Posted inاستثمار

بداية قوية للشركات الناشئة الإماراتية في الربع الأول لكن الحرب الإقليمية تهدد الزخم في النصف الثاني

لن يتضح التأثير الكامل للحرب على استثمارات الشركات الناشئة إلا في وقت لاحق من العام الجاري

كانت الشركات الناشئة في الإمارات هي الأكثر جذبا للتمويل خلال الربع الأول من عام 2026. وصحيح أن ذلك يرجع في الأساس إلى صفقة واحدة ضخمة، لكنه أيضا يأتي استكمالا للنشاط القوي المستمر منذ العام الماضي، حسبما ذكرت مؤسسة ماغنيت في تقرير حديث اطلعت عليه إنتربرايز. غير أن الخبر الأبرز هو أن الربع الأول شهد أيضا حالة من الفتور الموسمي الملحوظ بسبب عدة عوامل مثل شهر رمضان وعيد الفطر، وبالطبع تداعيات الحرب.

وإذا كنتم بانتظار بيانات الربع الأول لتستنتجوا مدى تأثير الحرب على استثمارات الشركات الناشئة، فما زال ذلك سابقا لأوانه؛ لأن التأثير الحقيقي للاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة لن يظهر إلا في وقت لاحق من هذا العام. "فالاستثمارات التي تكشف عنها الشركات اليوم هي في الواقع نتاج صفقات نوقشت في وقت سابق"، حسبما قالت فرح النحلاوي، مديرة الأبحاث لدى ماغنيت في تعليق لنشرة إنتربرايز، مضيفة أن "التأثير المتوقع للحرب سيبدأ في الانعكاس على أرقام المنطقة بدءا من بيانات الربع الثالث".

إذ تستغرق استثمارات رأس المال المغامر عادة ما بين ستة إلى تسعة أشهر للانتقال من مرحلة الاتفاق المبدئي إلى الإتمام النهائي. ما يعني أن أغلب أرقام الربع الأول تعد مرآة لتوجهات عام 2025، بحسب ماغنيت.

مثال حي: شهدنا عدة شركات ناشئة أعلنت عن نجاحها في جمع تمويلات منذ اندلاع الحرب. فبعدما حصدت شركة كارني ستور تمويلا بقيمة 45 مليون درهم من صندوق الإمارات للنمو، صرح لنا فكري بطرس، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي المشارك للشركة، بأنهم كانوا يحضرون للحصول على هذا الاستثمار طوال ستة أشهر، وكانوا على وشك إتمامه بالفعل عندما قرر الصندوق المضي قدما في إكمال الصفقة رغم الاضطرابات الجيوسياسية والتحديات المتوقعة.

لكن أحد التداعيات المحتملة للحرب هو أن بعض الشركات الناشئة فضلت عدم الكشف عن تمويلاتها إطلاقا على الأرجح، ربما لتتجنب الإعلان عن جولات تمويلية لم تشهد نموا في التقييم أو شهدت انخفاضه، أو لمجرد أن الظروف الجيوسياسية لم تسمح بذلك، وفقا لما ذكرته النحلاوي.

نظرة متعمقة في الربع الأول

جمعت الشركات الناشئة في الإمارات 419 مليون دولار خلال الربع، بزيادة قدرها 47% على أساس سنوي، ويرجع الفضل الأكبر في ذلك إلى جولة تمويلية ضخمة لمنصة بروبرتي فايندر بقيمة 170 مليون دولار. ومع ذلك، انخفض عدد الصفقات بنسبة 45% على أساس سنوي ليصل إلى 37 صفقة فقط، ما يعكس توجها عاما في منظومة رأس المال المغامر يتمثل في ضخ تمويلات أكبر من خلال عدد أقل من الصفقات.

وأشارت ماغنيت إلى أن نشاط مراحل ما قبل التأسيسية والتأسيسية شهد فتورا، كما سجلت الصفقات غير الضخمة تراجعا بنسبة 13% على أساس سنوي لتصل إلى 249 مليون دولار.

تصنيف المستثمرين

شهدت بيانات الربع الأول تغييرا لافتا في تركيبة قاعدة المستثمرين؛ إذ انخفضت نسبة مشاركة المستثمرين الدوليين إلى 26% من إجمالي رأس المال المستثمر، مقارنة بنحو 49% في العام الماضي. لكن هذا الانخفاض جاء متفاوتا حسب نوعية المستثمرين الأجانب الذين تصنفهم النحلاوي إلى ثلاثة فئات من حيث احتمالية العزوف عن المنطقة عند ارتفاع المخاطر:

  • المستثمرون الراسخون: وهم أصحاب الشركات التي لديها مكاتب ميدانية وفِرق عمل دائمة في دبي أو الرياض أو القاهرة. هؤلاء يمثلون جزءا أصيلا من المشهد الاستثماري ومازالوا ثابتين على موقفهم.
  • جامعو الأموال: وهم أصحاب الشركات العالمية التي جاءت إلى المنطقة مؤخرا للاستفادة من رؤوس الأموال المحلية لصالح صناديقها العالمية. وغالبا ما يخصصون جزءا ثانويا من استثماراتهم للمنطقة من باب حسن الجوار، ومن المتوقع أن يظل نشاطهم مستقرا أيضا.
  • راغبي التنويع: وهذه هي الفئة الأكثر قابلية للعزوف عن الاستثمار في المنطقة عند ارتفاع المخاطر، وهي تضم شركات دولية فقط (غالبا ما تقع مقراتها في الولايات المتحدة) وليس لها مقرات ميدانية في المنطقة. وتقول النحلاوي إن أصحاب شركات هذه الفئة من المرجح أن يصبحوا "الأكثر تراجعا عن الاستثمار في المنطقة"، مشيرة إلى أن نسبة مشاركتهم في رأس المال المستثمر هوت من 22% إلى 5% خلال هذا الربع فقط.

وتعد الإمارات الأكثر عرضة للتأثر بهذا التحول في ثقة المستثمرين الأجانب؛ إذ استحوذت على 53% من إجمالي التمويل في المنطقة، لكن 70% من إجمالي هذا التمويل جاء من مستثمرين دوليين. ومع ذلك، استبعدت النحلاوي أن يؤدي ذلك إلى فجوة كبيرة في التمويل على المديين المتوسط والطويل.

رأينا؟ نرى أن تركيبة قاعدة المستثمرين متنوعة بما يكفي، لذا فإن فئة "راغبي التنويع" من المستثمرين الأجانب لن تترك أثرا سلبيا كبيرا، لكننا سنواصل متابعة التغيرات التي ستطرأ على تركيبة هذه القاعدة خلال الربعين الثالث والرابع.

المشهد الإقليمي العام

جمعت الشركات الناشئة في منطقتنا 799 مليون دولار خلال الربع الأول، ليظل الرقم شبه ثابت على أساس سنوي، لكنه شهد زيادة بنسبة 31% على أساس ربع سنوي، وفقا للتقرير. وفي الوقت نفسه، انخفض عدد الصفقات بنسبة 20% على أساس ربع سنوي ونحو 41% على أساس سنوي ليسجل أدنى مستوياته منذ خمس سنوات بواقع 115 صفقة، لكن متوسط قيمة الصفقات شهد نموا ملحوظا، ليعوض تأثير انخفاض العدد.

أداء القطاعات

ما زال قطاع التكنولوجيا المالية في الصدارة، بعدما استحوذ على 31% من إجمالي التمويل (بما يعادل 246 مليون دولار) رغم تسجيله انخفاضا بنسبة 48% على أساس سنوي. لكن هيمنته المطلقة "تشهد تراجعا نسبيا"، بحسب النحلاوي، مضيفة أن الفترة الحالية "تشهد تغير ترتيب القطاعات الأكثر تمويلا بعدما صار المستثمرين يفضلون نماذج الأعمال التشغيلية الملموسة". وقد اقتحم قطاعا العقارات والأغذية والمشروبات قائمة القطاعات العشرة الأكثر تمويلا بمعدلات نمو مكونة من ثلاثة أرقام، علما بأن أرقامها السابقة كانت أقل بكثير.

لكن هذا النمو جاء مدفوعا في الأساس بصفقات ضخمة. ففي قطاع العقارات، جاء معظم التمويل من خلال جولة بروبرتي فايندر التي حصدت فيها 170 مليون دولار من مبادلة. وفي الأغذية والمشروبات، جاء النشاط مدفوعا بجولتين بقيمة 50 مليون دولار لكل من بريدفاست في مصر وكيتوبي في الإمارات.

ماذا عن الذكاء الاصطناعي؟ تراجعت حصة تمويل قطاع الذكاء الاصطناعي من قيمة الصفقات الإجمالية بمقدار النصف تقريبا على أساس سنوي، كما انخفضت حصته من إجمالي عدد الصفقات من 36% إلى 12%، علما بأن هذا التراجع شمل الأسواق الثلاثة الكبرى: أي مصر والسعودية والإمارات، وفقا للنحلاوي.

وماذا عن قاعدة المستثمرين؟ رغم أن المستثمرين الأمريكيين قلصوا معدل استثماراتهم في المنطقة خلال الربع الأول، فقد جاءوا في صدارة أصحاب الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي، مناصفة مع المستثمرين الإماراتيين.

كما تغير توزيع التمويل على المراحل المختلفة؛ فخلافا لعام 2025 الذي شهد توازنا بين ما حصدته بعض الشركات في مراحلها المبكرة والشركات الأخرى في مراحلها الأكثر نضجا، ركز معظم التمويل خلال الربع الأول على دعم شركات ناشئة في مراحلها المبكرة، إذ تراوحت قيمة أغلب الصفقات بين مليون و5 ملايين دولار.

ماذا نستنتج من هذه البيانات؟ صحيح أن البيانات الفصلية وحدها لا تكفي لتحديد نمط معين، فضلا عن بيانات الربع الأول من العام الجاري بالأخص، لكن التفسير المرجح لبيانات قطاعي التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي هو أننا نشهد تأخيرا في ضخ الاستثمارات في هذين القطاعين بعد المبالغ الضخمة التي حصداها العام الماضي، بحسب النحلاوي.

نظرة مستقبلية

من المتوقع أن يركز المستثمرون رهاناتهم على الخيارات الأكثر أمانا، وهو ما قد يحمل بشرى سارة للشركات الناشئة التي تحظى بركائز أساسية قوية. وترى النحلاوي أن الشركات التي ستنجح في تجاوز التحديات الصعبة خلال الربعين الثاني والثالث بسلام، ستحصد على الأرجح تمويلات أكبر، لأن المستثمرين يبالغون في تكثيف استثماراثهم في الخيارات الآمنة. وفي ظل الارتفاع المستمر في متوسط أحجام الصفقات خلال الأرباع القليلة الماضية قبل أن يسجل مستوى قياسيا عند 8.1 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، من المتوقع أن نشهد متوسطات أكبر مستقبلا، يصاحبها تراجع في إجمالي عدد الصفقات وقيمتها الكلية.