أصبحت المرونة في سداد الإيجارات سمة رئيسية في السوق، بما تنطوي عليه من مزايا ومخاطر على حد سواء. فقد تضاعفت مدفوعات الإيجار الشهرية لدى شركة بيتر هومز بأكثر من الضعف بين الربعين الأول والثاني من العام الجاري، لترتفع من 2% إلى 5% من إجمالي عقود الإيجار، حسبما صرح روبرت سيموندز، مدير قسم التأجير في الشركة لنشرة إنتربرايز. ورغم أن هذه النسبة تمثل حصة صغيرة من السوق، فإنها مؤشر واضح على توجه السوق، حيث يتنافس الملاك على تسهيل شروط السداد، وليس تخفيض القيمة الإيجارية فحسب.
وتحتدم هذه المنافسة في ظل ظروف السوق الحالية؛ إذ شهدت دبي تسليم عدد قياسي من الوحدات السكنية بلغ 27,300 وحدة خلال الربع الثاني، فيما أفادت بيتر هومز بأن المعروض المتاح للإيجار ارتفع بأكثر من الضعف منذ بداية العام. وانخفضت الإيجارات في عينة من المجمعات السكنية الكبرى بنسبة تتراوح بين 8-10% منذ فبراير، مع تسجيل التراجعات الأكبر في المناطق التي تشهد وفرة في المعروض، حيث يحظى المستأجرون بخيارات أكثر ويواجه المُلّاك منافسة متزايدة من الشقق الفندقية. كما تراجعت تسجيلات العقود السنوية عبر نظام "إيجاري" بنحو 22% على أساس ربع سنوي. كذلك يشهد سوق أبوظبي تباطؤا أيضا، وإن كان بوتيرة أقل حدة، إذ تراجع معدل نمو الأسعار إلى أدنى مستوى له في عامين خلال الربع الثاني، في ظل تزايد الضغوط على القدرة الشرائية. وفي كلتا الإمارتين، تنحسر سيطرة المُلّاك على فرض الأسعار، تزامنا مع حصول المستأجرين على ميزة تفاوضية جديدة بفضل منصات الإيجار الشهري.
كما تسهم السياسات الحكومية في تعزيز هذا التحول؛ إذ طرحت دائرة الأراضي والأملاك في دبي مبادرة جديدة تحت اسم "التأجير المُيسّر" في يونيو، لتتيح للمستأجرين سداد الإيجار شهريا أو كل ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، بدلا من نموذج الشيك الواحد الذي طالما هيمن على سوق الإيجارات في الإمارة. وشهدت المرحلة الأولى مشاركة 12 شركة عقارية، علما بأن الدائرة أكدت عزمها توسيع نطاق المبادرة في مراحل لاحقة. كذلك تعكف الدائرة أيضا على إتاحة خدمة "التأجير الفوري مع تأجيل الدفع" بدون فوائد بالتعاون مع أحد البنوك المحلية، وسط توقعات بطرحها في سبتمبر، حيث يدفع البنك المشارك قيمة الإيجار السنوي كاملة مقدما للمالك، بينما يسدد المستأجرون المبلغ على أقساط شهرية لمدة تصل إلى عام. وما زالت التفاصيل النهائية قيد الإعداد، علما بأنها تشمل شروط الأهلية والرسوم وآجال السداد والترتيبات بين البنك والملاك.
وقبل ظهور هذا النموذج المدعوم من البنوك، كانت شركات التكنولوجيا العقارية تحاول بالفعل ابتكار حلول لسداد الإيجار شهريا دون مطالبة الملاك بانتظار مستحقاتهم. وتعد منصة كيبر أحد الأمثلة على ذلك، إذ يتيح نموذجها للمستأجرين تقسيم الإيجار السنوي إلى دفعات شهرية مع حصول الملاك على أموالهم مقدما. وقد جمعت الشركة 11 مليون دولار في يونيو لتوسيع نطاق الخدمة، بعدما مولت عقود إيجارية تجاوزت قيمتها 44 مليون دولار منذ طرحها. ويرى عمر أبو عناب، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للشركة، أن توجه دائرة الأراضي والأملاك يدعم جهود منصة كيبر ولا ينافسها، وإن كان النموذج المدعوم من البنوك لم تتضح ملامحه بعد، لا سيما فيما يتعلق بالرسوم والتكاليف.
دلالة التوقيت
صُمم نموذج الإيجار التقليدي في دبي ليناسب سوقا تتسم بقصر مدة الإقامة؛ فبحسب سيموندز، كان نظام السداد بشيك واحد إلى أربعة شيكات يبدو أكثر منطقية حينما كان الأفراد يفدون إلى الإمارة لبضع سنوات ثم يغادرونها، وهو ما جعل الملاك بحاجة آنذاك إلى ضمانات أكبر. أما اليوم، فقد اختلف الوضع وبات السكان يستقرون فترات أطول، وصار لديهم جدارة ائتمانية قوية وسجلات تأجيرية موثوقة، ما جعل الملاك أكثر اطمئنانا لقبول تسهيل شروط السداد. ويضيف: "الفكرة تكمن في منح المستأجر سيطرة أكبر"
ومع زيادة المعروض تتزايد الخيارات: من المرجح ألا يقتصر التنافس بين الملاك خلال الأشهر الـ12-18 المقبلة على تخفيض قيمة الإيجار، وإنما سيشمل أيضا تسهيل شروط السداد والحوافز، وفق ما قاله لنا رونان آرثر، المدير ورئيس قسم التقييم العقاري السكني في شركة كافنديش ماكسويل. فمع زيادة المعروض الإيجاري، سيحظى المستأجرون بفرصة أكبر للتفاوض على تقليل عدد الشيكات أو الحصول على شروط أكثر مرونة، وبذلك سيضطر المزيد من الملاك إلى لموافقة، خاصة في المجمعات السكنية التي تشهد طرح معروض جديد من الشقق المتاحة للإيجار. ويوضح آرثر أن "زيادة المعروض المتاح تمنح المستأجرين مزيدا من الخيارات وبدأت تفرض ضغوطا على كل من الإيجارات المطلوبة والمُحصّلة".
في النهاية، سيتحمل طرف ما سداد الإيجار مقدما
والسؤال الجوهري هنا هو من سيتحمل المخاطرة؟ فسداد الإيجار شهريا ليس بالضرورة شكلا من أشكال التمويل، حسبما أوضح راكيش مافاث، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة تاكيم، في حديثه لنشرة إنتربرايز. فإذا وافق المالك على تحصيل الإيجار السنوي نفسه على 12 دفعة، فإن ذلك ليس سوى تسهيل في السداد. ويضيف: "يتحول الأمر إلى تمويل عندما يدفع طرف ثالث للمالك مقدما، ويسدد المستأجر هذا المبلغ بمرور الوقت. وهذا الفارق بالغ الأهمية".
ويعد نموذج كيبر أقرب إلى الجانب التمويلي؛ إذ يحصل الملاك على مستحقاتهم مقدما بينما يسدد المستأجرون شهريا. فيما يوضح أبو عناب أن الشركة تقيّم قدرة المستأجرين على السداد بناء على الدخل بالأساس، وتتحقق من تقييمات شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية، وتضع حدا أقصى للإيجار عند نحو 45% من الراتب الشهري، كما تتحمل هي نفسها مخاطر التعثر في السداد. في المقابل، صُمم نظام ضمان الإيجارات لدى شركة تاكيم لاستيعاب شريحة مختلفة من تلك المخاطر، فهو يحمي الملاك في حال تعثر المستأجرين عن السداد، مع توفير تغطية للصيانة الطارئة ومدفوعات الخصم المباشر. ويقول مافاث: "المخاطر لا تختفي بمجرد تحويل الإيجار إلى دفعات شهرية، بل تنتقل ببساطة إلى طرف آخر".
ويرى سيموندز أن النماذج المدعومة من البنوك ستكون الأكثر تأثيرا على المدى الطويل، فمن المرجح أن يثق الملاك في ضمانات الدفع المدعومة مصرفيا أكثر من الحلول التي تقدمها منصات أصغر حجما، كما يمكن للبنوك تقديم أسعار فائدة أفضل، بحسب سيموندز.
ويطرح هذا التوسع تساؤلا تنظيميا: أشار مافاث إلى أن مصرف الإمارات المركزي ينظم بالفعل خدمات "التأجير الفوري مع تأجيل الدفع" باعتبارها ائتمانا قصير الأجل، كما أدرجت شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية بيانات هذه الخدمات ضمن التقارير الائتمانية في الإمارات. ونظرا إلى أن الإيجار يمثل نحو 40% إلى 60% من الدخل، حذر مافاث من أن تحوله إلى دين على نطاق واسع، دون إدارة محكمة للمخاطر، "قد يشكل خطرا على النظام المالي بأكمله، لا على المستهلك وحده."
للمرونة ثمن
قد ينتهي المطاف بالمستأجرين المستفيدين من خدمات "التأجير الفوري مع تأجيل الدفع" بدفع علاوة كبيرة، وفقا لسيموندز، فالمخاطرة تقع على عاتق المالك أو المستأجر أو مزود الخدمة من طرف ثالث، لكنها لا تتلاشى أبدا. في حين يرى أبو عناب أن هذه العلاوة كانت موجودة بالفعل، مشيرا إلى أن الملاك اعتادوا مراعاة جدول السداد عند تحديد الإيجار، فكانوا يفرضون قيمة أقل عند السداد بشيك واحد وقيمة أعلى عند توزيعه على عدة شيكات. ويقتصر دور المنصات على تسهيل الاستفادة من هذه المرونة ورقمنتها، بدلا من أن تكون مرهونة بالتفاوض في كل عقد إيجاري.
ويحذر مافاث من مخاطر سلوكية أيضا؛ إذ قد يبدو سداد 10 آلاف درهم شهريا أسهل من دفع 120 ألف درهم سنويا، رغم أن الالتزام الإجمالي متطابقا. ويقول مافاث: "ينبغي أن تسهّل المرونة على المستأجر سداد إيجار يناسب إمكاناته، لا أن تدفعه إلى قبول إيجار لا يستطيع تَحمّله".
وهناك ثمن آخر يدفعه الملاك، إذ يوضح آرثر لنشرة إنتربرايز أن "الملاك عادة ما كانوا يفرضون علاوة سعرية مقابل زيادة عدد الدفعات، نظرا إلى الأعباء الإدارية الإضافية وتأثيرها على التدفقات النقدية والمخاطر. ولكن إذا أصبحت المدفوعات الشهرية نمطا سائدا في السوق، فقد تتقلص هذه العلاوة".
النظرة المستقبلية
لن تختفي الشيكات الإيجارية بين عشية وضحاها. إذ يتوقع ماثيو غرين، رئيس قسم الأبحاث في شركة "سي بي آر إي"، ظهور سوق هجينة بدلا من إحلال كامل على المدى القريب. وسيظل هناك مستأجرون مستعدون للدفع بعدد أقل من الشيكات؛ وسيكتفون بمحاولة الحصول على خصومات. أما التحول الأكبر فسيحدث عندما تصبح آليات تقييم أهلية المستأجرين وضمانات الإيجار والتحصيل الرقمي وحلول التأمين موثوق بها بدرجة كافية تجعل الملاك لا يكترثون لطريقة سداد الإيجار.
يمكن التوسع في تبني الأنظمة الجديدة، لكن بشرط تحقيق الجدوى الاقتصادية: إذ يقول أبو عناب إن الإيجارات الشهرية ما زالت تشكل نحو 1% فقط من سوق الإيجارات السكنية، لكنه يرى أن البنية التحتية للمدفوعات الرقمية هي المفتاح الأكبر لهذا التوسع، إلى جانب انخفاض تكاليف التمويل والدعم التنظيمي. ويرى آرثر أيضا إمكانات واعدة، لا سيما في قطاع الشقق، لكنه يوضح أن الاعتماد على هذا النظام مرهون بالجدوى الاقتصادية للملاك وقدرة المنصات على إدارة عمليات التحصيل ومخاطر التعثر.