لدينا أخبار سارة وأخرى سيئة من وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال؛ إذ نشرت الوكالة التقييم الأشمل حتى الآن لتداعيات الحرب على اقتصاد دولة الإمارات.
لنبدأ بالخبر السيئ. توقعت الوكالة انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات بنسبة 2.7% في عام 2026، بعد النمو القوي البالغ 6.2% في عام 2025. كما رجحت تراجع متوسط إنتاج النفط إلى ما بين 2.5 و2.6 مليون برميل يوميا خلال العام الجاري، انخفاضا من متوسط 3.14 مليون برميل يوميا في عام 2025. وفي الوقت نفسه، سجل قطاع السياحة تراجعا ملحوظا وتباطأ القطاع العقاري، فيما تلقت قطاعات التصنيع والتجارة والإنشاءات ضربة قوية، وهي قطاعات تشكل مجتمعة نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.
أما الخبر السار؛ فقد أكدت الوكالة أن الإمارات دخلت الأزمة بوضع قوي للغاية؛ إذ تعادل أصول صناديق الثروة السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي نحو 200% من الناتج المحلي الإجمالي. ويبلغ سعر تعادل النفط في الموازنة العامة نحو 45 دولارا للبرميل، وهو من بين أدنى أسعار التعادل في العالم. فيما بلغ متوسط النمو غير النفطي نحو 7% سنويا على مدى خمس سنوات. كما أن الاحتياطات الوقائية للدولة هائلة لدرجة أنه حتى في أسوأ السيناريوهات، وهو توقف إنتاج النفط تماما دون خفض الإنفاق، لن تواجه الحكومة عجزا ماليا إلا بعد نحو ستة أشهر، وفقا لتقديرات الوكالة.
وثمة أخبار سارة أخرى؛ إذ يفترض السيناريو الأساسي للوكالة أن اضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز ستبدأ في الانحسار خلال النصف الثاني من العام الجاري، في أعقاب مذكرة التفاهم الأولية الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في وقت سابق من هذا الشهر.
لكن التعافي سيكون تدريجيا بشرط صمود الهدنة؛ إذ سيستغرق معالجة العقبات التشغيلية والبنية التحتية المتضررة والقيود المفروضة على تأمين الشحن واستمرار عزوف المستثمرين عن المخاطرة بعض الوقت. ومن المرجح ألا نشهد تعافيا حقيقيا حتى عام 2027، وهو العام الذي تتوقع فيه الوكالة زيادة إنتاج النفط وانتعاش حركة السياحة واستقرار القطاع العقاري، فضلا عن تحقيق فوائض مالية بمتوسط 7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة بين عامي 2027 و2029.
الخروج من عباءة أوبك سيدعم مستويات الإنتاج. إذ تتوقع وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال أن ترفع شركة أدنوك إنتاجها من النفط إلى 4 ملايين برميل يوميا العام المقبل، صعودا من 3.4 مليون برميل يوميا في فبراير، على أن يصل إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2029. وكان الهدف المعلن عنه لأدنوك هو الوصول إلى 5 ملايين برميل يوميا العام المقبل. وبناء على هذه الأرقام، تتوقع الوكالة أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 6% خلال الفترة بين عامي 2027 و2029.
تباين المشهد بين الإمارات المختلفة
لا تتأثر جميع الإمارات بدرجة متساوية؛ إذ كشفت الحرب عن فجوة هيكلية لطالما كانت موجودة، وتتمثل في اعتماد أبوظبي الكبير على النفط والغاز الطبيعي مقابل القاعدة الاقتصادية الأكثر تنوعا في الإمارات الشمالية.
توقعت الوكالة أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي لأبوظبي بنحو 9% هذا العام، لتسجل أكبر انكماش بين جميع الإمارات، منوهة إلى أن قطاع النفط والغاز يشكل نحو 44.4% من اقتصاد الإمارة، إلى جانب تضرر نشاط القطاع غير النفطي.
ورجحت انكماش اقتصاد دبي بنحو 2.5%، وهو ما يمثل ضربة قوية لاقتصاد يرتكز على قطاعات الضيافة والتجارة والعقارات. ففي دبي، انخفضت نسب إشغال الفنادق إلى نحو 33% في مارس 2026، ما يمثل تراجعا حادا من 84.7% في فبراير. كما علقت العديد من شركات الطيران رحلاتها إلى الشرق الأوسط حتى الربع الثالث من العام الجاري على الأقل، مما يشير إلى أن تباطؤ إقبال السياح الوافدين لم ينتهِ بعد. وتراجعت أحجام المعاملات العقارية تراجعا حادا منذ مارس، فيما تتوقع الوكالة انخفاض الأسعار والإيجارات خلال العام الجاري مع طرح معروض جديد في سوق يشهد تباطؤا بالفعل. وتشير الوكالة في تقييمها إلى أن فئتي العقارات الفاخرة وفائقة الفخامة هما الأكثر عرضة للتأثر، نظرا لأن أصحاب الثروات الضخمة لديهم خيارات بديلة أكثر.
وعلى عكس التوقعات، جاء أداء إمارتي الشارقة ورأس الخيمة جيدا نسبيا، إذ توقعت الوكالة نمو اقتصاد كليهما بنحو 2% هذا العام. وتستفيد الشارقة من قربها من دبي؛ لا سيما وأن التكاليف المرتفعة في دبي قبل الحرب كانت تعزز الإقبال على التوجه نحو الشرق بالفعل، إلى جانب الاستقرار النسبي للعقارات الصناعية، وحركة التجارة عبر ميناء خورفكان الذي يقع خارج مضيق هرمز ويشهد مناولة أحجام حاويات أعلى بكثير منذ تباطؤ وتيرة العمل في مينائي جبل علي وخليفة.
أما إمارة رأس الخيمة، فتشهد طفرة في السياحة المحلية، ما عوض التراجع المشهود في أعداد السائحين الوافدين، كما ساهم الطلب على منتجاتها التعدينية داخل الإمارات ومنطقة الخليج في تخفيف حدة تراجع الصادرات. وقد استؤنف العمل في مشروع وين ومعظم الاستثمارات العقارية والسياحية بعد توقف وجيز في بداية الحرب.
ومن المرجح أن تكون إمارة الفجيرة (غير المصنفة من الوكالة) من بين المستفيدين أيضا؛ إذ ارتفع نشاط مينائها ارتفاعا ملحوظا للسبب ذاته المرتبط بميناء خورفكان: لأنه يقع خارج المضيق ويمكن الوصول إليه عند صعوبة الوصول إلى الموانئ الرئيسية. ومن المقرر أيضا أن تجذب الفجيرة مجموعة من الاستثمارات الجديدة ضمن المساعي الحكومية لتقليل الاعتماد على المضيق، بما في ذلك تطوير خطوط أنابيب جديدة وشبكات سكك حديدية وطرق لتسهيل الربط بين حقول النفط والغاز وميناء الإمارة.