Posted inعقارات

الشراء أم الإيجار؟ أيهما القرار الأفضل ماليا؟

خلال العقود الماضية بات حلم تملك المنزل أحد أبرز محطات الحياة في مصر. فبالنسبة لأجيال متعاقبة، كان التمليك يعني الاستقرار والأمان المالي ووسيلة لحفظ الثروة ونقلها إلى الأجيال التالية. لكن ارتفاع الأسعار، وتغير أنماط الحياة، وتزايد الخيارات الاستثمارية المتاحة، تدفع اليوم الكثير من الشباب المصريين إلى إعادة النظر في هذه المسلمة والتساؤل عما إذا كان شراء المنزل الأول لا يزال قرارا ماليا منطقيا.

ويتشكل هذا الجدل بشكل متزايد حول القدرة على تحمل التكاليف أكثر من كونه مسألة تفضيل شخصي. كان إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لشركة أبو سومة للتنمية السياحية، قد قال لإنتربرايز في يناير الماضي إن حتى المشترين من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة ينسحبون من السوق عندما تقترب أسعار الوحدات من 15 مليون جنيه. وأضاف: “إذا وصلت إلى 7 ملايين جنيه فنحن نعتبرها النقطة المثالية”، مشيرا إلى أن المنتجات العقارية الفاخرة عند هذا المستوى السعري اختفت عمليا مع استمرار ارتفاع تكاليف البناء والخدمات اللوجستية. بل إن تكاليف النقل وحدها قد تمثل ما يصل إلى 60% من تكلفة بعض مواد البناء.

ويجبر هذا الضغط المتزايد على القدرة الشرائية العديد من الراغبين في التملك على الاستمرار في الإيجار لفترات أطول. فما كان يُنظر إليه سابقا كمرحلة مؤقتة تسبق الشراء، أصبح بشكل متزايد خيارا ماليا مقصودا. والسؤال هنا: هل يتيح الإيجار توجيه رأس المال إلى استثمارات أكثر إنتاجية، أم أنه ببساطة يؤجل بناء الثروة؟

أنصار الإيجار

الشباب بحاجة إلى التفكير بشكل مختلف في مسألة تملك المسكن، جسبما برى أحمد الأعور، المحاضر وخبير علم نفس القادة. وبحسب الأعور، لا ينبغي النظر تلقائيا إلى السكن الأساسي باعتباره استثمارا. ويقول: “اليوم، الإيجار أفضل بنسبة 100% من الشراء، إلا إذا كنت تشتري بغرض الاستثمار. أي منزل تسكن فيه هو التزام مالي وليس استثمارا”.

ويشير الأعور إلى تكلفة الفرصة البديلة. فالشاب الذي يدفع 15 ألف جنيه شهريا كإيجار قد يحتاج إلى تخصيص 10 ملايين جنيه لشراء وحدة مماثلة. ويرى الأعور أن هذا رأس المال يمكن توجيهه إلى الأسهم أو الصناديق الاستثمارية أو تأسيس مشروع أو حتى الاستثمار في تطوير المهارات الشخصية. ويقول: “إذا كنت أدفع 15 ألف جنيه شهريا إيجارا، بينما يتطلب شراء المنزل نفسه 10 أو 12 أو 15 مليون جنيه، فإن الإيجار يكون الخيار الأفضل بوضوح”.

وقد عزز ظهور منصات الاستثمار الحديثة من وجاهة هذا الطرح. فالأجيال السابقة كانت خياراتها محدودة بين العقارات والذهب والودائع البنكية. أما اليوم، فقد أتاحت منصات الاستثمار العقاري الجزئي وشركات السمسرة الرقمية والصناديق المتداولة وصناديق الاستثمار للأفراد فرصا أكبر لبناء الثروة دون الحاجة إلى امتلاك أصل عقاري. ومن وجهة نظر الأعور، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن بالضرورة في المنزل نفسه، بل في الفرص التي يتيحها الاحتفاظ برأس المال مرنا وقابلا للتوظيف في مجالات أخرى.

أنصار التمليك

على الجانب الآخر، يرى طارق عبد الرحمن، العضو المنتدب لشركة بنيان المتخصصة في الاستثمار العقاري، أن امتلاك المنزل لا يزال من أكثر أدوات بناء الثروة فعالية للأسر. ويستشهد عبد الرحمن بدراسة صادرة عن بنك جي بي مورجان تناولت أداء فئات الأصول المختلفة عالميا بين عامي 2011 و2023. ووفقا للدراسة، بلغ متوسط التضخم العالمي نحو 4% سنويا خلال تلك الفترة، في حين سجلت العقارات السكنية ارتفاعا سنويا متوسطه نحو 9%، دون احتساب العوائد الإيجارية والاعتماد فقط على الزيادة في قيمة الأصل.

ويرى عبد الرحمن أن هذه الأرقام تفسر سبب استمرار جاذبية التملك. ويقول: “الشراء أفضل دائما من الإيجار، لأنك في نهاية المطاف تمتلك أصلا”. فعلى عكس الإيجار الذي ينتهي أثره بمجرد السداد، يمكن بيع المنزل أو حتى الاقتراض بضمانه أو توريثه للأبناء. كما أن التملك، بحسب رأيه، يوفر وسيلة لبناء الثروة والحماية من التضخم على المدى الطويل.

كما يشكك عبد الرحمن في الطرح الشائع القائل بـ “استأجر واستثمر الفرق”. فمع اتجاه المطورين العقاريين إلى تقديم خطط سداد تمتد إلى عشر سنوات أو أكثر، يرى أن الفارق بين الإيجار والقسط الشهري أصبح أقل بكثير مما يعتقده الكثيرون. وإذا كان الخياران يتطلبان تدفقا نقديا شهريا متشابها، فلماذا لا يوجه هذا الإنفاق إلى أصل يمتلكه الشخص في النهاية؟

ولا تقتصر مزايا التملك على العائد المالي فقط. فبحسب عبد الرحمن، يوفر شراء المنزل قدرا أكبر من الاستقرار الأسري والقدرة على التخطيط والحماية من زيادات الإيجارات المستقبلية. ويقول: “عندما تشتري منزلا للسكن، فأنت تشتري استقرار الأسرة وراحة البال”.

أما وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، فيرى أن الإجابة تعتمد على الأرقام. فالتملك يصبح منطقيا عندما تكون أقساط التمويل العقاري قريبة من قيمة الإيجار السائدة في السوق، إذ يتيح ذلك للأسرة بناء ملكية تدريجية للأصل مع تحمل تكلفة سكن شهرية مشابهة لما كانت ستدفعه كمستأجر.

ويقول جاب الله إن كثيرا من المصريين يسيئون فهم التمويل العقاري أو الأقساط العقارية، إذ يركزون على إجمالي المبلغ الذي سيدفعونه خلال 10 أو 15 بدلا من التركيز على الأصل الذي يمتلكونه تدريجيا. ويضيف: “المشكلة أن الناس تمسك الآلة الحاسبة وتسأل كم ستدفع خلال 15 سنة. هذه طريقة خاطئة للحساب”. فيجب الأخذ في الاعتبار القيمة المستقبلية لسعر العقارية مقارنة بقيمته الحالية.

ويرى جاب الله أن التمويل العقاري أقرب إلى نموذج “الإيجار المنتهي بالتملك” منه إلى الشراء التقليدي. ويقول: “أنت في الأساس تستأجر العقار أيضا، لكن انتقال الملكية إليك بعد عشرين عاما يمثل قيمة إضافية بحد ذاته”. ولذلك، يعتقد أن المقارنة الصحيحة يجب أن تكون بين تكلفة الإيجار الشهرية وتكلفة التملك الشهرية، وليس بين أسعار العقارات الاسمية فقط. كما أن التمويل العقاري يمنح صاحبه قدرا من المرونة لا يوفره الإيجار. ويقول جاب الله: “إذا قررت الخروج في منتصف المدة، يمكنك بيع العقار واسترداد جزء من الأموال التي دفعتها بالفعل”.

العلامات: