لم تعد مساعي تنويع مصادر التسلح في الإمارات تقتصر على مجرد شراء الأسلحة من جهات أكثر، وإنما تعمل أبوظبي حاليا على تعزيز علاقاتها مع أوروبا والهند وكوريا الجنوبية، بهدف تقليل الاعتماد على حفنة من الموردين، والحصول على التقنيات المتقدمة صعبة المنال، إلى جانب توطين الصناعات الدفاعية، حتى مع استمرار اعتمادها على الأنظمة الأمريكية، حسبما صرح محللون لنشرة إنتربرايز الإمارات الصباحية.
تعتمد الإمارات في هذه المساعي على استراتيجية تحوط وعلى سياسة صناعية في الوقت نفسه؛ إذ تسعى لزيادة مساحة المناورة المتاحة لديها في العالم الحالي متعدد الأقطاب، إلى جانب دفع الشركاء الأجانب للمساهمة في تعزيز التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير القوى العاملة، وتوسيع القدرات التصديرية، إلى جانب تملك حقوق الملكية الفكرية. كما تمتلك الإمارات حاليا من النفوذ المالي ما يكفي لدفع الموردين التقليديين لتجاوز علاقة المشتري والبائع التقليدية. ويمتد هذا التوجه من المعدات العسكرية (مثل الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي) إلى التقنيات مزدوجة الاستخدام، مثل تقنيات التشفير المتماثل وغيرها، والتي باعها مؤخرا معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي لشركة أوباك الأمريكية.
وتظهر التحركات الأخيرة جانبي هذه الاستراتيجية؛ إذ تخوض الإمارات محادثات أولية لشراء صواريخ براهموس الهندية الجوالة فوق الصوتية ونظام أكاشتير الهندي الآلي للدفاع الجوي، في حين يهدف إطار العمل المبرم بين الإمارات والهند في مايو الماضي إلى تعميق التعاون الصناعي الدفاعي وتشارك التكنولوجيا. وعلى صعيد التعاون مع كوريا الجنوبية، تدرس مبادلة الاستثمار في صندوق يسعى للاستحواذ على حصة مسيطرة في شركة "إم إن سي سوليوشن" الكورية الجنوبية للصناعات الدفاعية، وذلك بعدما وقع البلدان اتفاقية دفاعية بقيمة 35 مليار دولار في وقت سابق من هذا العام، تتضمن حزمة مشاريع مشتركة بقيمة 65 مليار دولار. كما أفادت تقارير بأن المسؤولين استكشفوا إمكانية تأسيس منصة استثمارية متخصصة في القطاع الدفاعي للاستحواذ على حصص في شركات تصنيع دولية، بالتوازي مع تعزيز قدرات التصنيع المحلي.
لماذا الآن؟ رغم أن هذا التحول مستمر منذ سنوات، فإن التهديدات الأخيرة جعلت دوافعه أكثر إلحاحا. ويرى مالكولم لاين، مدير الاستشارات في قطاع الدفاع والأمن الوطني لدى شركة إرنست يونغ الشرق الأوسط، أن علاقات التوريد التقليدية "لا تستطيع التكيف بالسرعة الكافية" عندما تستنزف الصراعات مثل الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهات الأمريكية الإيرانية الذخائر والأنظمة والقدرات التشغيلية لسلاسل التوريد.
تذكر: كشفت الحرب أيضا عن مشكلة اقتصادية، تتمثل في أن المسيرات الإيرانية التي تتراوح تكلفة الواحدة منها بين 20 ألف و100 ألف دولار تعترضها أنظمة تكلفة الصاروخ الواحد فيها ما بين 3 ملايين و12 مليون دولار، وهو نموذج وصفه محللون في تصريحات سابقة لإنتربرايز بأنه لن يكون مستداما في حالة اتساع نطاق الهجمات.
وتطبق الإمارات رؤيتها في السياسة الخارجية على ملف المشتريات؛ إذ لطالما نجحت في الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع أطراف متعددة، حسبما أشار لاين، مضيفا أن الهدف الآن هو تطبيق "النهج نفسه على خطوط التوريد"، لتجنب "الاعتماد المفرط على دولة بعينها". لكن الولايات المتحدة تظل ذات أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للإمارات؛ إذ تقول دينا أراكجي، المحللة لدى كونترول ريسكس، في تصريحات لنشرتنا إن "استراتيجية التنويع هذه لا يمكن أن تستبدل الولايات المتحدة، لأنه لا يمكن لأي مزيج من الشركاء الأوروبيين والهنود والكوريين الجنوبيين أن يوفر نفس الدعم الدفاعي الذي تقدمه واشنطن".
ولا تزال البنية التحتية العسكرية للإمارات تعتمد بشكل كبير على ما توفره الولايات المتحدة من معدات وخدمات لوجستية وتكامل تشغيلي وتدريب. وتظهر المشتريات الأخيرة أن التعامل ما زال قائما مع الولايات المتحدة، إذ اشترت أبوظبي أنظمة دفاعية بقيمة 147.6 مليون دولار من واشنطن، ضمن حزمة مبيعات عسكرية للمنطقة بقيمة 8.6 مليار دولار في مايو الماضي.
إذن، ما الذي تسعى إليه أبوظبي فعليا؟ توضح أراكجي أن الإمارات تعمل على تقليل الاعتماد المفرط على مورديها التقليديين، وتحاول الحصول على تقنيات وقدرات لا يمكنها الحصول عليها منهم بسهولة. والصفقة المتعثرة لشراء طائرات "إف-35" خير مثال يوضح كيف يمكن لضوابط التصدير والمخاوف المتعلقة بأمن التكنولوجيا والتطورات الجيوسياسية أن تعقد مساعي الحصول على الأسلحة، حتى من أهم الشركاء الدفاعيين للإمارات.
خريطة المشتريات الجديدة
أوروبا هي الخيار الأقرب: تصف أراكجي السوق الأوروبية بأنها الأكثر نضجا بعد السوق الأمريكية، إذ تتمتع بقدرات برية وبحرية وجوية راسخة، إلى جانب قدراتها المتقدمة في الحرب الإلكترونية والأمن السيبراني. كما تعمل فرنسا والمملكة المتحدة وفقا لمعايير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يجعل منتجاتهما أكثر توافقا مع الأنظمة الإماراتية ذات الطابع الأمريكي. فرغم قدرة الإمارات على تنويع الموردين، فإن الأنظمة الجديدة لا تزال بحاجة للاندماج مع بنيتها العسكرية القائمة بالأساس على المنصات الأمريكية.
الهند توفر الحجم والاختبارات وتعدد سلاسل التوريد: اتسع نطاق التعاون العسكري بين الإمارات والهند في عهد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ليشمل تبادل الخبرات والتدريبات والتمارين والأمن البحري، وفقا لأراكجي. لكنها تشير إلى أن العلاقة ما زالت تفتقر إلى الطابع المؤسسي والصناعي الذي تتسم به علاقات الإمارات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى.
وقد ظهرت هذه الفجوة بالفعل في الأرقام؛ إذ انخفضت الصادرات الدفاعية الهندية إلى الإمارات إلى النصف خلال السنة المالية لعام 2025 لتصل إلى 1.3 مليار دولار، بينما ارتفعت الواردات الهندية من الإمارات بنسبة 71% لتصل إلى 3.1 مليار دولار. وكان الفريق المتقاعد في الجيش الهندي ديبيندرا هودا قد صرح سابقا لنشرة إنتربرايز بأن التجارة الدفاعية بين الهند والإمارات "تظل مرحلية وليست جزءا من بنية المنظومة نفسها".
ويرى لاين أن القيمة الحقيقية للهند تكمن في أبحاث التطوير وميادين الاختبار وتوفير المكونات والأجزاء الفرعية. فالهدف لا يقتصر على الشراء من الهند فحسب، بل يشمل إتاحة "مسارين أو ثلاثة مسارات مختلفة" للحصول على المكون نفسه، وهو نهج تشتد الحاجة إليه عند اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
أما كوريا الجنوبية فهي المصدر الأكثر أهمية خارج أوروبا والولايات المتحدة؛ إذ تتمركز وحدة "أخ" العسكرية التابعة لسيول في الإمارات منذ عام 2011، وسبق أن دعمت الدولة منظومة الدفاع الجوي الإماراتية عبر نظام صواريخ "شيونغونغ 2"، بحسب أراقجي. وباعتبارها حليفا وثيقا للولايات المتحدة، فإن منتجاتها لا تمثل مشكلة كبيرة على صعيد توافق الأنظمة مقارنة بالموردين غير الغربيين الآخرين. وميزتها الأساسية تكمن في صناعتها الضخمة؛ إذ توفر كوريا الجنوبية "قدرات ميكانيكية وخبرات تصنيعية هائلة"، حسبما أشار لاين، موضحا أن قطاع بناء السفن هو نموذج يمكن للإمارات التعلم منه، ولهذا فإن المسار الكوري يتعلق برؤوس الأموال والتمكين الصناعي بقدر ما يتعلق بالمشتريات نفسها.
الاحتياجات تغيرت عن الماضي
لم تعد الإمارات ترغب في أن تظل مجرد عميل. فتوضح أراكجي أن "الأهداف الدفاعية للإمارات صارت تركز أكثر على التنمية الصناعية جنبا إلى جنب مع المشتريات العسكرية". وهذا يعني أن الشراكات أصبحت مطالبة بدعم التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير القوى العاملة، وبناء القدرات الوطنية من خلال كيانات مثل إيدج ومجلس توازن.
ولهذا السبب أيضا لا يمكن لما تعرضه الهند أن يعتمد على التوافق السياسي وحده، بل يتعين عليها تلبية المعايير الجديدة للإمارات كمشتر. وكان كبير تانيجا، المدير التنفيذي في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث بالشرق الأوسط، قد صرح سابقا لنشرة إنتربرايز بأن الإمارات تريد "أنظمة مجربة في المعارك وقابلة للنشر فورا"، إلى جانب التصنيع المحلي وتشارك التكنولوجيا.
يلخص لاين ذلك الأمر في أن الإمارات تحولت من كونها مجرد عميل إلى شريك تصنيعي. كما أن خبرتها التشغيلية تمنحها نفوذا أكبر، لأن الأنظمة إماراتية الصنع جرى استخدامها في الميدان بالفعل، ما يوفر بيانات ودروسا يستفيد منها الشركاء الأجانب.
والملكية الفكرية هي الهدف القادم: تسعى الإمارات الآن إلى "امتلاك حقوق الملكية"، بحسب لاين. كما أصبحت أكثر كفاءة في تحديد القدرات السيادية التي ينبغي عليها الاحتفاظ بها، والتقنيات التي يمكن التفاوض بشأنها، والأنظمة التي يمكن استيرادها من الخارج.
كما أن تنويع المشتريات يزيد من تنوع الأسواق التصديرية، إذ باعت الشركات الإماراتية منتجات بالفعل لأسواق البرازيل وأوروبا وجنوب شرق آسيا، وفقا للاين.
العقبات والتحديات
ضوابط التصدير لا تزال تعرقل تلك المساعي: قد يكون الشركاء الأجانب مستعدين لتجميع الأنظمة أو المشاركة في إنتاجها محليا، لكنهم غالبا ما يكونون غير مستعدين لنقل حقوق الملكية، بحسب أراكجي. كما أن الإنتاج المحلي قد يظل مكلفا ومعتمدا على الخبرات الأجنبية، ما يعقد هدف الإمارات في تحقيق الاستقلالية.
لكن الإمارات صارت أكثر مهارة في المساومة. فيقول لاين إن أبوظبي "بارعة جدا في الحفاظ على الأرضية المشتركة"، وتفهم حدود كل علاقة وتحافظ على ثقة الأطراف المختلفين. وهذا الحرص على الموازنة "بالغ الأهمية"، لكنه يتطلب تفاوضا مستمرا.
التوسع هو الاختبار الحقيقي: يكمن التحدي في أن الإمارات بحاجة إلى عمالة ماهرة، ومواد خام، وسلاسل توريد آمنة، ومؤسسات أكاديمية، وقدرات بحث وتطوير لمواصلة التوطين بالسرعة المطلوبة، بحسب لاين.
وبصمة مجموعة إيدج الخارجية مؤشر واضح على ذلك؛ فيستشهد لاين بتأسيس مقر لإيدج في فرنسا كدليل على أن شركات الدفاع الإماراتية تبني منصات عالمية، بدلا من الاكتفاء يجذب الشركاء للداخل. إذ افتتحت إيدج مقرها الرئيسي في باريس، ووقعت إطار تعاون مع الإدارة العامة الفرنسية للتسليح، وتخطط لتأسيس منشأة للهندسة والتصنيع في بوردو. كما عقدت شراكات أوروبية مع شركات مثل "فور آي جي"، وليوناردو، و"إي إم آند إي"، وسافران.
ما نترقبه: يتوقع لاين المزيد من التعاون في الاتجاهين، بأن تستخدم الشركات الأجنبية الإمارات كقاعدة إقليمية للتصنيع والصيانة والإصلاح والتجديد والتوسع في الأسواق. في حين ترى أراكجي أن الدليل الحقيقي على التحول الصناعي طويل الأجل سيكون في إبرام اتفاقيات المشاريع المشتركة، وتأسيس برامج البحث والتطوير المستدامة، ودمج المكونات المصنعة في الإمارات ضمن المنصات الأجنبية.