تتجه البنوك الإماراتية نحو فترة تتسم بمزيد من التحديات.. وهي تعي ذلك جيدا. فبعد سنوات من تسجيل نمو مزدوج الرقم في الائتمان، وتحقيق أرباح شبه قياسية، وتحسن جودة الأصول، بدأت البنوك في كبح وتيرة نموها؛ إذ تشدد حاليا معايير تقييم مخاطر الائتمان، وتتوقع تباطؤ نمو القروض تباطوا ملموسا مقارنة بالمعدلات المسجلة مؤخرا، وتتابع مدى انكشافها على القطاع العقاري عن كثب، وفق ما كشفه لنا عدد من المحللين.
تنطلق البنوك في هذه المساعي من نقطة قوتها. إذ قال أنطون لوباتين، المدير الأول لتصنيفات البنوك في الشرق الأوسط لدى وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية، في تعليقه لنشرة إنتربرايز الصباحية أنه "من حيث المتانة المالية، يدخل القطاع المصرفي الإماراتي هذه المرحلة ذات المخاطر المحتملة وهو في أفضل حالاته ربما خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية". فنسب القروض المتعثرة تحوم حول أدنى مستوياتها التاريخية تقريبا عند 3%، في حين يقترب العائد على حقوق المساهمين من 20%، وهو ما تؤكده نتائج الربع الأول من عام 2026؛ إذ حافظت غالبية البنوك على مستويات قوية لنسبة رأس المال الأساسي من الشق الأول (CET1) — وهو معيار رئيسي لمدى قوة الهوامش المالية للبنوك — وكذا نسب تغطية السيولة، كما تمكن العديد منها من الحفاظ على نمو الأرباح الصافية حتى مع تسجيلها مخصصات إضافية للتحوط من حالة عدم اليقين.
والآن تقبل البنوك المحلية على الأرجح على مرحلة نمو أكثر تواضعا، ستتبع فيها نهجا أكثر حذرا فيما يتعلق بمعايير الائتمان. ويتوقع لوباتين أن يتراوح نمو القروض بين 8% و10% هذا العام، وهو ما يمثل تراجعا حادا مقارنة بالنمو المسجل عقب الجائحة، والذي بلغ معدلات مزدوجة الرقم لسنوات. وأضاف أن "الفرص الطبيعية التي أتاحت للبنوك التوسع السريع هذا خلال السنوات الثلاث التي تلت الجائحة ربما لم تعد موجودة".
وبدأت المؤسسات المالية الأقوى بالفعل في التعامل مع فرص النمو بانتقائية أكبر، إذ ترفض تلك الفرص التي لا يبرر فيها العائد رأس المال المستثمر، وتعمد إلى مراجعة مستويات تقبل المخاطر بصورة دورية على مستوى مجالس الإدارة، وفق ما قاله سام غيدومال، المدير العام لخدمات المحافظ والاستشارات بشركة ألفاريز آند مارسال في دبي. كما ستستمر عمليات الإقراض، لكنها ستتسم بقدر أعلى من الحذر. فيقول غيدومال إن "الإقراض في أوقات الضغوط لا يمثل مجازفة في حد ذاته. ما يهم هو تقييم مخاطر الائتمان على النحو السليم الملائم للظروف السائدة".
وكذلك شهدت ظروف التمويل بعض التحولات، إذ تعرضت مؤشرات السيولة لضغوط في المراحل المبكرة من الحرب الإقليمية قبل أن تتعافى إلى حد كبير، لكن تكلفة الودائع ارتفعت. وقال لوباتين عن ذلك إن "السيولة أصبحت مكلفة أكثر.. وعندما تواصلنا مع البنوك، أكدت أن المنافسة على السيولة قد زادت". ومع ذلك، ساعدت الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها مصرف الإمارات المركزي في استقرار الأسواق، كما وفر دعم السيولة الطارئ المزيد من الطمأنينة للمودعين.
وبدأت بعض البنوك بالفعل في بناء هوامش أمان احتياطية. إذ أشار لوباتين إلى أن العديد من البنوك رصدت مخصصات إدارية احتياطية، رغم استقرار مؤشرات انخفاض القيمة. ويشير هذا الإجراء إلى زيادة الحذر، وليس وجود تدهور فعلي في الأداء. وأوضح غيدومال أن "الانضباط الحقيقي يكمن في وجود محفزات إدارية للتدخل متفق عليها مسبقا، بدلا من الانتظار حتى استنزاف الهوامش الاحتياطية قبل تحديد كيفية الاستجابة".
القطاعات التي ينبغي متابعة أدائها في الفترة القادمة
اعتبر لوباتين أن الانكشاف على شركات العقارات يأتي في صدارة مخاطر جودة الأصول في القطاع. فرغم أن البنوك قلصت مدى تركز استثماراتها في هذا المجال بدرجة كبيرة مقارنة بالدورات السابقة، وأن سجلاتها لرهون العقارات السكنية تبدو في وضع أفضل من ذي قبل، فإن الزيادة المرتقبة في المعروض هذا العام قد تزيد من حجم المخاطر. فيشير تحليل أعده بنك "يو بي إس" لعام 2026 إلى احتمالية وجود فائض في العرض خلال العام الحالي، إذ من المرجح تسليم ما يصل إلى 110,500 وحدة سكنية في دبي، مقارنة بمتوسط السنوات العشر الماضية البالغ 27 ألف وحدة. كما أن التصحيح السعري المتوقع بنسبة تصل إلى 15% خلال النصف الثاني من عام 2025 وحتى نهاية عام 2026 سيضع المطورين الثانويين ذوي الديون الكبيرة أمام اختبار حقيقي.
كما يتابع المحللون مدى انكشاف البنوك على مجالات تمويل التجارة والسياحة والطيران، وإن كان لوباتين يرى أن المخاطر التي تمثلها تلك القطاعات على النظام المصرفي ككل تبدو غير مقلقة في المرحلة الراهنة.
عوامل داعمة في مواجهة التحديات
ما زالت أسعار الفائدة المرتفعة تدعم صافي هوامش الفائدة، وهو اتجاه يتوقع لوباتين استمراره. وتشير أغلب التوقعات حاليا إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيمضي قدما في رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام، وهي خطوة ستحذو حذوها البنوك المركزية الخليجية، ومنها مصرف الإمارات المركزي، نظرا لارتباط عملاتها بالدولار.
ويكمن الخطر الأكبر في تزامن تراجع الدخل من الرسوم مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وزيادة تكاليف الائتمان في حال تدهورت الظروف أكثر من ذلك. إذ تشير توقعات إلى أن الاقتصاد ربما يكون بالفعل في طريقه للانكماش، وتقدر بعض الوكالات نسبة الانكماش بنحو 5%، فيما تصل في تقييمات أخرى إلى 7%، كما يعاني القطاع غير النفطي من ضغوط متزايدة نتيجة تراجع الطلب وزيادة التكاليف واضطرابات سلاسل التوريد.
ويتوقع لوباتين في هذا الصدد أن "نشهد بعض التدهور فيما يتعلق بتكلفة المخاطر وربما حتى جودة الأصول خلال الأرباع المقبلة"، لكنه يعتقد أن هذا التدهور "سيحدث تدريجيا".