ما الذي يتطلبه تحويل فكرة إلى شركة حقيقية؟ في الوقت الذي يتطلع فيه المزيد من رواد الأعمال الطموحين إلى تأسيس شركات ناشئة داخل منظومة التكنولوجيا المصرية المتنامية، يواجه كثيرون الأسئلة نفسها حول التوقيت والتمويل والتنفيذ وما إذا كانت فكرتهم قادرة فعلا على الصمود في السوق. جلسنا مع أيمن إسماعيل، المؤسس والمدير التنفيذي لمختبر الجامعة الأمريكية بالقاهرة للشركات الناشئة (AUC Venture Lab) والأستاذ المشارك في كلية أنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، للحديث عن الفارق بين الفرص التجارية الحقيقية والأفكار الجذابة، والأخطاء الأكثر شيوعا التي يقع فيها المؤسسون، وكيف يمكن لرواد الأعمال بناء شركات ناشئة قادرة على البقاء والتوسع والتكيف في سوق سريع التغير.
إنتربرايز: ما نوع الشركات التي يدعمها مختبر الجامعة الأمريكية بالقاهرة للشركات الناشئة؟
أيمن إسماعيل: نركز على الشركات الناشئة في المراحل المبكرة، وليس مرحلة الفكرة فقط. عادة ما تكون لدى الشركات بالفعل نسخة أولية من المنتج، أو منتج مبكر، وبعض المؤشرات على الطلب، وتعمل على تحسين نموذج أعمالها. نساعدها في التحقق من جدوى النشاط التجاري، والاستعداد للاستثمار، وتوفير الإرشاد والتوجيه من مستثمرين ورواد أعمال وأصحاب خبرات عملية.
إنتربرايز: كيف تبدو رحلة الشركة الناشئة داخل المختبر؟
إسماعيل: نبدأ بمرحلة الإعلان عن الدورة الجديدة واستقبال الطلبات، ثم نستبعد الشركات التي تقع خارج نطاق عملنا قبل تنظيم معسكر تدريبي يضم ما بين 80 و100 شركة ناشئة. وبعد المقابلات الشخصية واجتماعات لجنة الاختيار النهائية، نقلص العدد إلى نحو 20 شركة.
بعد اختيار الشركات، يشارك المؤسسون في معسكر خارجي، ثم برنامج متعدد المراحل يركز على التحقق من نموذج الأعمال، وفهم العملاء، والتنفيذ، والاستعداد للاستثمار. كما نخصص وقتا كبيرا لمساعدة المؤسسين على تحسين طريقة التواصل وعرض أفكارهم على المستثمرين والموظفين والشركاء ووسائل الإعلام.
وخلال البرنامج، تلتقي الشركات الناشئة بمرشدين ومستثمرين وبنوك وشركاء من القطاع الخاص، قبل عرض مشروعاتها في يوم العروض التقديمية بالجامعة الأمريكية، والذي يجذب عادة ما بين 800 وألف مشارك من مختلف أطراف المنظومة. وبعد التخرج، يظل المؤسسون جزءا من شبكة الخريجين ومنظومة الدعم المستمرة.
إنتربرايز: كيف تقيمون ما إذا كانت الشركة الناشئة تمثل فرصة حقيقية أم مجرد فكرة مثيرة للاهتمام؟
إسماعيل: ننظر إلى نموذج الأعمال، وإمكانات النمو، والفريق المؤسس، وقدرته على التنفيذ. نتلقى ما بين 250 و300 طلب في كل دورة، ونختار نحو 20 شركة فقط، ما يعني أن نسبة القبول تدور حول 5%.
إنتربرايز: يرأيك هل يحتاج المؤسس إلى خبرة سابقة في الشركات قبل إطلاق مشروعه؟
إسماعيل: ليس بالضرورة. رأينا مؤسسين ناجحين من خلفيات مختلفة، سواء كانوا طلابا أو عملوا في شركات ناشئة أو شركات كبرى. لكن ربما تكون أفضل تجربة هي العمل في شركة ناشئة سريعة النمو لبضع سنوات، لأن البيئة تختلف كثيرا عن الشركات التقليدية.
إنتربرايز: ما أكثر الأخطاء شيوعا التي يرتكبها المؤسسون في المراحل المبكرة؟
إسماعيل: أولها إسقاط آرائهم الشخصية على السوق بدلا من فهم العميل المستهدف. على رواد الأعمال التحدث إلى العملاء وفهم تجربتهم الحقيقية واختبار مدى استعدادهم للدفع مقابل المنتج أو الخدمة.
ثانيا، محاولة بناء المنتج المثالي بدلا من إطلاق منتج جيد بما يكفي لدخول السوق ثم تطويره تدريجيا بناء على الملاحظات.
وثالثا، التقليل من احتياجات التمويل والاعتماد على الحصول على استثمارات رأس المال المخاطر في وقت مبكر للغاية. قد تنفد السيولة أسرع بكثير مما يتوقعه المؤسس.
إنتربرايز: ما المهارات الأكثر أهمية لرواد الأعمال اليوم؟
إسماعيل: أصبحت مهارات الذكاء الاصطناعي أساسية، إذ نرى شركات قادرة على البناء والتنفيذ بسرعة أكبر وبموارد أقل.
المهارة الثانية هي البيع، سواء كان ذلك بيع فكرة أو منتج أو رؤية للعملاء والمستثمرين والموظفين. ثم تأتي المهارات الشخصية مثل التعاون والقدرة على التحمل وإدارة الضغوط والعمل بوتيرة سريعة.
إنتربرايز: ما القطاعات التي تشهد أكبر زخم حاليا؟
إسماعيل: نحن لا نركز على قطاع بعينه، لكن التكنولوجيا المالية لا تزال تمثل نحو 40% من الشركات التي نعمل معها. كما نشهد نموا في مجالات التكنولوجيا الصحية وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، إضافة إلى اهتمام متزايد بالتكنولوجيا العميقة. نحن نعمل فقط مع الشركات التي يكون الابتكار والتكنولوجيا جزءا أساسيا من نشاطها.
إنتربرايز: كيف غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تقييمكم للشركات الناشئة؟
إسماعيل: أحد الأسئلة الأساسية التي نطرحها اليوم هو: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل هذا النشاط؟ وهل يمكن للنموذج القادم من الذكاء الاصطناعي أن يحول هذا المنتج إلى مجرد خاصية إضافية؟
أقوى الشركات هي تلك التي يصعب على العملاء التخلي عنها أو استبدالها، أو لديها علاقات قوية معهم، أو أصولا مادية، أو اندماجا عميقا في حياة العملاء أو عملياتهم التشغيلية.
إنتربرايز: ما أبرز التغيرات التي تشهدها منظومة الشركات الناشئة حاليا؟
إسماعيل: قبل خمس سنوات، لم يكن أحد تقريبا ينظر بجدية إلى التكنولوجيا العميقة في مصر. أما اليوم فنشهد اهتماما متزايدا من المستثمرين. كما نرى عددا أكبر من المستثمرين في المراحل المبكرة، وعددا أكبر من الشركات التي تصل إلى جولات التمويل من الفئتين B وC. المنظومة أصبحت أكثر نضجا. أما المحطة الأهم المقبلة فستكون تحقيق صفقات تخارج كبيرة تخلق جيلا من المؤسسين والموظفين الأوائل الذين يتحولون إلى مستثمرين ملائكيين، ويعيدون ضخ الخبرات ورأس المال داخل السوق.
إنتربرايز: ما النصيحة التي تقدمها لشخص متردد بشأن بدء مشروعه الآن؟
إسماعيل: تحدث إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، العملاء والمستثمرين والمؤسسين والعاملين بالفعل في القطاع. الأهم ليس الهوس بالمنتج، بل الهوس بالعميل. إذا لم تفهم العميل بعمق، فقد تجد نفسك تبني منتجا نظريا لعميل غير موجود أصلا.
مرتبط