Posted inدبلوماسية

الإمارات تسعى لاتفاقية تجارية مع بريطانيا تعيد رسم شراكاتها مع الغرب

تكمن القيمة الحقيقة للاتفاقية في تعزيز مصداقية أبوظبي أكثر من أثرها على الاقتصاد البريطاني

تخطط الإمارات والمملكة المتحدة لتوطيد علاقاتهما الدبلوماسية عبر إبرام اتفاقية تجارية تتجاوز ما تفاوضت عليه دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة في مايو الماضي. ويبلغ حجم التبادل التجاري الحالي بين البلدين نحو 30 مليار دولار سنويا، ويشمل أكثر من 14 ألف مُصدر بريطاني، إلا أن إبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين البلدين من شأنه أن يفتح آفاقا أوسع بكثير في قطاعات بالكاد تطرقت إليها الاتفاقية الخليجية.

خلفية: في الشهر الماضي، قال السفير الإماراتي لدى المملكة المتحدة منصور أبو الهول إن اتفاقية التجارة الحرة المبرمة بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة تمثل "أساسا متينا"، إذ تتضمن إلغاء الرسوم الجمركية على الصادرات وتسهيل الأنشطة التجارية، مضيفا أن الإمارات تطمح إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر إبرام اتفاقية شراكة اقتصادية ثنائية خاصة بها وأوسع نطاقا. وقد تثمر الاتفاقية الثنائية عن تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية والخدمات المالية، فضلا عن الاعتراف المتبادل بالمؤهلات للعمالة الماهرة مثل المحامين والمهندسين وغيرهم من أصحاب المهن المماثلة.

ورغم أن المحادثات لا تزال في مراحلها المبكرة، فإن جهود استكشاف آفاق التعاون جارية بالفعل؛ إذ صرح متحدث باسم الحكومة البريطانية لإنتربرايز قائلا: "أولويتنا الآن تتمثل في تفعيل اتفاقية [مجلس التعاون الخليجي] حتى تتمكن الشركات البريطانية من جني ثمارها في أقرب وقت ممكن". وأضاف المتحدث أن الحكومة بدأت في الوقت ذاته مشاورات تهدف تحديدا إلى تعميق العلاقات مع الإمارات وإتاحة المزيد من الفرص أمام الشركات البريطانية.

لماذا تراهن الإمارات على اتفاقية ثنائية أعمق؟

تُصاغ اتفاقيات مجلس التعاون الخليجي بما يلائم جميع الدول الأعضاء وهو ما قد يحد من نطاقها، بينما تتيح الاتفاقية الثنائية للإمارات، بوصفها الاقتصاد الأكثر انفتاحا في المجلس، التوصل إلى التزامات أعمق. وتقول المحللة السابقة لدى صندوق النقد الدولي والمتخصصة في الاقتصاد الجيوسياسي سيلين بتيش في تصريحات لإنتربرايز إن "إبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة ثنائية هو السبيل للمضي قدما نحو آفاق أبعد"، مشيرة إلى أن الميزة التنافسية للاتفاقية الثنائية تكمن في قطاعات الخدمات والبيانات والاستثمار وحركة التنقل.

وتتماشى القطاعات المستهدفة مع المجالات التي تتفوق فيها السياسات الإماراتية بالفعل على نظيراتها في دول الخليج، حسبما توضح مارييت كاس حنا، محللة المخاطر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى وحدة "بي إم آي"، في حديثها لإنتربرايز، وتتمثل في الخدمات المالية والمهنية، والتجارة الرقمية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم. وتضيف: "يمكن صياغة الاتفاقية الثنائية بما يناسب دور الإمارات كمركز للتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل، ومقر إقليمي للشركات متعددة الجنسيات".

أهمية الخطوة

لا تقتصر أهمية توقيع اتفاقية مع دولة من مجموعة الدول الصناعية السبع على خفض التعرفات الجمركية فحسب؛ فشبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة للإمارات تتركز معظمها مع الأسواق الناشئة، وهو ما يشكل أداة تحوط في مواجهة الانقسامات في النظام العالمي، بحسب بتيش، موضحة أن الاتفاقية مع المملكة المتحدة تكسر هذا النمط وتمثل خطوة استراتيجية. وتقول بتيش: "عندما توافق دولة من مجموعة الدول الصناعية السبع على شروط الإمارات، فهذا يعد بمثابة اعتراف بأنها وجهة تحظى بثقة الغرب"، معتبرة أنها خطوة لتعزيز المصداقية ستؤتي ثمارها تجاريا بمرور الوقت، حتى وإن كانت مكاسبها الأولية تتمثل في تعزيز السمعة.

وترى كاس حنا أن إبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع المملكة المتحدة سيعزز موقف الإمارات في المفاوضات المستقبلية مع الاقتصادات المتقدمة الأخرى، رغم تأكيدها أن هذا النموذج لن يكون سهل التكرار. وتوضح أن المحادثات الجارية مع الاتحاد الأوروبي تسير بوتيرة أبطأ تحديدا لأنها تتناول أجندة أثقل تشمل الخدمات، والاستثمار، والتجارة الرقمية، والطاقة، والمشتريات، والتنمية المستدامة في آن واحد.

تذكر: بلغ إجمالي تجارة الإمارات تحت مظلة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة 304.3 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2026، متضمنة 66.1 مليار درهم من الصادرات غير النفطية، وهي القاعدة التي تسعى الدولة للبناء عليها عبر توسيع شراكتها مع أسواق ذات قيمة استراتيجية أعلى، بدلا من التركيز على زيادة حجم التجارة فحسب.

تمهيد محتمل لمزيد من الاتفاقيات الأعمق: قد تعزز الاتفاقية مع دولة من مجموعة الدول الصناعية السبع من مكانة الإمارات، وتمهد الطريق لإبرام اتفاقيات أعمق، رغم أن كاس حنا تشير إلى صعوبة تكرار هذا النموذج بسهولة. وتوضح المحادثات التي تسير بوتيرة بطيئة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي مدى هذا التعقيد، إذ تغطي أجندة واسعة تشمل الخدمات والاستثمار والتجارة الرقمية والطاقة والمشتريات والتنمية المستدامة، وفقا لكاس حنا.

ما المكاسب التي ستحققها المملكة المتحدة؟

قد يكون العائد الاقتصادي على المملكة المتحدة تدريجيا ومحدودا؛ إذ تشير تقديرات الحكومة البريطانية إلى أن الاتفاقية الأوسع مع دول مجلس التعاون الخليجي ستضيف 3.7 مليار جنيه إسترليني فقط إلى الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بحلول عام 2040، وهي نسبة تقدرها وحدة "بي إم آي" بنحو 0.12% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2040، مما يوحي بأن الاتفاقية الخاصة بالإمارات وحدها سيكون لها أثر اقتصادي كلي متواضع، وفق ما قاله جيمس بينيت، محلل مخاطر المملكة المتحدة لدى "بي إم أي"، في حديثه لإنتربرايز.

لكن دوافع لندن تتجاوز الحسابات المالية المباشرة؛ إذ يشير بينيت إلى ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في ضمان التزامات استثمارية خليجية، وإثبات قدرة المملكة المتحدة على إبرام اتفاقيات تجارية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التعاون في مجالات معايير العمل والرفق بالحيوان والمشاركة الاقتصادية للمرأة. ويرى أن الاتفاقية الثنائية مع الإمارات تعد موضع ترحيب في هذا السياق، لكنها ليست أولوية تجارية قصوى للمملكة المتحدة في الوقت الراهن.

الخطوة التالية: من المرجح أن يكون الاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية العقبة المحتملة الأبرز في المفاوضات؛ إذ يشير بينيت إلى أن الاتفاقية الخليجية نفسها تلزم الطرفين بمناقشة الاعتراف فقط دون تنفيذه. كما لا تزال البنود الخاصة بمعايير العمل وحماية البيئة غير محسومة، في حين تؤكد المملكة المتحدة استمرار المحادثات الثنائية بشأنها. وسنتابع من كثب مدى تقدم المباحثات بين الإمارات والمملكة المتحدة لبدء المفاوضات الرسمية.