قد يلقي الصراع الإقليمي بظلاله على شهية بعض المستثمرين الأجانب تجاه المنطقة (وإن لم يتأثر جميعهم، إذا اعتبرنا الطفرة الاستثمارية الأخيرة في الإمارات مؤشرا على ذلك)، لكن المؤسسات الإقليمية ستكثف جهودها على الأرجح لتحاول الاستفادة من مسيرة النمو في منطقة الخليج والفرص الواعدة المتاحة.
ولا تفتقر البنوك الإقليمية إلى فرص الإقراض؛ وإنما من المتوقع أن تتزايد هذه الفرص على المدى القريب، بل وستكتسب أهمية أكبر مع سعي دول المنطقة إلى إصلاح البنية التحتية المتضررة وتنويع سلاسل التوريد الخاصة بها وسط الاضطرابات المستمرة، حسبما صرح عمار بومجداد، رئيس بنك المشرق في الكويت، لنشرة إنتربرايز.
تذكر: تواجه منطقة الخليج حاليا فاتورة باهظة تصل إلى 58 مليار دولار لإصلاح مرافق الطاقة الحالية، فضلا عن ارتفاع تكاليف المواد الخام.
وبالنسبة للكيانات الإقليمية، فالظروف الحالية لا تدعو إلى التراجع بقدر ما تتيح فرصة لتعزيز حضورها، لا سيما في دول المنطقة التي تحظى بآفاق واسعة للنمو والتنويع في قطاعات مختلفة، مثل الكويت.
تمثل قصة النمو في الكويت نموذجا مثيرا للاهتمام. إذ تستفيد البلاد من حزمة إصلاحات جارية منذ حل مجلس الأمة في عام 2024، شملت إلغاء شرط وجود وكيل محلي لعمل الشركات الأجنبية، ورفع سقف الدين السيادي، إلى جانب زيادة الإنفاق على المشاريع والبنية التحتية. ورغم الصراع، أرست الكويت عقودا بنحو 8.1 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026 وحده، بزيادة تتجاوز خمسة أمثال على أساس سنوي، مع حزمة مشاريع قيد التنفيذ بلغت قيمتها 36 مليار دولار بنهاية العام الماضي.
يأتي هذا في ظل تأثير الحرب الإقليمية على البنية التحتية في المنطقة، لا سيما مرافق مثل محطات الطاقة وغيرها من المرافق الحيوية. إذ يقول بومجداد: "أجرينا محادثات أولية مع عدد من شركات المقاولات، وأكدنا لها استعدادنا لدعمها. نحن مستعدون للشراكة مع العملاء من خلال تقديم حلول تمويلية تنافسية ومهيكلة بعناية، مع مراعاة وضعنا الحالي". ويضيف أن المشاريع التي ستحتاج إلى دعم تمويلي تشمل محطات الطاقة ومشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية.
التحول نحو النمو المنضبط
تأتي قدرة البنك على تقديم هذا الدعم اليوم نتيجة تحول استراتيجي استمر لعدة سنوات. فمنذ بدء عملياته في الكويت عام 2009، ابتعد بنك المشرق عن قطاعي خدمات الأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة ليتجنب تشتيت جهوده، وسلط تركيزا شبه حصري على الشركات الكبرى والكيانات المرتبطة بالحكومة والشركات متعددة الجنسيات.
ويشير بومجداد إلى أن "شهية البنك للمخاطر تغيرت [بمرور الوقت]". فعلى مدى العقد الماضي، ولا سيما خلال السنوات الخمس الماضية، اتبع البنك استراتيجية "النمو المنضبط". ويعني ذلك الانتقائية الشديدة في اختيار العملاء الجدد، والتركيز خلال فترات التقلبات وتزايد الضبابية على تعميق العلاقات مع العملاء الحاليين الموثوقين.
ويوضح بومجداد ذلك قائلا: "في المواقف التي يرتفع فيها مستوى عدم اليقين، نفضل تعميق علاقاتنا مع [العملاء] الحاليين لأننا نعرف ملف المخاطر الخاص بهم".
فرص الشركات متعددة الجنسيات
كذلك يرصد البنك زيادة في اهتمام الشركات الكبرى متعددة الجنسيات عقب إلغاء شرط الوكيل المحلي في عام 2024، وهو ما يغير المشهد الاستثماري في الكويت، بحسب ما ذكره بومجداد. فقد بدأت شركات مثل غوغل ومايكروسوفت بالفعل في التحرك لبناء مراكز بيانات ضخمة في البلاد، مدعومة بالحصول على أراض وتسهيلات حكومية.
وأضاف بومجداد أن "الكويت تحظى بركائز أساسية قوية، منها ثروة سيادية تتجاوز تريليون دولار، وجدارة ائتمانية قوية مستقرة عند تصنيف "-AA"، ودين سيادي منخفض يتيح متسعا كبيرا للاقتراض، مما يمنح الثقة لأي مستثمرين [يرغبون] في دخول السوق. ومع تطور اللوائح التنظيمية، وزيادة عمق أسواق المال، وتسارع وتيرة المشاريع الاستراتيجية، ستضطلع البنوك التي تحظى بحضور إقليمي واسع وترابط دولي، مثل بنكنا، بدور حاسم".
وبالنسبة لبنك المشرق، الذي يعد بنكا إقليميا في جوهره ويتمتع في الوقت ذاته بحضور دولي من خلال مكاتبه في الولايات المتحدة وعدة دول آسيوية، يمثل هذا المشهد بيئة مثالية للعمل. إذ يحظى البنك بموقف قوي يتيح له تمويل الشركات التي تعمل عبر هذه المناطق المختلفة، سواء بين الكويت والولايات المتحدة، أو بين الكويت وبقية دول الخليج. ويختتم بومجداد حديثه قائلا: "بدلا من الذهاب إلى دولة جديدة والتعامل مع بنك جديد لم يسبق له التعامل معك، ستتعامل معنا، فنحن نعرفك ونعرف ملف المخاطر الخاص بك ونتقبله".