أمضى ديفيد كافانا (لينكد إن) مسيرته المهنية في وضع البنية التحتية لمشاريع الجينوم السكانية، بداية من أيرلندا وحاليا في الإمارات. فانتقل من أيرلندا تاركا المزرعة التي امتلكتها عائلته هناك، ورحل إلى أبوظبي ليعمل مع شركة "إم 42"، وهو يتولى حاليا منصب المدير العام لمركز التميز في علوم الأوميكس لدى الشركة. والدافع وراء ذلك هو النطاق الهائل للبرنامج، والذي يصفه كافانا بأنه الأكبر من نوعه على مستوى العالم في الوقت الراهن، إذ يهدف إلى تحديد التسلسل الجيني لكل مواطن إماراتي، ودمج هذه البيانات مباشرة في السجلات الصحية الوطنية.
وإلى جانب النطاق الواسع للمشروع، فإن الدافع الأكبر لكافانا يكمن في قيمة بناء قاعدة بيانات تضم سلالات لم تحظ بالتمثيل الكافي ضمن الخريطة العالمية للجينوم، وهو ما يسهم في نهاية المطاف في دفع عجلة الأبحاث السريرية وتطوير آليات التشخيص والعلاج.
وفي فقرة روتيني الصباحي الأسبوعية، التي نحاور خلالها أحد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدأون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم، تحدثنا هذا الأسبوع مع كافانا حول المرحلة المقبلة من برنامج الجينوم، وما يتطلبه قيادة فريق في مجال علوم الحياة، إلى جانب الكتب التي يقرأها في الوقت الحالي. وإليكم مقتطفات محررة من حوارنا معه:
إنتربرايز: حدثنا قليلا عن نفسك، وكيف بدأت مسيرتك في علم الجينوم؟
ديفيد كافانا: حصلت على درجة الدكتوراه من كلية دبلن الجامعية قبل أكثر من 20 عاما، وبعدها سريعا ما توليت مناصب في شركات بمجال علوم الحياة. كما شاركت في تأسيس شركتي الخاصة فور حصولي على الدكتوراه، ثم بعتها لاحقا لشركة أمريكية، قبل أن أعمل مستشارا لدى شركة أيرلندية متخصصة في التكنولوجيا الصحية والأجهزة الطبية.
وفي عام 2017، انضممت إلى شركة أيرلندية مدعومة برأس مال مغامر من مستثمرين أمريكيين والصندوق السيادي الأيرلندي، وتوليت منصب المدير العام من العاصمة دبلن، لبناء قاعدة بيانات جينومية لسكان أيرلندا. إذ اعتمدت الشركة على علم الوراثة البشري لدعم اكتشاف الأهداف الدوائية.
أمضيت هناك سبع سنوات، وقبل أكثر من عام تقريبا، عُرض عليّ منصب في شركة "إم 42". أرى أن البنية التحتية مشابهة لنظيرتها هناك إلى حد ما، لكن الفارق الجوهري يكمن في القرار الاستراتيجي الذي اتخذته الحكومة الإماراتية بتوفير خريطة جينومية لكل مواطن إماراتي. يكتسب هذا الأمر أهمية بالغة بالنظر إلى هيمنة السلالات الأوروبية والأمريكية على أغلب بيانات الجينوم العالمية، في حين لا تحظى المجموعات السكانية الأخرى، بما في ذلك الشعوب العربية، بالتمثيل الكافي في خريطة الجينوم العالمية. لكن تعمل دولة الإمارات على تصحيح هذا الوضع عبر تأسيس قاعدة بيانات مخصصة لمواطنيها تحديدا، ما يمهد الطريق أمام التطبيق الفعلي لممارسات الطب الدقيق داخل المنظومة السريرية.
كما نتوسع باستمرار في إصدار ما نطلق عليه التقارير السريرية، إذ لا نكتفي بتحديد التسلسل الجينومي فحسب، بل نقدم للأطباء الاستشاريين المشرفين على رعاية المرضى تقارير تشخيصية، تساعدهم على اتخاذ قرارات دقيقة بشأن الرعاية المقدمة.
إنتربرايز: أشارت أحدث البيانات المتاحة إلى جمع نحو مليون عينة وتحديد تسلسلها الجيني، فإلى أين وصل المشروع حاليا؟
كافانا: نحن نمضي في المسار الصحيح للوصول إلى مليون عينة خلال العام الجاري. وتجدر هنا الإشارة إلى أنه بالنسبة للعديد من مشاريع الجينوم السكانية، لا يقتصر الأمر فقط على عدد الجينومات، بل إن دمجها ضمن السجلات الصحية وبروتوكولات الرعاية السريرية هو ما يجعل الأمر مؤثرا بالفعل.
قبل أكثر من عامين بقليل، بدأنا مشروعا بالشراكة مع دائرة الصحة بأبوظبي وبنك أبوظبي الحيوي، لإضافة أنواع أخرى من العينات إلى البيانات الجينية التي جمعناها عبر البرنامج. فعلى سبيل المثال، سيكون لدى الأم الإماراتية الحامل خيار تخزين دم الحبل السري، لاستخدامه كمصدر للخلايا الجذعية التي يحتاج إليها بعض مرضى السرطان في عمليات الزراعة. وأعود لأكرر هنا أن ندرة تمثيل الجينوم العربي يجعل المرضى في الإمارات يواجهون صعوبة بالغة في العثور على متبرعين مناسبين ضمن السجلات الدولية للخلايا الجذعية، ولذا فإن تأسيس بنية تحتية وطنية لهذا الغرض يعود بنفع حقيقي على المرضى.
إنتربرايز: ما هو الدور الفعلي لمركز التميز الذي تقوده وسط كل هذه الالتزامات؟
كافانا: تعد "إم 42" في حد ذاتها مؤسسة ضخمة للغاية، إذ تضم 22 ألف موظف في 27 دولة. ونقدم الدعم لجميع المجالات، بدءا من خدمات غسيل الكلى وحتى الرعاية المتخصصة وعلاجات الخصوبة، لنغطي بذلك مجموعة متنوعة من خدمات الرعاية الصحية.
نملك ثلاث منصات رئيسية؛ الأولى للرعاية العالمية للمرضى، والثانية للحلول الصحية المتكاملة، وتضم تحت مظلتها مركز التميز الذي أتولى إدارته، وهو المختبر الذي يدير برنامج الجينوم الإماراتي. كما يندرج تحت هذه المنصة كل من البنك الحيوي، وشركة آيروس للأبحاث السريرية التي أقودها أيضا، والتي تدعم اختبارات الأدوية التجريبية هنا في الإمارات والمنطقة بأسرها. أما المنصة الثالثة فهي منصة الحلول الصحية الرقمية، وهي المُشغلة لمنصة تبادل المعلومات الصحية "ملفي"، التي تمثل البنية التحتية الرقمية التي تدمج كافة هذه البيانات الصحية. ونقدم الدعم لهذه البرامج عبر مجموعة متنوعة من التخصصات، لكن التأثير الحقيقي يتجلى عند الجمع بينها.
إنتربرايز: ما الخطط المستقبلية للبرنامج على المدى القريب؟
كافانا: تركزت الجهود خلال العامين الماضيين على بناء الأسس، وفي الوقت الراهن، تحرص دائرة الصحة على تحقيق نتائج ملموسة للمرضى بوتيرة سريعة؛ لذا فإن جزء كبير من عملنا انصب على إتاحة الاختبارات السريرية.
أما الخطوة التي نستعد لها حاليا ونتحمس بشدة تجاهها فهي مرحلة الاستخدامات البحثية، إذ نعمل على إتاحة مجموعة البيانات للباحثين على الصعيدين المحلي والعالمي. ونبني حاليا بنية تحتية بالشراكة مع دائرة الصحة تُعرف ببيئة البحث الموثوقة، لتشكل بوابة للوصول إلى مجموعات البيانات بطريقة خاضعة للرقابة، ثم استخراج النتائج، ليستفيد منها شركاء من المؤسسات الأكاديمية وشركات الأدوية. وهناك اهتمام دولي واسع من كبرى شركات الأدوية لعقد شراكات معنا وتحليل هذه البيانات.
كما يسهم عصر الذكاء الاصطناعي الذي نعيش فيه اليوم في تحسين مستوى تحليلاتنا لتلك البيانات، وهو ما يعد بمثابة قوة دافعة إضافية لتسريع وتيرة عملنا.
إنتربرايز: ما أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع في الوقت الراهن؟
كافانا: يعد قطاع علوم الحياة من الأصول الاستثمارية شديدة التعقيد، فهو يتطلب استثمارات ضخمة طويلة الأجل، ويستوجب من المستثمرين التزاما فعليا على المدى الطويل. وخلال جائحة "كوفيد-19"، ضخ المستثمرون أموالا طائلة في جميع أنحاء العالم للابتكار ضمن هذا المجال، لكن جزءا من تلك الثقة تبخر لاحقا عندما أدرك الكثير من المستثمرين أن الأمر أكثر تعقيدا مما كانوا يظنون.
وما يثير الاهتمام هو الاتجاه المتمثل في دمج الذكاء الاصطناعي لدعم الاكتشافات وتحليل البيانات. وأعتقد أن المستقبل يبدو مشرقا، لكنه يظل من المجالات التي تتطلب التحلي بالصبر، إلى جانب المعرفة المتخصصة ووجود مستثمرين محترفين لقطف ثمار هذه الجهود وتقديم ابتكارات مذهلة إلى السوق. والإمارات واحدة من الدول التي تؤمن بقدراتها في هذا المجال؛ إذ تدرك الدولة أهمية هذا التلاقي بين قطاعي الذكاء الاصطناعي والصحة، وتطمح لأن تصبح وجهة للرعاية الصحية المتقدمة، تزامنا مع اعتمادها المكثف على البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وربما تكون الإمارات هي الدولة الأكثر طموحا على مستوى العالم حاليا في هذا المجال.
إنتربرايز: لنتحدث الآن عن روتينك الصباحي، ما هي أبرز عاداتك اليومية؟
كافانا: أستيقظ مبكرا، وعادة ما يبدأ يومي في الثامنة صباحا، إذ أتوجه إلى أحد المقاهي للجلوس ومعي حاسوبي الشخصي، وأحتسي القهوة لمحاولة ترتيب مهامي في اليوم مسبقا. وعادة لا أبدأ اجتماعاتي قبل التاسعة أو التاسعة والنصف، فهذا الوقت في الصباح يمنحني فرصة لترتيب أفكاري.
تتسم طبيعة عملي بالتنوع الشديد. وأنا محظوظ بوجود فريق إداري عالي الكفاءة يعمل تحت إشرافي، ويتولى إدارة مختلف جوانب العمل، ولذا فإن جزءا كبيرا من يومي هو متابعة سير العمل معهم، ومساعدتهم على تنفيذ مهامهم أو حل المشكلات التي قد تواجههم. ليس هناك نمط ثابت ليومي؛ فكل يوم يحمل معه تحديا فريدا وشائقا يحتاج إلى حل، وكل أسبوع تظهر عقبات جديدة، وما علينا سوى المضي قدما لإيجاد حلول لها.
إنتربرايز: وماذا عن فترات المساء، أو عندما ترغب في الاسترخاء بعيدا عن أجواء العمل، كيف تقضي وقت فراغك؟
كافانا: لدي طفل يبلغ من العمر 3 سنوات، لذا تنحصر هواياتي تقريبا في اللعب معه وقضاء بعض الوقت مع زوجتي. كما أعزف على الجيتار، وهي هواية أمارسها منذ سنوات طويلة، فأمسك بالجيتار من وقت لآخر وأعزف لحنا ما، إلى جانب شغفي بقراءة الكتب.
ونمتلك أيضا مزرعة في أيرلندا؛ فزوجتي من إحدى المناطق الريفية هناك، ولدينا مزرعة صغيرة تضم بعض الحيوانات. وحينما نعود إليها، نمضي وقتنا في الاسترخاء والاستمتاع بأجواء المزرعة، وهو ما يمنحنا متنفسا رائعا بعيدا عن التركيز المكثف الذي تتطلبه طبيعة عملي التقني.
ترشيحات كافانا
ما يقرأه: يقرأ في الغالب روايات الخيال العلمي، ويقرأ حاليا سلسلة Culture series للكاتب الاسكتلندي إيان بانكس. ويقول إن "العالم اليوم يمر بمرحلة يحاول فيها الجميع تخيل شكل المستقبل، وسط حالة من التساؤلات والغموض حول تأثير الذكاء الاصطناعي على أنماط حياتنا. ورغم أن الخيال العلمي ضرب من الخيال، فإنه يضع تصورا لتقدم البشرية. ويمتلك المبدعون في هذا النوع الأدبي القدرة على دفعنا للتفكير مليا في مكانتنا الحقيقة في هذا الكون". كما يوصي كافانا بقراءة سلسلة Foundation للكاتب إسحاق عظيموف، ومؤلفات آندي وير صاحب روايتي The Martian وProject Hail Mary.
أفضل نصيحة تلقاها: كانت من أحد مستثمري رأس المال المغامر الذين تعرف عليهم في دبلن، ونصحه عقب تعثر إحدى خططهم قائلا: "سجل هذه اللحظة، واكتب تفاصيلها، ودوِّن الأسباب التي تعتقد أنها أدت إلى هذا الإخفاق واستخلص الدروس منها، ثم امضِ قدما دون أن تثقل كاهلك، تجاوز الأمر فقط". ويضيف كافانا: "غالبا ما يميل الناس إلى التمسك بالأشياء، ربما لفترات أطول من اللازم، لكننا نعيش في عالم يغمره الغموض، وبيئة الأعمال متقلبة بطبيعتها، لذا يتعين عليك مواصلة السعي للأمام. استفد من الدروس، وواصل المسير".