انتقلت المرونة المناخية من تقارير الاستدامة لتصبح بندا رئيسيا في الميزانيات العمومية. وحدد تقرير صدر في يونيو (بي دي إف) عن مؤسسة التمويل الدولية، بالتعاون مع أكسا كلايمت وساينتفك كلايمت ريتنجز، تكلفة تجاهل هذه المرونة؛ إذ يمكن للصدمات المناخية أن تمحو ما يصل إلى 30% من صافي قيمة أصول نقل الكهرباء، في حين أن حزمة المرونة لأصول المياه لا تكلف سوى 2.4% من قيمة الأصول وتقلص تأثير الصدمات على صافي القيمة إلى النصف. وتحركت وزارة المالية بالفعل في هذا الاتجاه، إذ خفضت سقف الضمانات الحكومية من 740 مليار جنيه إلى 560 مليار جنيه في العام المالي 2027/2026، لتلقي بعبء هذه المخاطر على كاهل المطورين والمقرضين.
تحتاج مصر إلى استثمارات إجمالية تقدر بنحو 675 مليار دولار في البنية التحتية حتى عام 2040، وفق ما صرح به نائب رئيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية السابق لودجر شوكنخت لإنتربرايز في عام 2023. وحتى مع مستويات الإنفاق الحالية، لا تزال هناك فجوة تمويلية تبلغ 230 مليار دولار، وفقا لأحدث تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لم تعد الضمانات السيادية الملاذ الافتراضي لتغطية المخاطر، وأصبح سد الفجوة التمويلية حاليا مشكلة ينبغي أن يتصدى لها القطاع الخاص. ويوصي التقرير بالابتعاد عن الضمانات الشاملة والاتجاه نحو توفير تغطية مخصصة لكل مشروع بناء على تقييم دقيق للمخاطر، وهو الاتجاه الذي تسير فيه الحكومة بالفعل. وحاليا، يتعين على المقاولين والمقرضين تسعير المخاطر التشغيلية والمناخية وإدماجها بأنفسهم في هياكل المشروعات، لتنتهي بذلك الحقبة التي كان فيها التوقيع السيادي بديلا عن الجدوى الاقتصادية للمشروع.
اللامركزية أو الفشل: يتحول الاتجاه العالمي بعيدا عن المحطات المركزية العملاقة، التي تمثل نقطة فشل أحادية تركز المخاطر الفنية والمالية، نحو محطات لا مركزية أصغر حجما تُبنى بالقرب من أماكن الطلب، وفق ما قاله مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة ريدكون للتعمير طارق الجمال لإنتربرايز. وتتسم البنية التحتية الموزعة (اللامركزية) بطبيعتها بمرونة أكبر وسهولة في التمويل على شرائح، وفي سوق غابت عنها التغطية السيادية الشاملة، أصبح هذا النهج متطلبا تمويليا أساسيا.
وأوضح الجمال أن الدولة لم تعد تقدم ضمانات سيادية شاملة لتغطية تكاليف التشييد الباهظة للمحطات الكبرى، والتي قد تصل إلى 5مليارات جنيه في مشروعات تحلية المياه. وبموجب النموذج الجديد، تتولى الشركات بناء وتمويل المحطة، ثم تسترد تكاليفها من خلال مدفوعات حكومية شهرية مرتبطة بالخدمة المقدمة، مما يزيح مخاطر التشييد بالكامل من الميزانية العمومية للدولة لتستقر على كاهل المطورين. وأضاف أن جهات الإقراض الدولية، بما في ذلك مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، تدمج هذا المنطق بقوة في شروط التمويل، وتجعل رؤوس أموالها مشروطة بوثائق تأمين تغطي الأصول ضد المخاطر التشغيلية والمناخية طوال العمر الافتراضي للمشروع.
أجل السداد أولا ثم سعر الفائدة: يقدم تقرير يونيو 2026، الذي يُقيم تكلفة التقاعس المناخي، نتيجة ثانية قد تبدو للوهلة الأولى غير متوقعة، وهي أن إطالة آجال القروض تسهم في تحسين قابلية تمويل مشروعات البنية التحتية المرنة أكثر من خفض أسعار الفائدة. وبالنسبة للمطورين الذين يمولون محطة تحلية مياه بقيمة 5 مليارات جنيه أو شبكة مياه موزعة على مدى عقود، فإن هذا يوجه بوصلة التفاوض بالكامل نحو عدد السنوات التي سيستغرقها سداد الدين.
يقلل تمديد فترة سداد القرض إلى 15 عاما من قيمة الأقساط الفردية بشكل يجعل المشروعات قادرة على الوفاء بالتزاماتها، في حين أن الهيكل التمويلي الأقصر قد يقضي عليها، حسبما ورد في التقرير وأكده الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال لإنتربرايز. وبالنسبة للبنية التحتية التي لا تدر عوائد سريعة، فإن هذا الفارق هو الفيصل بين مشروع قابل للتمويل وآخر غير قابل للتمويل.
لم تعد البنوك تكتتب استنادا إلى الضمانات المادية وحدها. بل تعتمد قرارات الائتمان على القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، ومدى القدرة على التنبؤ بتلك التدفقات، وما إذا كان المشروع قادرا على خدمة ديونه طوال فترة السداد، وأصبحت المرونة حاليا متغيرا ائتمانيا يضعه المقرضون في الحسبان بالفعل. ويوضح عبد العال أن المشروعات التي تثبت تصميماتها الهندسية قدرة واضحة على تحمل الصدمات المناخية تحصل على شروط تمويل أفضل.
انتقلت المرونة من كونها اعتبارا تصميميا إلى صميم التقييم الائتماني نفسه. وتعد القدرة على تقديم آجال سداد أطول هي الميزة الحقيقية التي توفرها المؤسسات التنموية والتي لا تستطيع البنوك التجارية مجاراتها. فالمؤسسات الدولية مستعدة "لتحمل مخاطر أكبر لفترة أطول مقارنة بالبنوك التجارية"، حسبما صرح المدير العام لتمويل المشروعات والشركات بالبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية نجيب حيدر لإنتربرايز. وبالنسبة لمصر، حيث تتراجع مظلة الضمانات، تمثل هذه القدرة الفارق بين المشروع القابل للتمويل والمشروع المتعثر. ويضيف عبد العال أنه بالنسبة لمشروعات البنية التحتية الكبرى، تدفع جهات الإقراض نحو هياكل القروض المشتركة التي توزع الانكشاف على بنوك متعددة وتلغي مخاطر التركز في أي ميزانية عمومية واحدة.
الدولة تتحول حاليا من مقدم للخدمة إلى جهة تنظيمية للعقود، وفقا لما قاله رئيس الوحدة المركزية للشراكة مع القطاع الخاص بوزارة المالية عاطر حنورة لإنتربرايز. وتتراوح عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص بين 300 و400 صفحة وتمتد لفترات تتراوح بين 20 و30 عاما، وتحتاج الحكومة إلى فرق قادرة على إدارة العقد، وليس مجرد تسليم المشروع. ويؤكد حنورة أن الشفافية والتوازن في هذه الاتفاقيات هما ما سيحددان ما إذا كان رأس المال الخاص سيواصل الالتزام أم سينسحب.
لا يزال سوء صيانة الأصول القاتل الصامت لقيمة البنية التحتية. وخلص تقرير منفصل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول حوكمة البنية التحتية إلى أن تمويل الصيانة غير كاف لحماية الأصول بمرور الوقت. وقد دفع المقاولون هذا الثمن بالفعل؛ إذ أصبح مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بأبو رواش دراسة حالة في فخسيولة التشغيل والصيانة، بعد أن تسبب تأخر المدفوعات لسنوات في استنزاف التدفقات النقدية للمقاولين.
الخطوة التالية؟ يمر سوق البنية التحتية في مصر بمرحلة فرز حاسمة. ولن يكون الفائزون هم المقاولين الذين ينتظرون المناقصات الحكومية المدعومة بضمانات شاملة، بل التحالفات التي تجلب تمويلات طويلة الأجل، وتصمم أصولا مرنة مناخيا، وتصيغ عقود "شراء أو دفع" بمنطق اقتصادي مستقل. الإشارة القادمة من رؤوس الأموال العالمية واضحة: حدد البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية هدفا بتوجيه 50% من تمويلاته نحو مشروعات القطاع الخاص بحلول عام 2030. وتتجه رؤوس الأموال هذه نحو المشروعات القادرة على تسعير مخاطرها ذاتيا.