شهد قطاع التجزئة في الإمارات حالة من التباين في الأشهر الأخيرة، ففي الوقت الذي تصدرت فيه أخبار تراجع أعداد السياح العناوين الرئيسية، تفاوت تأثير ذلك التراجع بين الشركات التي تعتمد على قاعدة عملاء محليين وتلك الواقعة في المناطق السياحية المزدحمة. وبالنسبة للفئة الأولى، أفادت بعض الشركات أن هذه الفترة اتسمت في الواقع بالاستقرار، بل وشهدت نموا لبعض الأعمال.
السياق: شهدت الوجهات الكبرى للتسوق تراجعا ملحوظا في حركة الزوار بالفعل، وعن ذلك علق لنشرتنا بول لوند، رئيس تصنيفات الشركات لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في وكالة فيتش، إن "تراجع السياحة جراء الحرب أثر سلبا على أعداد الزوار في كبرى المراكز التجارية". كما أشار سوبود بانانغات، مدير الأبحاث والاستشارات في شركة "جي آر إم سي" للخدمات الاستشارية، إلى أن المبيعات في مول الإمارات انخفضت بنحو 50% خلال شهر مارس. وقد تراجعت أعداد السياح بشكل حاد منذ بدء الحرب، إذ انخفض عدد المسافرين عبر مطار دبي الدولي بنسبة 31.3% على أساس سنوي، وتراجعت معدلات الإشغال الفندقية بنسبة مماثلة تقريبا، بلغت 30.3% على أساس سنوي، ليصل المعدل إلى 56.4% في النصف الأول من العام.
وكشف بانانغات أن "مراكز التسوق الإقليمية الكبرى كانت الأكثر تأثرا في البداية"، مشيرا إلى أن الوجهات التي تعتمد بكثافة على الزوار الدوليين تحملت العبء الأكبر، ويعود ذلك إلى معدل الإنفاق المرتفع للسياح؛ فمع أنهم يمثلون 15-20% فقط من إجمالي حركة الزوار، إلا أنهم يشكلون 20-25% من إجمالي المبيعات.
وشهدت علامة العطور الإماراتية طيب للعطور تراجعا في حركة الزبائن بفرعها في القرية العالمية بدبي نظرا لانخفاض أعداد السياح، وفقا لما قاله المؤسس نوشاد بونامباث. اضطر المتجر لإغلاق أبوابه لعدة أيام، ، وانخفضت حركة العملاء والمبيعات في بعض المناطق بنسبة تتراوح بين 10% و30% خلال تلك الفترة. ورغم ذلك، يضيف بونامباث أن قاعدة العملاء المحليين دعمت المبيعات خلال تلك الفترة، وبدأ النشاط العام ينتعش مجددا في الوقت الحالي.
لكن اختلف الوضع تماما في فروع ميزون أرابيل الواقعة في مراكز التسوق التي تستهدف بالأساس السكان المحليين. إذ سجلت العلامة المتخصصة في تصميم العبايات والقفاطين الفاخرة ارتفاعا في أعداد الزوار والمبيعات، وزاد الإقبال على متجرها في دبي بنسبة 85% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، قبل أن يتراجع قليلا في الربع الثالث خلال الصيف، إلا أنه ظل مرتفعا بنسبة 49% على أساس سنوي، وفقا لما قالته أمينة بوشيبة، المؤسسة والرئيسة التنفيذية للعلامة، في تعليقاتها لنشرة إنتربرايز. تقع متاجر ميزون أرابيل في وافي مول بدبي وريم مول بأبوظبي، وكلاهما معروف بقاعدة عملائه مرتفعة الدخل، التي تتألف إلى حد كبير من الإماراتيين والمقيمين لفترات طويلة من دول الخليج ودول أخرى.
وبالمثل، استقرت المبيعات إلى حد كبير خلال تلك الفترة في حالة علامة نسب آرت التجارية، وهي شركة إماراتية صغيرة متخصصة في مجال الأزياء المريحة، حسبما قالت مؤسستها صفية المهري، علما بأن المواطنين والمقيمين في الإمارات يمثلون الحصة الأكبر من قاعدة العملاء.
الخلاصة: تعافت مراكز التسوق الإقليمية الكبرى التي لديها قاعدة أوسع من العملاء المقيمين بوتيرة أسرع، بينما "لا تزال مراكز التسوق الواقعة في الوجهات السياحية والتي تعتمد بدرجة أكبر على السياح في طريقها إلى التعافي"، كما يقول بانانغات، مشيرا إلى أن المبيعات تأثرت أيضا بعد أن انخفضت نسبة مساهمة السياح المعتادة من 20-25% إلى 5-10%، مع تحول مزيج الإيرادات ليتركز أكثر على المقيمين.
الجميع اضطر للتكيف مع الوضع
دفعت فترات الشحن الأطول من الصين شركة نسب للبحث عن موردين محليين داخل الإمارات لتوفير مواد مثل الأزرار. وتصف المهري هذه التجربة بأنها كانت "بمثابة جرس إنذار"، كشفت لها المخاطر المترتبة على نموذج العمل الذي يعتمد على الموردين الخارجيين.
وهذا التوجه لاحظناه في مجالات أخرى أيضا؛ إذ لجأت المزيد من الشركات إلى الموردين المحليين في الشهرين الماضيين، حسبما أظهر مؤشر مديري المشتريات التابع لشركة ستاندرد آند بورز غلوبال لشهر أغسطس. وأوضح ديفيد أوين، المحلل الاقتصادي لدى ستاندرد آند بورز غلوبال، أن هذه الاضطرابات "شجعت الشركات على تنويع مصادرها والاستفادة من وجود موردين محليين"، وهو ما قد يدفع الشركات إلى الإبقاء على علاقاتها المحلية الوطيدة ضمن استراتيجيتها الأوسع والأطول أجلا لإدارة المخاطر.
وترجع بوشيبة نمو ميزون أرابيل إلى عامل آخر وهو مرونة المخزون وتأمين الإمدادات مسبقا، مما جعل عملياتها بمنأى عن الاضطرابات اللوجستية. كما أن إنتاجها يجري بالكامل داخل الإمارات. لكن تغيير مصادر التوريد ليس بالسهولة نفسها عند التعامل مع بعض الخامات عالية الجودة، مثل الحرير القادم من كوريا الجنوبية أو الكتان من الهند. وقالت بوشيبة عن هذه الطلبيات الدولية إن "مواعيد التسليم استغرقت وقتا أطول قليلا، لكننا لم نتوقف، وكانت المنتجات تصل دائما إلى العملاء".
وفي حين استغلت شركات قطاع الضيافة هذه الفترة للعمل على تطوير وتجديد مرافقها، يبدو أن قطاع التجزئة تبنى هذا التوجه أيضا، إذ تخبرنا بوشيبة أن ميزون أرابيل وسعت فريق عملها وافتتحت ورشة جديدة.
الحكومة دعمت التعافي أيضا: أشار بانانغات إلى أن دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي نظمت فعالية "3 أيام من التخفيضات الكبرى" في شهر مايو. كما طُرحت مبادرات مثل مولاثون دبي للجري في المولات، وأخرى تشجع على المشي مقابل الحصول على مكافآت، في محاولة لجذب الزوار وتنشيط المبيعات في القطاع. وتعكس هذه التحركات توجها أوسع، خاصة في دبي، لتقديم الدعم عبر حزمة من البرامج الاقتصادية بقيمة إجمالية 2.5 مليار درهم، استهدفت القطاعات المتضررة مثل السياحة والتجارة والجمارك والطيران.
كما واصلت الشركات تقديم العروض الترويجية والمبادرات طوال تلك الفترة، بحسب بانانغات. فقد اختارت طيب للعطور تنفيذ جولات تسويقية وأتاحت تخفيضات وعروضا على المنتجات لدعم المبيعات، حسبما يقول بونامباث، بينما تشير بوشيبة إلى أن مراكز التسوق، لا سيما تلك المرتبطة بالفنادق، طرحت برامج ترفيهية كالألعاب لتشجيع التفاعل مع تجربة التسوق.
والحضور عبر الإنترنت صنع فارقا أيضا: أشار بونامباث إلى أنه "مع تغير تدفق العملاء، ركزنا بشكل أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي.. والحضور الرقمي"، إذ كثفت طيب للعطور نشاطها على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تطبيق واتساب للأعمال وأمازون ونون وموقعها الإلكتروني، لدعم المبيعات وتخفيف التأثير المؤقت لانخفاض حركة الزوار في المتاجر الفعلية.
السياق: ارتفعت إيرادات تجارة التجزئة عبر الإنترنت بأكثر من 64% لتصل إلى 9.2 مليار دولار هذا العام، وفقا لبيانات منطقة دبي الجنوب نقلا عن موقع ستاتيستا. ويشير بانانغات إلى حدوث زيادة ملحوظة في الطلبات عبر الإنترنت خلال فترة الصراع.
نظرة مستقبلية
تتوقع وكالة فيتش تعافي القطاع في شهر نوفمبر، بالتزامن مع استئناف شركات الطيران غير الإقليمية لرحلاتها، مما سيدعم السياحة ويسهم في الانتعاش المحتمل للإنفاق بقطاع التجزئة قرب نهاية العام، وفقا لما ذكره لوند، مضيفا أن النمو السكاني وفر قدرا من الحماية، إذ جذب دبي 160 ألف مقيم إضافي هذا العام حتى شهر أغسطس.
ويبدو أن العلامات التجارية العالمية تكثف توسعاتها أيضا، حتى رغم الأوضاع الجيوسياسية. فقد دخلت عدة شركات عالمية السوق الإماراتية مطلع هذا العام وتتطلع لمزيد من التوسع. ففي سبتمبر، أعلنت علامة بريمارك عن خطط لافتتاح أول متجر لها في السعودية، بعد افتتاح أول متاجرها في دبي بشهر مارس بالتزامن مع بداية الصراع تقريبا، لتتوسع لاحقا بافتتاح متجرين آخرين في دبي. كما افتتحت شركة أولتا بيوتي الأمريكية عدة متاجر هذا العام، وتخطط مجموعة ماجد الفطيم لافتتاح فروع جديدة عبر محفظتها الأوسع.
وعلى أرض الواقع، تسود حالة من التفاؤل بين الشركات؛ إذ تخطط كل من ميزون أرابيل ونسب للتوسع إقليميا ودوليا خلال الفترة المقبلة، استنادا إلى استمرار الطلب من قاعدة عملائهما الموثوقة، بينما تتطلع طيب للعطور إلى أسواق الهند والولايات المتحدة والمملكة المتحدة