وقعت مصر للتو اتفاقية مدتها 15 عاما دون أن تحسم آلية تدقيق أرقامها بعد. فقد أسندت وزارتا الإسكان والكهرباء مهمة إدارة إنارة الشوارع في المدن الجديدة بجميع أنحاء البلاد إلى تحالف بين القطاعين العام والخاص. وتسمح الاتفاقية للتحالف بالاحتفاظ بما يصل إلى 80% من الوفر المالي الذي يحققه، قبل أن تؤول الأصول إلى الدولة في نهاية المطاف. غير أن الطرفين لم يتفقا بعد على القيمة الفعلية لهذا الوفر.
تتجاوز تقديرات الوزارة للوفر المالي نسبة 30%، وفي المقابل، يعد الشريك الخاص بتحقيق وفر يتراوح في المتوسط بين 55% و57%. وحتى تُقاس كفاءة المنظومة على نطاق واسع، تظل هذه الفجوة هي الرقم الأهم؛ لأنها تحدد نصيب التحالف من أموال الدولة.
يضم التحالف المنفذ للاتفاقية الشركة الوطنية لخدمات الاتصالات وشركة التكنولوجيا الخاصة "إي في إندستريز". كما سيتحمل التحالف مخاطر التمويل بالكامل؛ فالموازنة العامة لن تغطي تكاليف تأسيس المنظومة، وإنما أسس التحالف نفسه شركة ذات غرض خاص تعتمد على تمويلات أجنبية من شركاء أجانب لتغطية التكاليف الرأسمالية، ونشر نحو 500 ألف وحدة تحكم، حسبما صرح طارق عبد الفتاح، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "إي في إندستريز"، في تعليقاته لنشرة إنتربرايز.
في المقابل، سيحتفظ التحالف بنسبة تتراوح بين 70% إلى 80% من الوفر المالي الذي تحققه المنظومة طوال مدة العقد، والتي تصل إلى 15 عاما. وأوضح عبد الفتاح أن آجال التمويل تتراوح بين 12 و15 عاما، على أن تنتقل الأصول الأساسية إلى الدولة بمجرد انتهاء الاتفاقية.
ولا يقتصر الأمر على العوائد المالية؛ بل تلتزم المدن الجديدة بتلبية المعايير الدولية في مجالات الطاقة وإدارة النفايات والسلامة والحوكمة الحضرية، بموجب الاستراتيجية الوطنية للعمران والبناء الأخضر المستدام، والتي وضعتها الحكومة في أكتوبر 2025، وهي خارطة طريق تهدف من خلالها الحكومة إلى جعل مصر مركزا عالميا لتطوير المدن الذكية.
ستستبدل المنظومة بآلية الإطفاء اليدوي التقليدي نظاما جديدا قائما على الخفض اللحظي للإضاءة. وقد بدأ التحالف بالفعل في تنفيذ مرحلة إثبات الجدوى على أعمدة الإنارة المرتفعة بطريق الواحات وثلاث مدن أخرى، وهي الشروق والقاهرة الجديدة و6 أكتوبر. ويشمل ذلك تركيب مصابيح ليد بقدرة 100 وات، متصلة بوحدات تشغيل ذكية ومستشعرات لإنترنت الأشياء، بدلا من مصابيح الصوديوم التقليدية بقدرة 250 وات. تعمل منظومة المصابيح الجديدة على خفض الإضاءة بناء على حركة المرور اللحظية. وتوقع عبد الفتاح الانتهاء من التركيبات قريبا، ليُسجَّل أول ميجاوات فعلي توفره المنظومة لشبكة الكهرباء في الربع الأول من عام 2026، بهدف تحقيق وفر يتراوح بين 40% و60%، وبمتوسط يتراوح بين 55% و57%.
كما طرحت وزيرة الإسكان راندة المنشاوي رؤية مختلفة للمنظومة في بيان إعلان التوقيع في 30 يونيو الماضي. إذ أوضحت أن النظام يعتمد على خفض إضاءة مصابيح الليد بناء على التدفق المروري، بدلا من إطفاء الأعمدة بالكامل، مما يحافظ على معايير السلامة ويقلل الاستهلاك في الوقت ذاته، ويغذي نظاما متكاملا لمراقبة وتحليل بيانات الاستهلاك لدعم متخذي القرار.
وحدد وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت في البيان ذاته رقما دقيقا لحجم الوفر، قائلا إن أنظمة التحكم في الإنارة العامة يمكن أن توفر "ما يزيد على 30%" من الاستهلاك بناء على طريقة تشغيلها، إلى جانب الوفر الفوري الناتج عن استبدال مصابيح الليد، وتركيب أجهزة تحكم متطورة مباشرة في لوحات التغذية. وربط عصمت هذا التوجه بالجهود الأوسع التي تبذلها الوزارة بهدف رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول عام 2028.
وتحمل هذه السابقة أهمية تفوق العوائد المالية. فبقية الوزارات ستتابع كيفية تسوية هذا النزاع، وقد تصبح التوقعات التي يضعها المورد لحجم الوفر هي النموذج المعتمد لشروط تقاسم الإيرادات على مستوى الحكومة بأكملها، وليس فقط في هذا العقد.
توطين التكنولوجيا وسيادة البيانات: بدلا من استيراد المعدات بالعملة الأجنبية، "ستورد "إي في إندستريز" وحدات التحكم والمشغلات عبر مصنعها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالعين السخنة، ضمن شراكة استراتيجية مع الشركة المصنعة العالمية إنفنترونكس، بحسب عبد الفتاح. وستتولى الشركة الوطنية لخدمات الاتصالات استضافة البيانات الناتجة وتأمينها سيبرانيا داخل البلاد عبر بنيتها التحتية وعبر القمر الصناعي "طيبة-1".
وأضاف عبد الفتاح أنه من المتوقع أن تخفض المنظومة فواتير الاستهلاك بنحو 60% إجمالا، بفضل خاصية الخفض اللحظي للإضاءة المعتمدة على الحركة. وقد وقع عبد الفتاح الاتفاقية، إلى جانب كل من أحمد علي، نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لقطاع المرافق، وسامي علي شديد، العضو المنتدب للشركة الوطنية لخدمات الاتصالات.
توفير السعة الشبكية هو المكسب الأهم: أوضح عبد الفتاح أن المشروع يستهدف توفير 127 مليون كيلووات ساعة سنويا، وهو ما يعادل استهلاك نحو 80 ألف برميل نفط مكافئ في محطات الكهرباء كل عام، أي ما قيمته حوالي 10 ملايين دولار سنويا، مما يخفف ضغوط الاستيراد على العملة الأجنبية.
ولا يقتصر الهدف من تعزيز الكفاءة على خفض الفواتير فحسب، بل يمتد لتوفير السعة اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. فمن المتوقع أن تقفز حصة الذكاء الاصطناعي من إجمالي استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات من 25% إلى 60% خلال 3-5 سنوات، وفقا لاستطلاع رأي شمل أكثر من 600 مدير تنفيذي في قطاع المرافق أجرته شركة كابجيميني (بي دي إف). وتوقع نحو 80% من هؤلاء المسؤولين أن تصبح طفرات الطلب أكثر تقلبا ويصعب التنبؤ بها، في حين أبلغ 67% عن طلبات "وهمية" على أحمال مراكز البيانات لا تتحول أبدا إلى أحمال فعلية، إذ يتبخر نحو 19% منها تماما دون أي استهلاك فعلي. ورغم ذلك، يرى 60% أن الذكاء الاصطناعي بحد ذاته يعد عاملا إيجابيا لتعزيز كفاءة الشبكة وتقليل الانقطاعات.
يتحمل المطورون العقاريون نحو 30% من تكاليف البنية التحتية في مشاريعهم الخاصة، مما يدفعهم نحو الشراكات التكنولوجية المماثلة. إذ عقدت الشركة السعودية المصرية للتعمير شراكة مع شنايدر إلكتريك لإدارة الأنظمة في مشروع سنترال التابع لها، في حين تحالفت سيتي إيدج مع شركة وي (المصرية للاتصالات) لتقديم خدمات المدن الذكية في مدينة العلمين الجديدة، وهو نمط رصدته إنتربرايز لأول مرة في يونيو الماضي عبر مشاريع مجموعة طلعت مصطفى، ومدينة مصر، وماونتن فيو، وأوراسكوم للتنمية.
ويرى تامر صادق، الرئيس التنفيذي للعمليات بشركة إن تيك، أن "أتمتة المباني لم تعد رفاهية، بل استثمارا ذا عائد ملموس". فعند استخدام هذه الأنظمة بفعالية، يمكنها توفير 15-30% من استهلاك الطاقة القابل للتحكم، مثل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة، مع استرداد التكاليف خلال 3-5 سنوات. لكن الصيانة هي ما يحقق هذا الوفر فعليا؛ لأن اختلال قراءات المستشعرات أو تعطل وحدات التحكم من شأنه إهدار الطاقة بغض النظر عن مدى ذكاء النظام، حسبما أوضح صادق لإنتربرايز.
وينطبق المنطق ذاته على قطاع المياه؛ إذ أكد لنشرتنا أحمد الزيات، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إدارة الأنظمة الهندسية (EMS)، أن إدارة مرافق المياه والصرف الصحي شديدة الاستهلاك للطاقة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي يحقق وفرا كبيرا.
وأضاف الزيات: "أسفر تطبيق النظام في 22 محطة مياه بالقاهرة الجديدة عن خفض استهلاك الكهرباء بنسبة تتراوح بين 20% و25%، مما أدى إلى خفض تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه إلى 40 قرشا فقط، مع استرداد رأس المال خلال 5-7 سنوات". وأشار الزيات إلى وجود تمويلات ومنح أجنبية، مثل منحة بقيمة ملياري يورو من الاتحاد الأوروبي بفائدة 0% لدعم مشروعات خفض البصمة الكربونية.
هذه التحالفات التشغيلية تتحول تدريجيا في الوقت الراهن إلى النموذج المتبع للتنمية الحضرية. إذ يؤكد تقرير حديث للبنك الدولي (بي دي إف) على ضرورة تدفق الاستثمارات عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص تعكس احتياجات السوق الفعلية، مشيرا إلى أن أنجح النماذج العالمية تنقل الإدارة التشغيلية إلى القطاع الخاص بمجرد نضوج الأصول. ومن ثم فإن قرار وزارة الإسكان بإسناد منظومة الإنارة والمرافق الخاصة بها إلى تحالف تكنولوجي متخصص يجسد تطبيقا حرفيا لهذا النموذج، لضمان استدامة البنية التحتية الرقمية وحمايتها من التقادم.
ماذا ننتظر في المرحلة القادمة؟ إذا تحققت تقديرات الوزارة الأكثر تحفظا البالغة أكثر من 30%، فإن حصة التحالف البالغة 70% إلى 80% ستمنحه عائدا أقل مما يروج له. أما إذا تحقق متوسط الوفر الذي توقعه عبد الفتاح البالغ 55-57% على نطاق واسع، فقد تجد الوزارة نفسها مضطرة لإعادة التفاوض على شروط مماثلة في المدينة التالية التي ستطبق هذه المنظومة، قبل أن ينتهي هذا العقد من سداد تكاليفه.