تفتح وزارة التجارة الأمريكية الباب على مصراعيه أمام الإمارات للحصول على أحدث الرقاقات والأقمار الصناعية والمعدات الدفاعية الأمريكية. فقد قرر مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأمريكية ترقية الإمارات إلى الدول المندرجة ضمن فئة A:5، ما يمنح الحكومة الإماراتية والكيانات التجارية الإماراتية المعتمدة فرصا أوسع للاستفادة من إعفاءات التراخيص الخاصة بالصادرات الأمريكية الاستراتيجية، وفقا لإفصاح في السجل الفيدرالي الأمريكي (بي دي إف).
الرقاقات تتصدر المشهد: أصبح بإمكان الحكومة الإماراتية والشركات المعتمدة الآن الحصول على بعض تقنيات الحوسبة المتقدمة دون الحاجة إلى تراخيص أمريكية، وهو ما يتماشى مع إطار التعاون الموقع في مايو 2025 بين البلدين في مجال الذكاء الاصطناعي. ويسهل التصنيف الجديد تصدير المعدات العسكرية، والأقمار الصناعية التجارية، والمركبات الفضائية، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج المرتبطة بقطاعات النفط والغاز، وتحلية المياه، والطاقة النووية المدنية.
الكيانات المستفيدة: أُدرجت شركتا "جي 42" و"كور 42" ضمن الجهات الإماراتية المعتمدة للحصول على تقنيات الحوسبة المتقدمة. ويشمل القرار أيضا شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية العاملة في الدولة، ومنها أمازون وأبل وغوغل وميتا ومايكروسوفت و"أوبن إيه آي" وأوراكل و"إكس إيه آي". كما حظيت شركة "إم جي إكس" الإماراتية بتسهيلات إضافية أيضا، إذ تعتزم وزارة التجارة الأمريكية إجراء "مراجعة إيجابية" لطلبات التراخيص الخاصة بالرقاقات والخوادم للشركة الواقع مقرها في الإمارات.
💡 يصنف مكتب الصناعة والأمن الدول في فئات بناء على المخاطر المتعلقة بالرقابة على الصادرات. وتخصص فئة A:5 للحلفاء المقربين للولايات المتحدة، وأغلبهم من أعضاء حلف شمال الأطلسي، المؤهلين للاستفادة من أكبر حزمة ممكنة من إعفاءات التراخيص. ولذلك فإن نقل الإمارات من الفئتين D:3 وD:4 اللتين تخضعان لقيود على تكنولوجيا الصواريخ والأسلحة الكيميائية والبيولوجية إلى فئة A:5 لا تمثل مكسبا تجاريا فحسب، بل تحمل بعدا استراتيجيا يعكس حجم الثقة المتبادلة.
دلالة التوقيت: عزت وزارة التجارة الأمريكية هذا القرار إلى عقود من التعاون بين البلدين بشأن إيران ووكلائها، وتصنيف الإمارات كشريك دفاعي رئيسي في عام 2024، بالإضافة إلى اتفاقية التكنولوجيا الحيوية الموقعة في مايو 2025 والتي تشمل مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. ويبرز الجانب الجيوسياسي بوضوح في خلفية القرار، إذ ينص الإفصاح على أن الإمارات "أدت دورا رئيسيا في تعزيز المصالح الأمريكية" خلال عملية الغضب الملحمي، في إشارة إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران التي بدأت في فبراير.
السياق- يتعمق هذا التعاون التكنولوجي منذ فترة؛ فقد أعلن البلدان العام الماضي عن خطط لإنشاء مجمع لمراكز بيانات بسعة 5 غيغاوات في أبوظبي ضمن اتفاقية استثمارية أشمل بقيمة 200 مليار دولار، في حين انضمت الإمارات في وقت سابق من هذا العام إلى مبادرة باكس سيليكا التي تقودها واشنطن لتأمين سلاسل التوريد. كما تعزز "جي 42" وجودها في السوق الأمريكية، إذ سبق أن أعلنت مجموعة الذكاء الاصطناعي الواقع مقرها في أبوظبي عن خططها لاستثمار عشرات المليارات من الدولارات في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات في الولايات المتحدة. وتعمل وحدتها "كور 42" حاليا على توسعة منشأتها المخصصة لدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بمجمع ليك مارينر في نيويورك لتصل سعتها إلى 60 ميغاوات، مع إضافة بعض لوازم البنية التحتية من شركتي "إيه إم دي" وإنفيديا بعد موافقة واشنطن على تصدير رقائق إنفيديا.
الجانب الدفاعي حاضر أيضا: تربط الولايات المتحدة والإمارات شراكة دفاعية وثيقة، ويأتي تخفيف قيود التصدير في وقت تكثف فيه الإمارات جهودها لتوطين قدراتها الدفاعية وتنويع سلاسل توريدها العسكرية. وقد كشفت المواجهات الأمريكية الإيرانية عن معضلة اقتصادية، إذ أفاد محللون لإنتربرايز سابقا بأن الأنظمة الدفاعية التي كانت تستخدم لاعتراض الطائرات الإيرانية المسيرة، والتي تتراوح تكلفتها بين 20 ألف و100 ألف دولار، تصل تكلفتها إلى ما بين 3 ملايين و12 مليون دولار للضربة الواحدة.
إعفاء مشروط: لا يعد هذا القرار إعفاء شاملا بلا قيود، فالموافقة على حصول شركتي "جي 42" و"كور 42" على تقنيات الحوسبة المتقدمة دون ترخيص ستنتهي تلقائيا بعد 270 يوما ما لم يصدر إشعار آخر من مكتب الصناعة والأمن، مع الإبقاء على ضوابط الاستخدام والمستخدمين النهائيين. كما أكد المكتب أنه سيحتفظ بوجود ممثل لرقابة الصادرات في الإمارات، وسيتعاون مع السلطات المحلية لمراقبة السلع والتكنولوجيا الأمريكية الحساسة التي تمر عبر الشبكة اللوجستية للدولة.
الإمارات تحتفي بالقرار: قال السفير الإماراتي يوسف العتيبة، في بيان صدر عن السفارة، إن القرار "يفتح آفاقا جديدة" أمام البحث والتطوير المشترك، وتعميق التعاون التكنولوجي، وتوسع آفاق التجارة، وتعزيز الشراكة الدفاعية.
تحفظات في واشنطن: في المقابل، انتقدت السناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن القرار، معتبرة أنه يتيح لشركة "جي 42" الاستفادة دون تراخيص من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، كما أنه يقدم وعودا بمعاملة استثنائية لشركة "إم جي إكس"، "رغم المخاوف المثارة" بشأن انتقال هذه التكنولوجيا الحساسة إلى الصين وغيرها من التهديدات المتعلقة بالأمن القومي، وفقا لما نقلته رويترز. وذلك رغم تخارج "جي 42" في وقت سابق من شركة هواوي وقطع علاقاتها مع شركات التكنولوجيا الصينية من أجل تأمين الشراكة مع الولايات المتحدة وضمان تصدير الرقاقات.
ما نترقبه: يتيح هذا القرار للإمارات حيزا أكبر لبناء البنية التحتية المادية التي تدعم طموحاتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والدفاع، والفضاء، والطاقة، لكنه يظل مقتصرا على الكيانات التي تثق بها واشنطن. وسيكون الاختبار التالي هو معرفة الجهات التي ستضاف إلى القائمة المعتمدة، ومدى سرعة وصول هذه الرقاقات والخوادم على أرض الواقع.