تكلف الهجمات السيبرانية حاليا اقتصاد الإمارات ما يصل إلى 2.5 مليار دولار سنويا، وهي فاتورة آخذة في الارتفاع مع تزايد تعقيد التهديدات وتنظيمها، حسبما صرح رائد إحسان، خبير الأمن السيبراني المتخصص في إدارة الحوادث السيبرانية على مستوى الدول، لنشرة إنتربرايز. وتشمل هذه التكاليف الخسائر التشغيلية، ومبالغ الفدية المدفوعة، وتكاليف التعافي، وفقدان الإنتاجية، والغرامات التنظيمية، إلى جانب التداعيات السلبية على سلاسل التوريد.
فاتورة التوترات الجيوسياسية: كانت الإمارات واحدة من أكثر الدول تعرضا للهجمات السيبرانية في منطقة أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب أوكرانيا وباكستان، بعدما شهدت المنطقة ارتفاعا بنسبة 13% في الهجمات السيبرانية خلال الفترة 2025-2026، وفقا لتقرير سايبر بلس الصادر عن شركة ماستركارد. وأشار التقرير إلى أن الإمارات تعرضت لـ "استهداف مكثف" نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية والجيوسياسية، فضلا عن دورها كمركز مالي ورقمي إقليمي، ما يزيد من مطامع المهاجمين خلال فترات عدم الاستقرار. وكان خبراء قد أوضحوا لنا سابقا أن مكانة الإمارات كمركز مالي واقتصادي بارز تجعلها هدفا جذابا للهجمات السيبرانية.
تذكر: نجحت الدولة في بداية الشهر في التصدي لهجمات سيبرانية منظمة استهدفت قطاعات الطيران والطاقة والتعليم، وذلك في أعقاب سلسلة أخرى من الهجمات في يوليو.
فاتورة باهظة: يبلغ متوسط تكلفة اختراق البيانات لدى شركات الشرق الأوسط عادة نحو 8 ملايين دولار لكل حادثة، غير أن بعض الشركات الإماراتية تتخطى هذا الرقم بصورة متكررة، وفقا لإحسان، الذي أوضح أن شركات الخدمات المالية والتكنولوجيا قد تكون عرضة لخسائر تتجاوز 10.6 مليون دولار لكل حادثة.
وباتت الهجمات تدر أرباحا أكبر لمنفذيها، مع دمجهم مراحل متعددة من سلسلة الهجوم السيبراني لتجاوز مجرد تعطيل الأعمال واستهداف الأموال والبيانات مباشرة. حسبما صرح ديمتري ناغيبين، مؤسس شركة "في إكس كنترول" للأمن السيبراني بدبي، لنشرة إنتربرايز. وتبتكر الشركة أدوات مفتوحة المصدر تعتمد على وكلاء مستقلين لخدمة فرق الأمن السيبراني الهجومي.
تذكر: أسفر ظهور الذكاء الاصطناعي أيضا عن تغيير فارق في نوعية الهجمات. فقد سبق أن أشار محللون لنشرتنا أن تزايد أعداد الهجمات التي يولدها الذكاء الاصطناعي ويوجهها يجعل رصد التهديدات أكثر صعوبة، فضلا عن مضاعفة وتيرتها.
ضريبة التوقف عن العمل: يمكن أن تكلف هجمات برامج الفدية التي تستهدف أنظمة المعالجة الأساسية الشركات ما يصل إلى 10 ملايين دولار خلال أول ساعتين إلى نصف يوم من الانقطاع، وفقا لناغيبين. وتتضاعف الفاتورة بحسب حجم التعطيل، إذ أشار إحسان إلى أن "الهجوم السيبراني الذي يعطل أحد بنوك الفئة الأولى في الإمارات قد يكلف 150-300 ألف دولار في الساعة، بينما قد تؤدي الأعطال في الموانئ والمراكز اللوجستية إلى خسائر تتراوح بين 1.5-3 ملايين دولار يوميا جراء تأخير الشحنات، وغرامات التأخير، وتكدس البضائع". وأضاف أن خسائر تعطل شركات الطيران قد تتجاوز مليوني دولار في الساعة خلال فترات الذروة، بمجرد تأثر أنظمة إدارة الأساطيل، وإعادة حجز تذاكر الركاب وأنظمة الشحن والحجز.
من يتحمل هذه التكلفة؟ تتحمل الشركات ما يقدر بنحو 50-60% من الخسائر، في حين تغطي شركات التأمين حوالي 20-30% إذا كانت وثائق التأمين سارية، بحسب إحسان. وفي نهاية المطاف، قد تتحمل الدولة 10-20% من التكاليف النظامية عند تعطل البنية التحتية الحيوية.
الإنفاق يزداد، لكن الاستعدادات تشوبها ثغرات: ينمو إنفاق الإمارات على الأمن السيبراني بنسبة تتراوح بين 8.7 و12.5% سنويا، وتصل هذه النسبة إلى 12-15% في القطاعات الخاضعة لرقابة تنظيمية مشددة كالبنوك والطاقة والمرافق، وفقا لإحسان. غير أنه حذر من أن استثمارات الشركات في تعزيز المرونة التشغيلية للصمود أمام الهجمات ما زالت غير كافية، في ظل تخصيص معظم إنفاقها حاليا لاستيفاء متطلبات الامتثال؛ فقد تظل الثغرات الأمنية الحرجة دون معالجة لمدة تتراوح بين 45 و90 يوما أو أكثر، في حين أن عمليات التحول الرقمي المتسارعة قد تترك ثغرات جديدة مثل واجهات برمجة التطبيقات المخفية ونقاط الاتصال التي لا تتطلب التحقق من الهوية. ومن المتوقع أن تنمو الميزانيات العالمية للأمن السيبراني بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 2.5% خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع توقعات بزيادة حصة الإنفاق على حلول الذكاء الاصطناعي بأكثر من 3 أمثال لتصل إلى 15% مقارنة بنحو 4% حاليا، بحسب تقرير لشركة ماكينزي.
ويمتد الوعي بالمخاطر السيبرانية أيضا إلى قاعات مجالس الإدارات، إذ أصبحت المرونة السيبرانية عاملا ماليا مهما، وليست مجرد عامل تقني فحسب، وفقا لإحسان. كما أشار إلى أن شركات الاستثمار المباشر والمستثمرون السياديون صاروا يواظبون على إجراء فحص شامل للأمن السيبراني باستمرار، لا سيما وأن اختراق البنية التحتية أو ضعف ضوابط الرقابة قد يؤدي إلى تخفيض التقييم بنسبة 5-15% أو حجز أموال الصفقات في حسابات الضمان.
كما تشترط شركات التأمين مزيدا من الضوابط الوقائية، بما يشمل المصادقة متعددة العوامل، والنسخ الاحتياطي غير القابل للتعديل، واكتشاف التهديدات عند نقاط الاتصال والاستجابة لها، فضلا عن تحديد أطر زمنية واضحة لسد الثغرات، مما يجعل شركات البنية التحتية الحيوية والطاقة والرعاية الصحية والخدمات المالية واللوجستيات من بين أصعب الكيانات التي يمكن التأمين عليها، حسبما يؤكد إحسان.
الحلقة الأضعف قد تكون من خارج الشركة: ترتبط قوة الأمن السيبراني لدى أي شركة ارتباطا وثيقا بالمنظومة الأوسع التي تعمل ضمنها، حسبما أوضح ناغيبين لنشرتنا. ولا يقتصر هذا على شركات التكنولوجيا فحسب؛ فالبنوك والجهات الحكومية والمصانع وشركات التجزئة تعتمد جميعها على أطراف خارجية، مما يجعلها عرضة للمخاطر بسبب الصلاحيات الممنوحة للموردين والمقاولين من الباطن، لا سيما وأن هذه الأطراف "قد تحظى بصلاحية الوصول إلى نطاقات محدودة ضمن البنية التحتية الأساسية للشركة".
ماذا بعد؟ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفاقم خطورة هذه الثغرات بشكل كبير، عبر منح الموظفين العاديين أو الأطراف الثالثة المخترقة طرقا جديدة للتحرك داخل البنية التحتية للشركة. وفي هذا السياق، يرى ناغيبين أنه "لا توجد لوائح تنظيمية كافية لفرض أفضل الممارسات على الشركات".وفي الوقت الراهن، تتبنى الشركات الإماراتية تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق قدرتها على إرساء الضوابط الأمنية الخاصة بها، ما يفرض تحديات جديدة أمام اقتصاد يسرع الخطى نحو رقمنة بنيته التحتية وعملياته التجارية، بحسب إحسان.