Posted inالخبر الأبرز اليوم

كيف شكل معرض اصنع في الإمارات 2026 "نقطة تحول" للاستراتيجية الصناعية في الدولة وسط الاضطرابات الإقليمية

التقينا مالكولم لاين، مدير استشارات الدفاع والأمن القومي في شركة إرنست آند يونغ بالشرق الأوسط، لمناقشة أبرز الاتفاقيات المبرمة خلال المنتدى، وكيف تسرع التوترات الجيوسياسية وتيرة التوطين في دولة الإمارات

جاءت نسخة العام الجاري من معرض اصنع في الإمارات في توقيت بالغ الأهمية. إذ شهدت كالمعتاد الإعلان عن استثمارات صناعية ضخمة ومنشآت تصنيع جديدة واتفاقيات للشراء، لكن ما وجه الاختلاف في هذه النسخة؟ أن التوترات الإقليمية واضطرابات سلاسل التوريد جعلت من التصنيع المحلي والتوطين مسألة وجودية وأولوية وطنية رئيسية.

ويظهر هذا التحول جليا في قطاع الصناعات الدفاعية، لكنه يمتد ليشمل قطاعات أخرى مثل الطاقة والبتروكيماويات. ومع وجود توسعات محتملة بقيمة 10 مليارات دولار في قطاع الكيماويات بمدينة الرويس الصناعية، ومجمع الغرافين الجديد في الشارقة، وتوسيع برنامج "القيمة الوطنية المضافة"، إلى جانب فرص مشتريات محلية بقيمة 200 مليار درهم تقدمها شركة أدنوك، انصب التركيز الرئيسي على توطين المدخلات الصناعية الحيوية وجلب الخبرات الفنية والتكنولوجيا والمدخلات إلى أرض الواقع.

وبالنسبة لقطاع الدفاع تحديدا، شكل المعرض "نقطة تحول" مع تجاوز دولة الإمارات مجرد التوطين لتتجه نحو بناء منظومة أكثر تكاملا تشمل التصنيع والتكنولوجيا وسلاسل التوريد وقدرات التصدير.

التقت إنتربرايز مالكولم لاين (لينكد إن)، مدير استشارات الدفاع والأمن القومي في إرنست آند يونغ بالشرق الأوسط، لتحليل أبرز الرسائل الصادرة عن منتدى اصنع في الإمارات 2026، وكيف تعيد الاضطرابات الجيوسياسية رسم ملامح السياسات الصناعية لدولة الإمارات، وما هي الوجهة المقبلة لمساعي الدولة في قطاع الدفاع. وفيما يلي مقتطفات محررة من المقابلة:

إنتربرايز: ما هي أبرز الاتفاقيات الموقعة خلال منتدى اصنع في الإمارات 2026 من منظور الاستراتيجية الصناعية؟

مالكولم لاين: رغم وجود عدة اتفاقيات مهمة، تمثلت الإشارة الأهم في التحول الاستراتيجي للمسار. تتجه دولة الإمارات بخطى واضحة لتجاوز مرحلة التجميع المحلي أو المشتريات، وتدفع باتجاه امتلاك المنظومة الكاملة (المكونات، والملكية الفكرية، وسلاسل التوريد، ونقل التكنولوجيا). ونشهد أيضا تحولا استراتيجيا من مجرد شراء المنتجات التامة الصنع إلى بناء القدرات وإدارة سلسلة التوريد من البداية إلى النهاية.

لعل الصفقة الأبرز في قطاع الدفاع هي تعاقد دولة الإمارات على شراء 10 طائرات نقل عسكري من طراز "إمبراير سي-390ميلينيوم"، مع خيار لشراء 10 طائرات إضافية. ستحل هذه الطائرات محل أسطول طائرات "سي-130" القديم؛ لذا فهي تمثل ترقية تشغيلية حقيقية، كما تعد تحولا بعيدا عن شركة بوينغ الأمريكية. وتتضمن الاتفاقية توفير خدمات الصيانة والإصلاح والعمرة والدعم محليا، وهو أمر بالغ الأهمية، بينما تعكس عملية الاختبار والتقييم المحلية الشاملة وجود نهج مشتريات أكثر استقلالية وتطبيق إقليمي دقيق.

وتعد مذكرة التفاهم الموقعة بين مجلس التوازن للتمكين الدفاعي (توازن) وشركة "إل آي جي نيكس 1" الكورية الجنوبية إشارة أخرى على التوجه نحو التطوير المشترك الحقيقي، وليس مجرد شراء المعدات. فهي تغطي مجالات البحث والتطوير والإنتاج والصيانة والإصلاح والعمرة وسلاسل التوريد، كما تتطلب وجودا فعليا للشركة داخل دولة الإمارات، وليس مجرد مكتب تمثيلي. وتبرز المذكرة استراتيجية تنويع أوسع تتجاوز الموردين الغربيين التقليديين.

أما منطقة السلمية الحرة للصناعات الدفاعية — وهي مشروع مشترك بين "مجلس توازن" ومجموعة موانئ أبوظبي لإنشاء مجمع صناعي دفاعي متكامل — فتمثل خطوة هيكلية كبرى. وهي تهدف إلى جذب الشركات العالمية إلى دولة الإمارات على المدى الطويل، وتغطي مختلف الجوانب بما في ذلك التراخيص والتصنيع والخدمات اللوجستية والصادرات. ويمكن اعتبارها منظومة متكاملة تشبه مجمعات الطيران في أوروبا.

ما المكاسب المحققة؟ توفير فرص عمل مستدامة على المدى الطويل تساعد على إبقاء الكوادر داخل القطاع وتقلل من مخاطر هجرة المواهب، إلى جانب تعزيز الابتكار والتطوير المشترك، وتوفير "نافذة موحدة" يمكن للمؤسسات الأكاديمية توجيه جهودها من خلالها.

مجموعة إيدج في الصدارة: استغلت مجموعة إيدج المعرض لإثبات قدرتها على التسليم والتنفيذ أكثر من كونه منصة للإعلانات، وهو ما يحمل دلالات مهمة. إذ يُصنع الآن أكثر من 80% من أنظمة المجموعة داخل دولة الإمارات، مع طلبيات تقارب قيمتها 8 مليارات دولار، بما يشمل الصادرات، إلى جانب التوجه بقوة نحو تقنيات الثورة الصناعية الرابعة وصقل مهارات القوى العاملة.

وتظهر اتفاقية خدمات النقل الجوي التي أبرمتها المجموعة مع شركة الاتحاد للطيران كيف تفكر دولة الإمارات بمنظور شامل — لا يقتصر على التصنيع فحسب، بل يمتد ليشمل السيطرة على سلاسل التوريد.

إنتربرايز: إلى أي مدى تسرع التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد من جهود التوطين في الإمارات؟

لاين: بدرجة كبيرة، ولكن وفق نهج أكثر تركيزا على الركائز الهيلكية. فقد جرى إرساء الأسس منذ فترة، غير أن الأحداث الجارية سرعت من وتيرة التفكير وأعادت تشكيل الأولويات.

كشفت الاضطرابات الأخيرة عن فجوات في سلاسل التوريد، لا سيما فيما يتعلق بالمدخلات الحيوية لقطاع الدفاع. فقد أقر مسؤولون بأنه رغم تحقيق بعض المرونة بفضل جهود التوطين السابقة، والتي شملت بعض قدرات الدفاع الجوي لمجموعة إيدج، لا يزال الاعتماد على الواردات بنسبة تتراوح بين 30% و40% يشكل أحد التحديات في مجالات مثل أنظمة باتريوت وثاد. وتتمثل المخاوف الرئيسية المغذية لهذا التوجه في قيود التصدير التي يفرضها الموردون، والتأخيرات المتوقعة خلال الأزمات، ومحدودية الوصول إلى التقنيات الحيوية.

وأصبح حل هذا الأمر أو تحقيق توازن أفضل على أقل تقدير أولوية قصوى الآن. ولذا لم يعد الأمر يندرج تحت إطار التنويع الاقتصادي فحسب، بل بات أكثر ارتباطا بالسيادة والقدرات السيادية. فيرتبط التوطين في الوقت الراهن مباشرة بالجاهزية التشغيلية، وترغب دولة الإمارات في ضمان عدم خروج هذه الجاهزية عن سيطرتها تحت أي ظرف.

ونشهد كذلك دعما سياسيا وتنظيميا أكبر لهذا التوجه، من خلال مبادرات مثل مشروع "300 مليار"، وبرامج "القيمة الوطنية المضافة"، وصناديق المرونة الجديدة، وتتبع سلاسل التوريد والبيانات آنيا، إلى جانب تعهدات مشتريات واسعة النطاق تتجاوز قيمتها 180 مليار درهم. ولعل الأزمة الأخيرة خير مثال على الحاجة الماسة لهذا التوجه وأسباب تنامي الطلب.

إنتربرايز: هل تستطيع الإمارات تحويل مساعي التوطين الحالية إلى صناعات تحويلية متقدمة قادرة على المنافسة عالميا؟

لاين: نعم. إذ توجد سوابق عالمية قوية تثبت أن قطاع الدفاع يمثل منصة انطلاق لبناء القدرات الصناعية، وتعد الولايات المتحدة وإسرائيل وكوريا الجنوبية وتركيا أمثلة واضحة على ذلك.

تتمتع دولة الإمارات بمزايا قوية؛ تشمل الدعم التمويلي القوي، ومركزية المشتريات عبر "مجلس توازن"، ووجود صرح وطني ضخم يتمثل في مجموعة إيدج، إلى جانب التركيز المتزايد على الملكية الفكرية والشراكات.

لكن هناك بعض القيود، بينها الحاجة إلى تعميق ملكية حقوق الملكية الفكرية والوصول إلى أسواق التصدير لضمان الجدوى الاقتصادية، فضلا عن التحديات التنظيمية والسياسية التي تواجه الصادرات الدفاعية.

الفرص تكمن في مجالات محددة: تبدو هذه الطموحات أكثر واقعية في القدرات التي تتماشى مع تطلعات دولة الإمارات نحو تبني الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة عموما، لا سيما الطائرات المسيرة والأنظمة المستقلة، والدفاع السيبراني والمدعوم بالذكاء الاصطناعي، وقطاعات التكنولوجيا الفائقة المتخصصة.

إنتربرايز: ما هي قطاعات المنظومة الصناعية والدفاعية المرشحة لتحقيق أقوى نمو في دولة الإمارات؟

لاين: تبرز عدة مجالات بوضوح:

الذكاء الاصطناعي والدفاع الرقمي أصبحا محوريان — ليس في قطاع الدفاع فحسب، بل في مختلف القطاعات. وترسخ دولة الإمارات مكانتها كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي، مع مساهمة البنية التحتية المدنية مثل مراكز البيانات والمنصات السحابية في دعم حالات الاستخدام الدفاعي. كما نشهد كذلك تداخلا متزايدا بين التكنولوجيا التجارية والعسكرية.

الأنظمة المستقلة ربما تمثل القطاع الأكثر حيوية. فالطائرات المسيرة، والمركبات السطحية غير المأهولة، والروبوتات تغير ملامح الحروب الحديثة، وتلائم طبيعة القوات المسلحة الإماراتية التي تتسم بكونها محدودة نسبيا من حيث العدد لكنها تتمتع بمستوى عال من التدريب والتجهيز. ويستفيد هذا القطاع كذلك من دورات الابتكار السريعة وقلة القيود المفروضة على التصدير مقارنة بالمنصات الدفاعية التقليدية.

كما تكتسب أنظمة الطيران وخدمات الصيانة والإصلاح والعمرة زخما متزايدا، إذ تساهم صفقات مثل اتفاقية طائرات "إمبراير سي-390 ميلينيوم" في خلق منظومات صيانة محلية، وتوطين سلاسل التوريد، وامتداد تأثيرها الإيجابي إلى الطيران المدني.

الحرب السيبرانية والإلكترونية أصبحت أولوية عالمية كبرى، وتمتلك دولة الإمارات فرصة لتسريع وتيرة تطورها في هذا المجال لأنه جديد نسبيا، مما يجعل ساحة المنافسة في القطاع متكافئة. وتكمن جاذبيته في انخفاض التكلفة الرأسمالية مقابل القيمة الاستراتيجية العالية، وطبيعته التي تعتمد اعتمادا متزايدا على البرمجيات، وتوافقه القوي مع الدروس التشغيلية المستفادة في الفترة الأخيرة.

إنتربرايز: إذن، ما هو الاختبار الحقيقي لمساعي التوطين الصناعي في الإمارات خلال المرحلة المقبلة؟

لاين: بالنظر إلى المستقبل، لا يتمثل السؤال الجوهري في قدرة دولة الإمارات على تحقيق ذلك، بل في مدى سرعة توسيع نطاق الملكية الفكرية والصادرات، وهنا يكمن التحدي الحقيقي.