تشهد الإمارات نموا متسارعا في قنوات سيولة الأصول الخاصة، والتي تشمل حصص الاستثمار المباشر واستثمارات رأس المال المغامر والصناديق العقارية وحيازات أصول البنية التحتية، بما يحاكي التحول العالمي الأوسع. فقد تجاوزت أحجام التداول في الأسواق الثانوية عالميا 160 مليار دولار في عام 2025، وقد تقترب من 200 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري، وفقا لبيانات شركة جيفريز التي نقلتها شركة ذا بلاتينوم كابيتال. وتتجلى استجابة الإمارات لهذا التوجه بصورة أوضح خلال الأشهر، إن لم يكن السنوات، القليلة الماضية؛ إذ يتجه جهاز أبوظبي للاستثمار وشركة أرديان نحو الاستثمار في الأسواق العقارية الثانوية، وأسست شعاع كابيتال وكي كابيتال صندوق للاستثمارات الثانوية لرأس المال المغامر، كما دشنت ستيك منصة لتسهيل التداول الثانوي لحصص الاستثمار العقاري
💡 البيع في الأسواق الثانوية يعني ببساطة بيع المستثمر حصته الحالية في صندوق أو عقار أو شركة إلى مشترٍ آخر، بدلا من انتظار بيع الأصل نفسه، أو تصفية الصندوق، أو طرح الشركة للاكتتاب العام أو الاستحواذ عليها، أو بيع العقار بالكامل.
استغرق هذا التحول عدة سنوات، ويأتي مدفوعا بمجموعة من العوامل. أحدها هو اتساع قاعدة المستثمرين؛ ففي السابق كان أصحاب الاستثمارات المباشرة من كبار الشركاء المحدودين والمكاتب العائلية التي لم تكن تركز كثيرا على السيولة المرحلية، وفقا لما قاله إسماعيل بدر الدين، مؤسس منصة فينبورسا لتكنولوجيا الأسواق الخاصة في تصريحات لإنتربرايز. ولكن مع انضمام شريحة من صغار المستثمرين والوافدين الجدد إلى هذه الفئة من الأصول، أصبحوا أكثر حرصا على امتلاك المرونة الكافية للتخارج قبل أن يصل الصندوق إلى مرحلة التصفية الكاملة أو يصل الاستثمار المباشر إلى الاكتتاب العام.
ويظهر المنطق ذاته في القطاع العقاري؛ فما زال النموذج الإماراتي التقليدي المتمثل في شراء العقارات والاحتفاظ بها ثم بيعها عبر صفقة مباشرة بين طرفين هو النمط السائد، وفقا لتصريحات ماثيو غرين، رئيس قسم الأبحاث لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة "سي بي آر إي"، لإنتربرايز. ومع ذلك، هناك شهية متزايدة نحو "التخارج الجزئي أو المرحلي" وإيجاد مسارات أسرع للحصول على السيولة "دون الاضطرار إلى بيع الأصل بالكامل".
يتفق غرين على أن المشترين الجدد أكثر اهتماما بالسيولة، فهذه الآليات تجذب "الجيل الجديد من المستثمرين الدوليين الأصغر سنا"، وفقا لغرين، وهم مستثمرون "دائمو التنقل بين الاستثمارات العالمية ويركزون على أسواق متعددة، وأكثر اعتيادا على معايير السيولة في أسواق الأسهم ومنصات الأصول البديلة". ويرى بدر الدين كذلك اهتماما من المكاتب العائلية والصناديق والمستثمرين الملائكيين وصغار المستثمرين الأفراد، قائلا: "الاهتمام يأتي من الجميع تقريبا".
ويتعلق الأمر أيضا بإتاحة الفرص لدخول الأسواق، إذ "كانت الأسواق الخاصة أشبه بمجتمعات مغلقة لفترة طويلة"، بحسب بدر الدين. صحيح أن التداولات الثانوية كانت متاحة، لكنها غالبا ما كانت تتم عبر شبكات مغلقة وعلاقات شخصية وليس منظومة واضحة المعالم. وعن ذلك أضاف قائلا: "لقد كانت هذه الخيارات موجودة، لكنها لم تكن متاحة لعموم المستثمرين أو يسهل الوصول إليها بنفس القدر".
والمرونة أيضا: إذ يقول بدر الدين إن عددا متزايدا من المستثمرين صاروا يرغبون في امتلاك خيار إعادة توجيه استثماراتهم عندما تتغير نسبة المخاطر في القطاعات أو المناطق الجغرافية المختلفة، مشيرا إلى أن "المستثمر [قد يرى الحاجة] إلى إعادة موازنة محفظته، فيتجه إلى بيع أصل ما وشراء آخر".
وصرح باسل مفتاح الشريك الإداري في كي كابيتال بتصريحات مشابهة في مقابلة معنا في وقت سابق من هذا العام، قائلا: "في ظل كل ما يحدث في أنحاء العالم، أصبحت الحاجة إلى السيولة تتزايد باستمرار […] ولطالما كانت أداة ضرورية لإدارة المحافظ، ولكن الآن مع المتغيرات العالمية، وتحديدا مع استغراق الشركات وقتا أطول للطرح في البورصة واحتفاظ المستثمرين بحصصهم لفترات أطول، نرى [فرصة] أكبر في المنطقة". وترى مصادر مطلعة في القطاع أن إطالة فترات الاحتفاظ بأسهم الاستثمار المباشر، واقتصار فرص طروحات الاكتتاب العام على فترات معينة، وصعوبة إتمام تخارجات البيع الاستراتيجي، من الأسباب الرئيسية التي تعزز الإقبال على الأسواق الثانوية.
المشهد الحالي
العوامل الجيوسياسية ليست العامل الوحيد: قلل بدر الدين من تأثير حالة الضبابية الجيوسياسية الأخيرة في تعزيز الإقبال على هذا التوجه، قائلا "لا أعتقد أن لها صلة على الإطلاق"، مضيفا أن "ذلك كان التوجه السائد خلال السنوات القليلة الماضية وسيظل اتجاها رئيسيا".
لكن الأمر قد يختلف في قطاع العقارات: يرى غرين أن "تغير الظروف الإقليمية يطرح الآن بالتأكيد مزيدا من التساؤلات حول الحاجة إلى التنويع والحد من تركز الاستثمارات في سوق واحدة أو فئة أصول واحدة".
كما أن أسعار الفائدة تضيف بعدا آخر: إذ يرى غرين أن حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية الإقليمية والضغوط التضخمية في الولايات المتحدة قد تشكل تحديا صعبا لجدوى استراتيجيات الاحتفاظ طويل الأجل في سوق العقارات بالإمارات. وهذا لا يعني أن المستثمرين يتسابقون للتخارج، لكنه يمنح مسارات التخارج المرنة قيمة أكبر.
لكن هناك عقبات
ما زالت مشاركة المستثمرين الأفراد محدودة النطاق؛ إذ تظل منصات الملكية الجزئية وإعادة البيع والتداول الثانوي محدودة في الوقت الحالي، كما يقول غرين، مضيفا "في هذه المرحلة، لم تتحقق بعد مشاركة الأفراد على نطاق واسع". لكنه يتوقع ظهور قاعدة أوسع بمرور الوقت، تشمل المستثمرين الأفراد والمكاتب العائلية الإقليمية ورؤوس الأموال المؤسسية والثروات الخاصة الدولية، إلا أن ذلك لن يتحقق إلا مع تحسن مستويات المعروض وجودة الأصول وحجم المحافظ فضلا عن تعزيز سيولة السوق. كما أن العديد من المنصات الثانوية ما زالت حديثة العهد؛ فالصندوق الذي أسسته كي كابيتال وشعاع للاستثمارات الثانوية لرأس المال المغامر هو الأول من نوعه في المنطقة.
قد لا يكون رأس المال هو العائق الأكبر: يوضح بدر الدين أن العائق الحقيقي غالبا ما يتمثل في العراقيل التشغيلية مثل العثور على المشترين والتوفيق بين عروض البيع والطلب وإتمام الصفقات ومنح المستثمرين رؤية واضحة للفرص الثانوية المتاحة. ويضيف أن التكنولوجيا قد تمكن المستثمرين من الاستغناء عن فكرة الاعتماد على "وسيط واحد للبحث عن مشترٍ أو بائع".
لذا تراهن فينبورسا على قدرة الذكاء الاصطناعي في تقليل الأعباء الإدارية: إذ يشير بدر الدين إلى أن منصات مثل فينبورسا تستخدم التكنولوجيا "للمساعدة في تسريع وقت المعالجة" لعمليات الشراء والتخارج الثانوية، مع تزويد المستثمرين بمزيد من المعلومات عن الصفقات المتاحة.
كما أن تسعير الأصول ما زال يشكل تحديا: يرى غرين أن أبرز التحديات بالنسبة لقطاع العقارات هو محدودية أحجام المعاملات وغياب شفافية التسعير. ويقول عن ذلك: "مع انخفاض أحجام المعاملات وغياب آليات تحديد السعر العادل يظل من الصعب على مشتري السوق الثانوية تسعير الحصص الجزئية بدقة وعلى نحو موثوق". كما أنه بدون توفر بيانات موثوقة للمقارنة، يمكن أن تتسع الفروق السعرية بين العرض والطلب بما يؤدي إلى تعطل الصفقات.
نقص المعروض هو العائق الآخر: تشكل الأصول المجزأة أو المهيكلة بما يسمح بتداولها في السوق الثانوية حصة صغيرة من إجمالي سوق العقارات، حسبما يرى غرين، مضيفا أن الأمر يتطلب وجود عدد كافٍ من المشاركين والمنتجات ليعمل السوق بكفاءة". وإلى أن يشهد السوق معروضا كافيا من الأصول، سيظل من الصعب إيجاد سيولة حقيقية.
المرونة لها ثمن بالتأكيد: غالبا ما يضطر البائعون في السوق الثانوية إلى قبول خصم على قيمة استثماراتهم، لا سيما في حصص الشركات الخاصة، وفقا لبدر الدين.
كما أن اللوائح التنظيمية ما زالت تحاول مواكبة التطورات. يشير غرين إلى عدم توحيد الأطر التنظيمية للشركات المحلية ومركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي وغيرها، إذ يتبنى كل منها قواعده الخاصة لتنظيم هياكل الاستثمار والتحويلات وحماية المستثمرين. ويرى أن مواءمة هذه الأطر قد يحسن كفاءة السوق ويعزز ثقة المستثمرين. كما يؤكد بدر الدين ضرورة قيام الجهات التنظيمية بحماية كلا طرفي المعاملات وتقليل مخاطر "سوء المعاملة أو الاحتيالات المحتملة"، إذ أن ضعف الحماية من شأنه أن يضر بالثقة قبل أن تتاح الفرصة لنمو السيولة.
ما الخطوة التالية؟
الأسواق الثانوية للأصول الخاصة قد تصبح النمط المعتاد، "فهذا هو التوجه القادم"، حسبما أشار إليه بدر الدين عند سؤاله عما إذا كانت التداولات الثانوية ستصبح مكونا أساسيا من إدارة محافظ الأسواق الخاصة. ورغم الحاجة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية المناسبة والرقابة التنظيمية، فإنه يتوقع أن تصبح التداولات الثانوية "ممارسة روتينية ومعتادة" في إدارة هذه المحافظ.
القطاع العقاري قد يستغرق وقتا أطول: يتوقع غرين أن تصبح منتجات الاستثمار العقاري الأكثر قابلية للتسييل وللتداول في الإمارات جزءا دائما من السوق على المدى الطويل، لكنه يشير إلى أن "الجدول الزمني سيكون على الأرجح أطول مما يتوقعه العديد من المشاركين في السوق".
كما أن التحديات الإقليمية لا تساعد على تسريع هذا التحول: يرى غرين أن " فئات الأصول الجديدة ستواجه على الأرجح تحفظا أكبر [مقارنة بفترة ما قبل اندلاع الحرب]، لا سيما وأن نماذج الملكية الجزئية وترميز الأصول ما زالت غير مفهومة بشكل كامل".