Posted inالخبر الأبرز اليوم

التصنيع في الهند والتجهيز في الإمارات والتوطين في السعودية: الخطة الجديدة لأعمال الشركات الهندية في الخليج

تتبنى الشركات الهندية نموذجا لأعمالها في الخليج يجمع بين الاستفادة من توطين الأنشطة في السعودية ودور الإمارات المحوري في التجارة العالمية

لطالما اعتبرت المجموعات الهندية العملاقة دولة الإمارات مجرد محطة عبور للتجارة والتمويل وإعادة التصدير، لكنها بدأت تتحول اليوم إلى قاعدة متكاملة لعملياتها. يعود ذلك إلى دورها في استكمال تجهيز المنتجات وتعديلها لتلائم احتياجات الأسواق وإيصالها إلى العملاء، أكثر من كونها مركزا لتصنيع المنتجات بالأساس. إذ تختار الشركات موقع كل مرحلة من مراحل سلاسل القيمة بحسب جدواها الاقتصادية، وباتت الإمارات بالنسبة لها الوجهة المفضلة لتنفيذ الأعمال اللوجستية والأنشطة المرتبطة مباشرة بالعملاء، حتى لو ظل التصنيع نفسه في الهند أو انتقل إلى السعودية.

ومن الأمثلة الجلية على هذا التوجه شركة أبار إندستريز في مومباي، والتي تعد أكبر مصنع لزيوت المحولات في الهند. أنشأت الشركة مصنعا بمساحة 30 ألف متر مربع في المنطقة الحرة بالحمرية في الشارقة، لتنفيذ عمليات خلط الزيوت وتخزينها وتسليمها محليا، بهدف دعم مبيعاتها السنوية التي تتجاوز 100 ألف طن متري، وحصتها التي تبلغ وفقا للتقارير نحو 70% من سوق زيوت المحولات في دول الخليج. لكن خطوتها التالية لم تتضمن زيادة قدراتها التكريرية في الإمارات؛ إذ عقدت الشركة في يونيو شراكة مع شركة لوبريف التابعة لأرامكو السعودية في ينبع، للحصول على المواد الخام اللازمة للإنتاج، فيما تتولى شركتها التابعة في الإمارات تجهيز المنتجات بما يلبي احتياجات أسواق المنطقة وبيعها. وبالتالي لم تنقل شركة أبار عملياتها بالكامل إلى الإمارات، كما أنها لا تخطط لنقلها إلى السعودية كذلك، بل وزعت مراحل سلسلة القيمة على البلدين، مستفيدة من البنية التحتية النفطية السعودية لتأمين المواد الخام، والإبقاء على عمليات الخلط وتخصيص المنتجات والتوزيع في جميع أنحاء الخليج داخل الإمارات.

الإمارات تختصر المسافة بين المصانع الهندية وأسواق المنطقة

لا تعد الإمارات بالضرورة الموقع الأقل تكلفة للتصنيع؛ فما زالت الهند تمتلك الأفضلية في التصنيع واسع النطاق والعمالة وشبكات الموردين، حسبما أخبرتنا سامريدهي فيج، الزميلة المشاركة المتخصصة في الجغرافيا السياسية بمؤسسة أوبزرفر للأبحاث في الشرق الأوسط. وتضيف فيج أن الميزة التنافسية للإمارات تكمن في "تسهيل وصول المنتجات من المصانع إلى العملاء"، عبر الموانئ والبنية التحتية الجمركية والمناطق الحرة الصناعية والربط الدولي، فميناء جبل علي وحده يوفر خطوطا تجارية مباشرة نحو أكثر من 150 ميناء حول العالم.

وتشير فيج إلى أن "نموذج التكامل بين الهند والإمارات يكتسب حاليا زخما متزايدا"، موضحة أنه "يجمع بين قدرات التصنيع الضخمة في الهند، ودور الإمارات في تجهيز السلع لخدمة المستهلكين في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بالمعالجة النهائية والتخصيص والتخزين".

وتميل كفة الجدوى الاقتصادية لصالح العمليات في الإمارات بفضل سرعة التسليم وقلة متطلبات التخزين، حتى وإن لم تكن تكاليف الإنتاج نفسها أقل، وفقا لما يراه أبهيجيت موكوبادياي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة تشينتان للأبحاث. وأضاف ساهيتيا تشاتورفيدي، الأمين العام لمجلس الأعمال والمهنيين الهنود في دبي، في تصريحات لنشرة إنتربرايز أن الهند توفر القدرة على الإنتاج بكميات كبيرة وعبر قاعدة صناعية واسعة، بينما تتيح الإمارات "تسهيلات أكبر بكثير" فيما يتعلق بالقرب من العملاء والخدمات اللوجستية والبنية التحتية المالية.

وهذا هو التوجه الذي لاحظناه؛ فالعلامة التجارية الهندية "آي دي فريش فود"، التي تستعد لطرح عام أولي بقيمة مليار دولار العام المقبل، تدير منشأة لتجهيز الأغذية في عجمان، بينما تتواجد قاعدة تصنيعها في الهند، وتخطط لإنشاء مصنع ثان في الشارقة. كما وقعت شركة "جيه إس دبليو سيمنت" اتفاقية لإنشاء وحدة لطحن الأسمنت بقيمة 39 مليون دولار في الفجيرة الشهر الماضي، لتلبية الطلب الإقليمي على مواد البناء.

ولفت موكوبادياي إلى أن "أزمة مضيق هرمز سرعت [أيضا] من وتيرة توسع الشركات الهندية" في عملياتها بالإمارات. مشيرا إلى أن القطاع الخاص الهندي يحتاج اليوم إلى الإمارات للوصول إلى الأسواق الإقليمية، وتنفيذ عمليات تشمل التخزين وتخصيص المنتجات واختبارها وخدمات ما بعد البيع وإدارة المشاريع، إلى جانب بعض عمليات التصنيع.

مساعي التوطين السعودية تجذب الشركات في الاتجاه المعاكس

هذه الحسبة نفسها لتكاليف الشحن ترجح كفة التصنيع المحلي مع اتساع الأسواق وزيادة الطلب. فشركة "آي دي فريش"، التي تتخذ من عجمان قاعدة لتصنيع منتجاتها في الخليج، تبني الآن مصنعا ثانيا في الرياض، وتنوي التوسع لاحقا في الكويت والبحرين. وقال بي سي مصطفى، الرئيس التنفيذي العالمي للشركة، في تصريحات سابقة لنشرة إنتربرايز الصباحية: "عندما يصل حجم الأعمال إلى مستوى كافٍ، يصبح التصنيع المحلي أكثر جدوى، إذ يمكنك توفير تكاليف النقل والتخزين أيضا"، مشيرا إلى أن حجم السوق السعودية يبلغ 3-4 أمثال حجم نظيرتها الإماراتية، بحسب تقديراته. ولا يعد هذا تراجعا عن خطط الشركة في الإمارات، إذ تظل عجمان قاعدة التصنيع الأساسية، ولا تزال خطة التوسع في الشارقة مستمرة، بل يعكس ذلك المبدأ نفسه القائم على "اختيار موقع كل نشاط بحسب جدواه الاقتصادية"، وهو ما ينطبق على سوق ضخمة مثل السوق السعودية، التي يبرر حجمها إنشاء مصنع لتلبية احتياجاتها، بدلا من توريد المنتجات إليها من دولة مجاورة.

ولا تقتصر جاذبية السعودية على التصنيع وحده. وعن ذلك تقول فيج: "قد تجذب جهود التوطين السعودية بعض الصناعات الهندية إلى المملكة، خاصة عندما يكون العميل هو أرامكو السعودية، أو إحدى الوزارات، أو أحد برامج البنية التحتية الكبرى في المملكة". وتميل المنشآت الإماراتية إلى خدمة أسواق الخليج وأفريقيا وآسيا عموما، بينما تخدم المنشآت السعودية الطلب المحلي. وترى فيج أن "اختيار الموقع الأمثل مرتبط بالجدوى الاقتصادية لمراحل سلسلة القيمة، وليس الحدود الوطنية"؛ فالجبيل هي الخيار الأنسب لإنتاج المواد البتروكيماوية التي تعتمد على الخامات السعودية، بينما تتمتع الإمارات بأفضلية في إنتاج الآلات والمعدات الكهربائية الموجهة لأسواق متعددة في الخليج وأفريقيا.

وتوضح شركة فاتيك واباج أن هذه الجاذبية تمتد أيضا إلى الأعمال الهندسية والخدمات. فشركة تكنولوجيا المياه الواقع مقرها في تشيناي، وتدير فرعا في المنطقة الحرة بمطار دبي، وتنفذ مشاريع في عجمان وينبع والبحرين والكويت، اختارت الرياض لتكون مركزها الإقليمي بدلا من الإمارات، حسبما يخبرنا روهان ميتال، رئيس الاستراتيجية ونمو الأعمال لدول الخليج في الشركة. وأوضح أن هذه الخطوة تأتي ضمن "استراتيجية الشركة لتوطين قدراتها وخدماتها تدريجيا في دول الخليج".

ويلعب حجم السوق دورا هنا أيضا. فمن بين 5 مشاريع قال ميتال إن الشركة فازت بها، يقع 3 منها في السعودية: محطة تحلية مياه بطاقة 300 مليون لتر يوميا في ينبع، ومنشأة لمعالجة المياه قليلة الملوحة بطاقة 50 مليون لتر يوميا في الجوف، ومحطة حدة لمعالجة مياه الصرف الصحي، وذلك مقابل مشروع واحد في كل من الإمارات والكويت. وأضاف ميتال: "ستظل السعودية السوق الأكبر التي نركز عليها، بدعم من رؤية 2030 وبرنامجها للاستثمار في المياه الذي يعد من أكثر البرامج طموحا في العالم".

التواجد في السوق لا يعني بالضرورة إنشاء المصانع

يمكن أن تتكامل عمليات الشركات في السعودية والإمارات بحيث يؤدي كل منها دورا مختلفا ضمن استراتيجيتها الإقليمية، وفقا لتشاتورفيدي. وترى فيج أن الإمارات لا تزال لديها أفضلية لاستضافة المقرات الإقليمية والعمليات التجارية وإدارة المخزون الموجه لعدة أسواق، بفضل موقعها الجغرافي.

عوامل تصب في صالح الإمارات: تتجمع المراكز السكانية والموانئ والمناطق الحرة في الإمارات على شريط ساحلي واحد، حيث لا تبعد مواقع ميناء جبل علي ومطارات دبي والمنطقة الحرة بمطار دبي عن بعضها البعض سوى مسافة قصيرة بالسيارة؛ في حين تزيد مساحة السعودية عن مساحة الإمارات نحو 25 مرة، ويقع مركزها التجاري والسياسي في الرياض على بعد مئات الكيلومترات من الساحلين الشرقي والغربي. بالتالي يمكن لقاعدة إقليمية لشركة في الإمارات الوصول إلى بقية دول الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا دون الحاجة إلى قطع رحلات برية طويلة، بخلاف المراكز الإقليمية الموجودة في السعودية. وهذا التقارب الجغرافي هو ما يسمح لأي منشأة إماراتية بأن تجمع بين التخزين والتجميع والتوزيع إلى عشرات الأسواق المختلفة في الوقت نفسه.

ولا يتطلب ذلك بالضرورة إنشاء مصنع. إذ يشير تشاتورفيدي إلى أنه "عندما تكون الهند هي نقطة التصدير، يثير ذلك القلق دائما بشأن تسليم المنتجات في الوقت المحدد. وحتى في ظل ظروف التشغيل العادية، قد يشكل الالتزام بمواعيد التسليم من الموانئ والمدن والموردين الهنود مصدرا للقلق". ويوضح أنه بالنسبة للمشاريع الكبيرة، يمكن أن يتسبب الشحن المباشر من الهند في حالة من عدم اليقين بشأن موعد وصول البضائع، ، مما يجعل تخزين المنتجات وتوصيلها من داخل المنطقة أكثر أهمية، وهو ما يحتاج إلى مستودعات وخدمات شحن، لا خطوط إنتاج.

التحديات

لا يضمن التواجد في الإمارات وحده القدرة على مواجهة الاضطرابات. فإنشاء المصانع هنا لا يحل مشكلة اضطرابات الشحن، وإنما ينقلها إلى مكان آخر فحسب نظرا لاعتماد المصانع على مدخلات مستوردة تأتي عبر طرق بحرية معرضة للخطر، وفقا لفيج، والتي أضافت أن المرحلة المقبلة للمصنعين الهنود ستركز بشكل أقل على زيادة السعة، وبدرجة أكبر على "الاحتفاظ بمخزونات من مدخلات الإنتاج الحيوية وعلى تنويع الموردين وتوفير موانئ بديلة وطرق برية يمكن الاعتماد عليها".

وتتحرك الإمارات بالفعل في هذا الاتجاه؛ إذ تهدف خطتها للاستغناء عن المرور عبر مضيق هرمز الذي تراجعت حركة الملاحة فيه بشدة منذ بدء الحرب الإقليمية، وذلك عبر توسيع البنية التحتية على الساحل الشرقي ومسارات النقل البري، بالإضافة إلى توسيع الموانئ الشرقية في الفجيرة وخورفكان ودبا، وبناء ميناء جديد واحد على الأقل، وزيادة الطاقة الاستيعابية لمحطات الحاويات متعددة الأغراض في الفجيرة. كما دشنت قطارات الاتحاد خط شحن مباشر يربط أبوظبي بميناء الفجيرة، فيما تهدف الطرق الجديدة إلى ربط موانئ الساحل الشرقي ضمن ممر بري موحد لا يمر بالمضيق على الإطلاق.

سيستغرق استكمال هذه البنية التحتية سنوات، لكن الأسباب التي تدفع الشركات الهندية لاختيار الإمارات في المقام الأول لا تعتمد على بقاء المضيق مفتوحا. فالقرب من العملاء، وسرعة وصول البضائع من المخازن إلى الأسواق، وسهولة التنسيق الإقليمي، هي مزايا لم تبددها جاذبية التوطين السعودية ولا اضطرابات مضيق هرمز. لذا، يرجح أن تظل الإمارات ركيزة أساسية لعمليات الشركات الصناعية الهندية في الخليج، بغض النظر عن موقع تنفيذ كل مرحلة.