سلطت الحرب الضوء على جهود الإمارات لتوطين الصناعات الدفاعية. إذ زادت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ من اهتمام الدولة بكلفة التصدي لها، فيما توالت اتفاقيات التصنيع الجديدة التي أبرمتها مجموعة إيدج الحكومية. ورغم ذلك، توجه الشركة أغلب مبيعاتها إلى الخارج؛ إذ تشكل الصادرات 76% من إجمالي مبيعاتها، فيما يصل حجم الطلبيات الدولية المتراكمة إلى 21 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، لا تزال الإمارات تستورد الجزء الأكبر من عتادها العسكري الأكثر تطورا.
وعلى عكس ما قد يبدو، فهذان ليسا اتجاهين متعاكسين؛ إذ تتيح الصادرات والحصص المملوكة في شركات أجنبية لمجموعة إيدج توسيع إنتاجها والحصول على التكنولوجيا اللازمة لتوطين المزيد، في حين تغطي الواردات الاحتياجات التي لم تتمكن المجموعة من سدها بعد، والتي زادت الحاجة إلى تلبيتها بعد اندلاع الحرب.
الإمارات بين كبار مستوردي الأسلحة.. لكن بوتيرة أقل
لا تزال الإمارات واحدة من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم. إذ حلت في المرتبة الحادية عشر عالميا خلال الفترة 2021-2025، لتحوز 2.7% من واردات الأسلحة العالمية، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. وعلى الصعيد الإقليمي، جاءت الإمارات في المرتبة الرابعة بعد السعودية وقطر والكويت.
غير أن مشترياتها تراجعت عما كانت عليه في السابق؛ إذ انخفضت واردات الأسلحة الإماراتية بنسبة 15% خلال الفترة 2021-2025 مقارنة بالفترة 2016-2020، بحسب المعهد، الذي يقيس حجم التسليمات وليس قيمتها بالدولار. ويأتي ذلك الانخفاض امتدادا لتوجه بدأ منذ سنوات، حين كانت الإمارات ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم. وكذلك، تراجعت الإمارات من المرتبة الثالثة إلى التاسعة بين أكبر مستوردي الأسلحة الأمريكية خلال الفترة 2017-2021. وبشكل عام، شهدت البلاد انخفاضا بنسبة 40% في واردات الأسلحة خلال السنوات العشر التي سبقت عام 2025. وتجدر الإشارة إلى أن أيا من هذه البيانات لا يشمل الفترة التي تلت اندلاع الحرب.
وهناك بُعد مهم يتعلق بالمرونة في هذا السياق؛ إذ صرح لنشرتنا مالكولم لاين، مدير استشارات الدفاع والأمن القومي في إرنست آند يونغ، بأن "التحول الأكبر هو أن الإمارات باتت تشتري وتصنع معدات تغطي نطاقا أوسع بكثير من القدرات العسكرية مقارنة بالسابق"، موضحا أن "هذا يقلل اعتمادها على أي مورد أو دولة بعينها، ويجعل البلاد أكثر مرونة".
ماذا تشتري الإمارات ومن أين؟
شكلت الصواريخ الحصة الأكبر من الواردات بين عامي 2021 و2025، تلتها الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي. ووفرت الولايات المتحدة 42% من واردات الأسلحة الإماراتية خلال تلك الفترة، تلتها فرنسا بنسبة 18%، ثم كوريا الجنوبية بنسبة 10%. وبحسب زين حسين، المحلل في معهد ستوكهولم، تعتمد الإمارات بشكل خاص على الولايات المتحدة في شراء المروحيات القتالية وعلى كوريا الجنوبية في أنظمة صواريخ الأرض-جو، بينما تعد فرنسا موردا رئيسيا للطائرات القتالية.
وتواصل الإمارات تعميق علاقاتها الدفاعية مع الدول الثلاث؛ التي أكدت التزامها باستمرار التعاون مع الدولة. فقد أبرمت الإمارات اتفاقية تعاون دفاعي بقيمة 35 مليار دولار مع كوريا الجنوبية، فيما أسست مجموعة إيدج فرعا لها في باريس، إلى جانب حفاظها على علاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة منذ عدة سنوات.
الفجوة التي كشفتها الحرب
يتمثل الجزء الأكبر من واردات الإمارات في معدات لا تستطيع تصنيعها محليا حتى الآن. فهي قادرة على بناء أنظمة قصيرة المدى مثل نظام سكاي نايت الذي تنتجه إيدج، ويمكنه اعتراض صواريخ كروز على مسافة تصل إلى 10 كيلومترات، لكنها ما زالت تعتمد على الأنظمة المستوردة للدفاع الجوي متوسط وطويل المدى، مثل منظومة باتريوت وثاد الأمريكية، وإم سام الكورية الجنوبية.
لكن الحرب أعادت ترتيب أولويات مشتريات الإمارات العسكرية؛ إذ أصبح اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة في صدارة الاهتمام، ليتحول التركيز من شراء المعدات مثل المروحيات القتالية إلى أنظمة الدفاع الجوي. ووافقت الولايات المتحدة مؤخرا على صفقة محتملة بقيمة 1.04 مليار دولار لتزويد الإمارات بمعدات تحول الصواريخ الرخيصة غير الموجهة إلى ذخائر موجهة قادرة على إسقاط الطائرات المسيرة.
توطين الصناعة والتوسع في التصدير
تأسست مجموعة إيدج في عام 2019 لدمج وتوحيد الصناعات الدفاعية الإماراتية، وضمت كيانات منها شركة الإمارات للصناعات العسكرية ومجلس التوازن. وذكرت لوسي بيرو سودرو من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن مهمة إيدج تمثلت في تسريع طرح التكنولوجيا الدفاعية في الأسواق، لا سيما الأنظمة المتقدمة.
وباتت إيدج من الأسماء البارزة في سوق تصدير الأسلحة؛ إذ تشير إلى أن محفظة منتجاتها نمت بنسبة 550% في سنواتها الخمس الأولى، وأنها تعمل الآن في 91 دولة عبر شبكة تضم 25 شركة تابعة، وعبر قائمة متنامية من المشاريع المشتركة الدولية. واحتلت الشركة المرتبة الثانية والعشرين في قائمة معهد ستوكهولم لأكبر الشركات المنتجة للأسلحة في العالم في عام 2019، بمبيعات بلغت 4.75 مليار دولار، علما بأن الشركة كانت قد رجحت أن تتضاعف قيمة عقودها الدفاعية في 2025 على الأقل، بعدما بلغت 2.3 مليار دولار في 2024.
أما عن شركاتها التابعة، فيوضح لاين أن "هذا الهيكل يتيح لمجموعة إيدج إبرام شراكات وتأسيس مشاريع مشتركة دون إعادة هيكلة المجموعة بأكملها، لتتمكن من التوسع بوتيرة أسرع لاقتناص الطلبات". ويضيف أن ذلك يسهل أيضا التعاون مع الشركات الأجنبية، التي تتعامل مع الشركة التابعة مباشرة بدلا من المجموعة ككل.
وتحقق هذه الشركات أرباحا بصفتها كيانات مستقلة. فرغم أن إيرادات التصدير تتوزع على مختلف القطاعات داخل المجموعة، تظل المنصات والأنظمة المساهم الأكبر كونها برامج ذات قيمة عالية، بحسب ما قاله لاين لنشرتنا. ولكنه أضاف أنه "مع توسع المجالات الأحدث على المستوى الدولي، من المتوقع أن تقل التباين في توزيع الإيرادات على مستوى المجموعة".
التصدير والتوطين يكمل أحدهما الآخر
تورد الشركات الأجنبية التابعة لإيدج منتجاتها بالفعل إلى الإمارات. وتمتلك المجموعة 52% من شركة أنافيا السويسرية المتخصصة في تصنيع أنظمة الإقلاع والهبوط العمودي، والتي وافقت في عام 2024 على توريد 200 مروحية مسيرة لوزارة الدفاع الإماراتية. ووقعت شركة ميلريم روبوتيكس الإستونية، التي تمتلك إيدج نصف أسهمها، عقدا في العام ذاته لتوريد 60 مركبة برية مسيرة للوزارة. كذلك تستهدف مشاريع مجموعة إيدج المشتركة عملاء داخل الإمارات وعلى مستوى العالم، بما في ذلك مشروعها مع ليوناردو الإيطالية لأجهزة الاستشعار المتقدمة، و"4 آي جي" المجرية للأنظمة غير الفتاكة، ومجموعة "إي إم آند إي" الإسبانية لأنظمة الأسلحة التي يجري التحكم فيها عن بعد.
ورغم ذلك، يشير لاين إلى أنه في الوقت الحالي "لا يصل إلى الإمارات مباشرة سوى جزء ضئيل جدا من هذه المنتجات". إذ أن أغلب الصادرات تصل إلى العملاء من خلال الشركاء المحليين والمشاريع المشتركة في الدول المستوردة، لكن هذه الشراكات يمكن أن تدعم سلاسل التوريد المتبادلة بمرور الوقت..
ويتعلق الأمر أيضا بحجم الإنتاج. إذ تسعى الإمارات إلى خفض تكلفة التصنيع الدفاعي عبر التوسع في الإنتاج، وفقا لما كتبته بيرو سودرو. ويتيح التصدير توزيع التكاليف الثابتة على عدد أكبر من الوحدات المنتجة، فتقل تكلفة الوحدة وتتوفر سيولة مالية لإعادة استثمارها. وبذلك تدعم الصادرات الصناعة الدفاعية المحلية ولا تعد منفصلة عنها. وتدعم الاستثمارات في الشركات الأجنبية هذه الجهود أيضا، إذ "تسهل نقل التكنولوجيا" إلى الإمارات، بحسب بيرو سودرو.
ويوضح لاين أن "الصادرات تساعد في تحقيق الاستدامة الاقتصادية لجهود التوطين"، مضيفا أن "طلبات التصدير تمنح خطوط الإنتاج المحلية حجم الأعمال اللازم لاستمرار جدواها، وتحافظ على توظيف الفرق الماهرة، وتوزع التكاليف الثابتة على إنتاج أكبر".
ملامح المرحلة المقبلة
تشير إيدج إلى أن 80% من أنظمتها تُصنع في الإمارات، لكنها أكدت أيضا أن توسيع شراكاتها الدولية ضروري لتعزيز القدرات الدفاعية للدولة. وفي رأينا، يبدو أن الصادرات ستلعب دورا مزدوجا، يتمثل في توسيع البصمة الخارجية للمجموعة، بالتزامن مع توليد إيرادات تساعد في تمويل الواردات اللازمة لسد الفجوات المتبقية.
ويرى لاين أنه "مع وصول المعدات القديمة إلى نهاية عمرها التشغيلي، من المرجح أن يُصنع المزيد من بدائلها محليا". مضيفا أن "الإمارات تتوسع في تطوير وإنتاج أنظمة أحدث وأكثر تخصصا، مثل الطائرات المسيرة وأنظمة الاعتراض، التي باتت تشكل حصة متزايدة من منتجاتها الموجهة للتصدير".
لكن تلبية الاحتياجات المحلية والتصدير يتطلبان تحقيق التوازن، بحسب لاين، الذي يرى أنه يمكن إدارة ذلك من خلال وضع قواعد لتحديد الأولويات، وزيادة القدرة الإنتاجية، وتنويع قاعدة الموردين مع تعزيز الاعتماد على الموردين المحليين.
وعلى الأمد القريب، تظل الأولوية لمواجهة التهديدات القائمة، عبر تعزيز قدرة الإمارات على اعتراض أي هجمات مستقبلية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وحماية البنية التحتية الحيوية مثل الموانئ ومنشآت النفط والغاز ومراكز البيانات، والتي استُهدفت جميعا خلال الصراع الأخير.