كان سوق عقارات رأس الخيمة في طريقه نحو تحقيق طفرة هائلة خلال العام الجاري، في ظل التوقعات السابقة التي رجحت نمو أسعار العقارات قيد الإنشاء بحوالي 20% هذا العام، بالإضافة إلى القفزة الملحوظة في نشاط الإمارة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما اعتبرها المشترون بديلا جذابا للأسواق المكتظة في دبي وأبوظبي. كما ساهمت المشاريع العملاقة مثل منتجع وين البالغة قيمته 5.8 مليار دولار في دعم التوقعات المستقبلية للإمارة على المدى الطويل.
يُذكر أن أسعار البيع قفزت بنسبة 32% العام الماضي، بينما ارتفعت الإيجارات بنسبة 25% مدفوعة باستقبال أعداد قياسية من السياح.
لكن الحرب عرقلت انتعاش عدة قطاعات: إذ تضرر قطاعا الطاقة والخدمات المالية في الإمارات، ويبدو أن التراجع في قطاع السياحة قد يعصف بطموحات رأس الخيمة، لا سيما وأن الطلب في الإمارة يعتمد اعتمادا كبيرا على المستثمرين الأجانب والسياح.
فقد تراجعت عمليات الشراء منذ اندلاع الحرب، رغم أنها كانت تسجل ارتفاعات ملحوظة في الأشهر السابقة، حسبما ذكر أحد الوسطاء العقاريين لنشرة إنتربرايز، مفضلا عدم ذكر اسمه. وأضاف أن الإمارة كانت تشهد نشاطا يتجاوز أحيانا المناطق الأكثر رواجا مثل دبي الجنوب، ولكن منذ بدء الحرب، تراجعت المعاملات تراجعا حادا في جميع الإمارات، بما فيها رأس الخيمة.
هل هو عزوف دائم أم مجرد تراجع موسمي؟ يرى الوسيط العقاري محمد جمال في تصريحات لنشرة إنتربرايز أن التراجع الحالي قد يكون موسميا وليس عزوفا دائما عن الإمارة، موضحا أن "الوضع الحالي جعل المشترين أكثر حذرا، لكن الطلب ما زال مستمرا لأن رأس الخيمة توفر عوائد إيجارية أعلى وتكلفة أقل مقارنة بالأسواق المكتظة الأخرى".
تكمن المشكلة الرئيسية في حجم طلب المستثمرين الأجانب؛ فالمستثمرون الدوليون ربما يمتنعون عن الشراء في الوقت الراهن، لكن هذا يشير على الأرجح إلى "تأجيل الشراء وليس انخفاضاً دائماً في الطلب"، وفقا لما صرح به علي صديقي، مدير الأبحاث في شركة كافيندش ماكسويل، لنشرة إنتربرايز.
ويشكل المستثمرون الأجانب 70% من مبيعات شركة رأس الخيمة العقارية، وفقا لما ذكره رئيس الشركة التنفيذي سامح مهتدي في تصريحات لموقع "إيه جي بي آي" مؤخرا. ويتوقع مهتدي أن يدرك "المطلعون على طبيعة السوق الإماراتي" أن هذه "أزمة عابرة"، مؤكداً أن الطلب من المستثمرين المحليين سيظل مستمرا.
التركيز على احتياجات السوق المحلية قد يسهم في تحسين الوضع؛ إذ قال مهتدي إن شركته "تعمل حاليا على التنويع"، واصفا ذلك بأنه توجه سليم. وأضاف: "سنواصل طرح شققنا التي تحمل علامات تجارية عالمية للمستثمرين الدوليين، لكننا سنعمل أيضا على تلبية متطلبات السوق المحلية"، مشيرا إلى أن أحد أكبر مشاريعهم الحالية يضم عددا كبيرا من الأراضي المخصصة لبناء منازل عائلية للمقيمين في الإمارات.
وماذا عن المشاريع الجديدة؟ يرى صديقي أن "المطورين والمستثمرين قد يعيدون تقييم ظروف السوق وتوقعات الطلب والجدوى المالية قبل الالتزام بمشاريع جديدة." فقد قررت شركة رأس الخيمة العقارية تعليق الإعلان عن مشاريع جديدة مؤقتا، وتأجيلها حتى شهر مايو المقبل على أمل أن تتضح الرؤية حينها، بحسب ما نقله موقع "إيه جي بي آي" عن صديقي.
أخبار سارة
لم تتغير المقومات الأساسية لجاذبية الإمارة، حسبما أكد لنا جمال، "فما زالت طبيعتها الفريدة وقوانين التملك الكامل المحفزة للمستثمرين تشكل الركيزة الأساسية للسوق"، مضيفاً أن الحرب الحالية ليست سوى "اضطراب مؤقت" لن يؤدي إلى تحول جذري في قناعات المستثمرين. كما يرى صديقي أن "التكاليف المنخفضة نسبيا ستظل في صدارة المزايا التنافسية للإمارة"، مؤكدا أن هذه الميزة لم تتغير.
كما أن الأسعار المنخفضة ستواصل دعم جاذبية الإمارة، مع تحول أنظار البعض إليها مؤخرا، حسبما ذكر جمال، مضيفا أن "السوق الآن أصبح مواتيا للمستثمرين الأذكياء ذوي النظرة طويلة المدى؛ فبينما يبيع البعض بأقل من سعر السوق بدافع الخوف، ينتهز صائدو الفرص ذلك لاقتناص أفضل الصفقات."
وفي الوقت نفسه، ما زال العمل يمضي قدما في المشاريع العملاقة التي تعد ركيزة أساسية في خطة التنويع الاقتصادي برأس الخيمة؛ إذ أشار جمال إلى أهمية المشاريع التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات مثل منتجع وين جزيرة المرجان، الذي توقفت أعمال البناء فيه مؤقتا عند اندلاع الحرب، لكنها سرعان ما عادت بوتيرتها الطبيعية.
وما زالت النظرة المستقبلية إيجابية، بشرط عودة الاستقرار قريبا. "فإذا عاد الاستقرار في وقت قريب نسبيا، سيكون القطاع العقاري قادرا على استيعاب أي تحديات على المدى القريب"، بحسب صديقي.
كذلك لم تظهر أي تقارير أخرى مؤخرا عن توقف مشاريع عقارية مرتبطة بالسياحة، بحسب صديقي، الذي أضاف أن المشاريع الفندقية التي حصلت بالفعل على التمويل وبدأت فيها أعمال الحفر والإنشاء ليس من المرجح تعليقها.
كما أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدعم وضع رأس الخيمة حاليا؛ فبعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، أكدت وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال تصنيف الإمارة عند "A/A-1" مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرة إلى أن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع نسبة صافي الأصول إلى الناتج المحلي الإجمالي يتيحان للإمارة امتصاص الصدمات. ويرى صديقي أن "تنوع البلدان التي يتوافد منها المستثمرون إلى رأس الخيمة ومزايا الإمارة التنافسية ومكانتها كوجهة سياحية عالمية" كلها عوامل "ستدعم التعافي سريعا فور استقرار الأوضاع."
وتشكل هذه القطاعات 60% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، ما يعني أن أي اضطراب آخر، لا سيما في مشروع منتجع وين المتوقع أن يساهم وحده بنحو 42% من إجمالي الناتج المحلي، سيمثل عثرة كبيرة في خطة التنويع الاقتصادي للإمارة.
"وحتى الآن، ما زالت الدولة تشهد حالة من الشد والجذب لاستعادة ثقة المستثمرين، في ظل تراجع أرقام السياحة واتخاذ السلطات الإماراتية تدابير لدعم القطاع. ولا يختلف الوضع في رأس الخيمة، حيث يترقب السوق ليرى ما إذا كانت الإمارة ستظل "المستفيد الصامت"، على حد وصف جمال، في ظل انتقال المستثمرين الأذكياء من الأسواق المتشبعة مثل دبي وأبوظبي إلى أماكن تتيح خيارات أكثر أمانا وأعلى نموا."