في العام الماضي، كان من المتوقع أن تصبح الإمارات واحدة من كبرى الوجهات للأثرياء، بأن يتوافد إليها نحو 9800 شخص منهم للتمتع بنمط المعيشة فيها، والاستفادة من نظامها الضريبي المواتي، وتأشيراتها المرنة. ورجحت التوقعات حدوث ذلك بالأخص نتيجة نزوح الأثرياء من دول مثل المملكة المتحدة بسبب ركودها الاقتصادي المستمر منذ فترة طويلة، وزياداتها الحادة في ضرائب الأرباح الرأسمالية والمواريث، وتشديدها للقواعد المفروضة على المقيمين الأجانب وهياكل الثروات العائلية.
لكن هذا العام، ما حدث هو أن العديد من ذوي الثروات الكبيرة إما غادروا الإمارات أو يبحثون عن وجهات أخرى للإقامة على المدى الطويل، وإن لم تتضح بعد مدى استمرارية هذا النزوح. إذ صرح لنشرتنا أندرو أمويلز، رئيس قسم الأبحاث في شركة نيو وورلد ويلث، أنه "بينما كانت الإمارات الوجهة الأولى للمليونيرات المهاجرين بعد الجائحة، فإنها يُتوقع أن تشهد هذا العام نزوحا كبيرا للأثرياء".
انخفض عدد الاستفسارات حول برنامج الإقامة في الإمارات بنسبة 13% في الربع الأول من عام 2026، مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، وفقا لبيانات شاركتها مع نشرتنا شركة هينلي آند بارتنرز. وقد تواردت أنباء بالفعل عن مغادرة نحو 30 ألف مقيم بريطاني منذ بدء الحرب، فضلا عن رحيل أكثر من 52 ألف مواطن هندي عن الإمارات ومنطقة الخليج عموما في أوائل مارس. ومن الولايات المتحدة، غادر أكثر من 40 ألف مقيم منطقة الشرق الأوسط. لكن يرتبط جزء كبير من هذا النزوح بالاضطرابات الراهنة قصيرة الأجل.
هل هذا وضع مؤقت؟ صرح لنا متحدث باسم هينلي آند بارتنرز بأنه "من السابق لأوانه أن نجزم بما إذا كانت التطورات الأخيرة ستؤدي إلى أي تغييرات جذرية أو دائمة في وجهة الثروات أو أنماط التنقل". وأشار المتحدث إلى أن معظم القرارات المتعلقة بالإقامة والاستثمار تحركها عادة اعتبارات طويلة الأجل وليس الصدمات قصيرة الأجل.
وأضافت الشركة أن فترات الاضطرابات الجيوسياسية "عادة ما تدفع العائلات إلى مراجعة خطط الطوارئ"، لكن هذه المناقشات "لا تسفر بالضرورة عن قرارات انتقال فورية أو دائمة".
الحرب عامل رئيسي.. لكن هناك أسبابا أخرى
تؤثر عدة عوامل في هذه الظاهرة. العامل الواضح هو حالة الاضطراب الناجمة عن الحرب منذ بداية الشهر الماضي، وخطر تفاقم التوترات الجيوسياسية. ويقول أمويلز إن هناك عامل آخر يكمن في أن المليونيرات والمليارديرات كانوا دائما ما يرون الإمارات وجهة وسيطة، وليس وجهة إقامة طويلة الأجل.
وأضاف أمويلز أن تشديد قواعد الامتثال وارتفاع تكاليف التأشيرات الذهبية لهما دور أيضا. وأوضح أنه "لسنوات عديدة، كان الانتقال إلى الإمارات بمثابة الخيار السهل لفائقي الثراء الراغبين في الانتقال حول العالم. لكن الوضع هنا صار أكثر صرامة مع تزايد الضغوط العالمية وتكثيف التدقيق من جانب الهيئات الدولية، مما أجبر الإمارات على تشديد الضوابط والقواعد، كما ارتفعت تكاليف الدخول إلى البلاد أيضا بقدر كبير".
كما تمثل الطفرة في أسعار العقارات خلال السنوات القليلة الماضية عاملا إضافيا. فيقول أمويلز إن "أسعار الشقق في المناطق الراقية في دبي تتجاوز الآن 10 آلاف دولار للمتر المربع، مشيرا إلى أن أسعار العديد من المدن الأوروبية والأمريكية تعتبر ميسورة نسبيا بالمقارنة معها.
إلى أين سيذهب الأثرياء؟
تبرز إيطاليا كبديل مغر للأثرياء الموجودين بالإمارات والذين يعيدون النظر في خيارات الإقامة طويلة الأجل، حسبما نقلت صحيفة الغارديان عن أرماند أرتون، وهو مستشار تستعين به العائلات فائقة الثراء للتخطيط للانتقال إلى البلدان الأخرى والحصول على جنسياتها. فبموجب نظام الضريبة الثابتة بإيطاليا، يمكن للمقيمين الأجانب دفع 300 ألف يورو سنويا على الدخل المحقق في الخارج.
وقد زاد عدد الاستفسارات عن برنامج الإقامة في إيطاليا بنسبة 5% بين الربع الأخير من عام 2025 والربع الأول من عام 2026، ليحتل البرنامج الآن المرتبة التاسعة بين أكثر برامج الإقامة والجنسية رواجا على مستوى العالم وفقا لهينلي آند بارتنرز، ويتصدر المتقدمين للبرنامج أثرياء الولايات المتحدة وتركيا والهند والمملكة المتحدة والصين، وفقا لما صرحت به الشركة لنشرتنا.
كما لم يعد مشترو العقارات في إيطاليا مدفوعين فقط بالرغبة في الاستمتاع بأسلوب المعيشة هناك أو في اقتناء منزل ثان، وإنما يتخذون قراراتهم للانتقال إلى البلد بغرض الإقامة، حسبما نقلت الغارديان عن ديليتا جورغولو، التي تدير شركة سوذبيز إنترناشيونال ريالتي في مدينة ميلان.
وزاد كذلك اهتمام المغتربين الأثرياء المقيمين في دبي بالانتقال إلى سويسرا منذ اندلاع الحرب، وفقا لتقرير لصحيفة فايننشال تايمز. ويقول المسؤولون المحليون في بلدة تسوغ السويسرية إن الاهتمام بها زاد زيادة حادة، إذ أشار مدير الشؤون المالية هاينز تانلر إلى زيادة عدد الاستفسارات مع جذب البلدة لرؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار.
وتشمل الوجهات الأخرى التي يزداد اهتمام الأثرياء المقيمين في الشرق الأوسط بها كلا من لندن وموناكو وماربيا، سواء بحثا عن خيارات الإقامة قصيرة أو طويلة الأجل، وفقا لتقرير من بلومبرغ.
وبالنسبة للمملكة المتحدة، التي شهدت نزوحا هائلا في السنوات الأخيرة بالأخص إلى الإمارات، فقد تحاول استغلال الظروف المضطربة الحالية لجذب بعض مقيميها من الأثرياء للعودة. إذ ألمحت وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز إلى إمكانية تغيير القواعد الضريبية قبل رحلتها إلى الولايات المتحدة، بهدف تقليل العقبات أمام دافعي الضرائب المرتبطين بالولايات المتحدة والمتنقلين حول العالم ممن يفكرون في الانتقال إلى بريطانيا، حسبما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير منفصل. كما روجت ريفز لاستعداد بلدها "لاستقبال الأعمال".
الهدف ربما يكون زيادة الخيارات المتاحة
أشارت هينلي آند بارتنرز إلى إنها تلاحظ زيادة في تفاعل العملاء المقيمين في الإمارات ممن يرغبون في زيادة وجهات الإقامة المتاحة، وليس البحث عن وجهة بديلة تماما للإمارات. وتشير هذه التدابير إلى رغبة هؤلاء العملاء في التحلي بالمرونة على الأجل القصير، إما لقضاء بعض الوقت في مناطق أخرى أو ببساطة إيجاد وجهات إضافية للإقامة.
ويشير هذا إلى تحول أوسع في التخطيط للثروات حول العالم، إذ صارت العائلات تتعامل مع وجهات الإقامة ومع الولايات القضائية التي تلتزم بأطرها التنظيمية كما لو كانت محافظ أصول متنوعة، وهو نهج يصفه توم إيفريت هيث، الرئيس العالمي للتحقيقات في شركة كرول، بأنه "لامركزية في مواجهة التقلبات المتعلقة بالحوكمة"، وفقا لما نقلته صحيفة فايننشال تايمز في تقرير آخر.
الإمارات لن تكتفي بالمشاهدة
أشارت مؤسسة "بي إم آي" التابعة لفيتش سولوشنز مؤخرا إلى إنها تتوقع أن يعتمد صناع السياسات في الإمارات بدرجة أكبر على نفس مجموعة التدابير السابقة للحفاظ على استمرار تدفق المغتربين إليها. تضمنت هذه التدابير تيسير الحصول على تأشيرات الإقامة، والإنفاق على مظاهر الأمن، وحوافز أخرى متعلقة بنمط المعيشة.
وقد بدأت الإمارات بالفعل في تقديم حوافز وحزم دعم للشركات، تشمل تأجيل المدفوعات الجمركية والإعفاء من بعض الرسوم تماما. كما ألمحت إلى تبسيط إجراءات الإقامة والحصول على التأشيرات للمغتربين، لكنها لم توضح أي تفاصيل عن ذلك.
رأينا: نتوقع أن تعلن الإمارات قريبا عن حوافز تركز على المغتربين وتأشيرات الإقامة.