب السوابق التي تشهد عودة الشركات والكفاءات إلى المراكز المالية الكبرى بعد نزوح بدا بلا رجعة، على غرار ما يحدث في هونغ كونغ منذ عام 2024، كلها عوامل تبشر بتعافي اقتصاد البلاد في ظل ما لديها من مقومات قوية.

كذلك تتوقع الوكالة أن تطرح الحكومة المزيد من التدابير المحفزة للشركات، بدعم من زيادة الإنفاق السيادي وإنفاق الكيانات المرتبطة بالحكومة، مع توقعات بقفزة في إنفاق أبوظبي بنسبة 19% هذا العام. ومن المتوقع أن يسهم قطاع النفط بالدور الأكبر في دعم نمو إجمالي الناتج المحلي. وفي المجمل، ترجح فيتش نمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة 0.9% خلال العام الحالي، ثم 8.5% في 2027 مع إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل والسماح للإمارات بزيادة إنتاجها بمتوسط 4.2 مليون برميل يوميا، إثر خروجها من تحالف أوبك بلس.