تنتقل عملية بناء المدن الذكية في مصر من مرحلة المخططات العامة إلى اختبار التشغيل الفعلي. فقد أمضت الحكومة سنوات في وضع حجر الأساس لـ 38 مدينة ذكية جديدة على مساحة 530 ألف فدان، لتستوعب 30 مليون نسمة، وبفاتورة استثمارية مخططة تصل إلى 700 مليار جنيه. وتتحمل الدولة نحو 70% من هذه الفاتورة لإنشاء الشبكات المركزية والمرافق الأساسية، بينما يمول مطورو القطاع الخاص النسبة المتبقية البالغة 30% من خلال المشروعات السكنية والتجارية.
لكن نجاح هذا المشروع الضخم مرهون بالبنية التحتية التي تنفذها الدولة وحدها، كما سيعتمد على مدى قدرة المطورين على تحويل هذه الشبكات الرئيسية إلى مجتمعات تلبي الاحتياجات الحقيقية للسكان والمستأجرين والشركات. وتخضع هذه النتائج للاختبار حاليا على أرض الواقع.
أصبح المطورون العقاريون من أكبر عملاء شركات التكنولوجيا، إذ لم تعد شركات التطوير العقاري تتعامل مع التكنولوجيا كما لو أنها مجرد إضافة ترفيهية، بل أصبحت محركا رئيسيا للقيمة المضافة. ودفع هذا التحول المطورين إلى توقيع شراكات واسعة النطاق مع شركات التكنولوجيا والاتصالات، لتحويل المشاريع إلى مجتمعات رقمية متصلة بالكامل، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة أورانج مصر هشام مهران لإنتربرايز.
يتجلى هذا التوجه بالفعل في العاصمة الجديدة وشرق القاهرة، حيث يتسابق المطورون لدمج البنية التحتية السحابية وإنترنت الأشياء في مشاريعهم. وفي هذا الصدد، قال الرئيس التنفيذي لمشروع ذا سباين بمجموعة طلعت مصطفى، محمد هشام طلعت مصطفى، إن التطبيقات السحابية الخاصة بمدينة نور، التي جرى تطويرها بالتعاون مع شركة هواوي، لا تقتصر على إدارة المدينة فحسب، بل تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي وتقديم حلول متميزة للسكان والشركات. وتسير شركة مدينة مصر على الدرب ذاته؛ إذ قال الرئيس التنفيذي للشركة عبد الله سلام إن الشراكة مع الشركة المصرية للاتصالات لتقديم خدمات الاتصالات المتكاملة والمدن الذكية تهدف إلى خلق مجتمعات أكثر استدامة وترابطا عبر وحداتها السكنية والتجارية.
كما ينطبق هذا المنطق خارج المدن الجديدة الكبرى أيضا. فقد أشار وائل لطفي، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة ماونتن فيو، إلى أن وجود شريك تكنولوجي قوي يتيح للمطورين إقامة بنية تحتية رقمية عالية الكفاءة، تلبي تطلعات السوق وتوفر تجربة معيشية أكثر أمانا. وحتى في الوجهات الساحلية والمجتمعات القائمة بالفعل، بات الإنفاق على التكنولوجيا حتميا. ففي مدينة الجونة، ارتأت شركة أوراسكوم للتنمية أن تجديد شراكتها مع أورانج مصر، لتقديم خدمات المدن الذكية وإنترنت الأشياء، تشكل وسيلة للحفاظ على جاذبية المدينة، ليس فقط بالنسبة للسكان، بل أيضا بالنسبة للمشروعات الناشئة ورواد الأعمال.
يتوفر الإنفاق الرأسمالي، لكن الانضباط في التصميم يظل خطوة ضرورية بحاجة إلى تفعيل. إذ تمتلك مصر الميزانيات والشراكات، لكن شراء التكنولوجيا يختلف تماما عن تشغيلها بنجاعة. في تعليقه لإنتربرايز، قال أحمد الحراني، الرئيس التنفيذي لشركة بالس باي سولوشنز التابعة لمجموعة "إس تي سي" السعودية، إن النفقات الرأسمالية تذهب هباء عندما لا تُصمم الأنظمة بناء على حالات استخدام واقعية. وأضاف أن التحدي لا يكمن في استيعاب التكنولوجيا نفسها، بل في الفهم الدقيق لما يحتاجه المستخدم النهائي قبل توقيع أي عقد.
لا تعمل البنية التحتية الذكية بكفاءة إلا إذا كان البناء المادي مصمما لدعمها منذ البداية. وفي هذا السياق، صرح عمر الجمال، مدير سلسلة الإمدادات في شركة ريدكون بروبرتيز، لإنتربرايز بأن البنية التحتية يجب أن تُبنى بمرونة كافية لدعم تطبيقات الاستدامة منذ اليوم الأول. ويعني ذلك دمج الأنظمة المدعومة بأجهزة الاستشعار خلال مرحلة البناء نفسها، بدلا من تعديلها لاحقا، بجانب تضمين بنية تحتية لإدارة المخلفات قادرة على تحسين مسارات جمع القمامة في الوقت الفعلي.
يتزايد توجه قطاع البرمجيات نحو التوطين، في ظل بناء مراكز البيانات وتطوير التطبيقات داخل مصر، لكن قطاع الأجهزة لا يزال يعتمد بكثافة على الاستيراد. ويبرهن إطلاق شركة باناسونيك أنظمة التحكم المنزلي المعتمدة على بروتوكول "كيه إن إكس" في مصر، على وجود هذه الفجوة. فقد أنشأت الشركة وحدة بحث وتطوير محلية، لكن الأجهزة التكميلية، مثل الشاشات ووحدات التحكم، لا تزال تُصنع وتُجمع بالخارج. وفي هذا السياق، أشار مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة فانتدج للتنمية العمرانية محمد عبد الجواد، إلى أن هذا الاعتماد على الاستيراد قد يرفع النفقات الرأسمالية للمطورين بشكل حاد عند حدوث تقلبات في أسعار الصرف أو اضطرابات في الشحن.
قد تساعد البيئات التجريبية التنظيمية في سد الفجوة. إذ تكتسب بيئات التجارب أهمية متزايدة، في ظل اتساع الهوة بين التطور التكنولوجي السريع والأطر المؤسسية. وتساعد هذه البيئات التجريبية في الحد من هذا التعارض، مما يسهم في تسريع وتيرة الابتكار وتوطين التقنيات الحديثة دون الإخلال بالأنظمة القائمة، حسبما قاله عمر المنير، الرئيس التنفيذي لشركة سيجما فت والرئيس التنفيذي للابتكار في شركة مسكا للذكاء الاصطناعي، في حديثه مع إنتربرايز.
ماذا بعد؟ جاء تراجع القاهرة ثمانية مراكز في مؤشر المدن الذكية لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، من المرتبة 117 إلى 125، ليؤكد هذا الواقع. إذ لم تقدم الدولة ولا المطورون إجابات للأسئلة الأساسية حتى هذه اللحظة: فمن يضع معايير التشغيل البيني التي تحكم البنية التكنولوجية لـ 38 مدينة؟ ومن يتحمل تكلفة صيانة هذه الأنظمة أو تسليمها؟ ولن يحل إبرام المزيد من الشراكات المشكلة، بل يتطلب الأمر إطارا تنظيميا يتعامل مع البنية الرقمية الخاصة بوصفها بنية تحتية وليست مجرد منتج.