تتجه الحكومة بخطى متسارعة نحو إنهاء حقبة الضمانات السيادية الشاملة في مشروعات البنية التحتية، ويمثل هذا تحولا هيكليا يتماشى مع توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لحماية الموازنة من الديون المستترة. إذ تفرض وزارة المالية سقفا صارما على الضمانات الجديدة للحد من الالتزامات الطارئة، وفي المقابل يرى صناع السوق أن هذا التحجيم لم يعرقل التمويل، بل دفع السوق نحو نماذج تعاقدية بديلة أكثر استدامة. وقد وجدت عقود "الاستلام أو الدفع" أرضية مشتركة قابلة للتطبيق؛ إذ رفعت عن كاهل الخزانة العامة تكاليف التنفيذ الباهظة، مع توفير ضمانات تشغيلية محددة جعلت البنوك والقطاع الخاص يتسابقون لتمويل هذه المشروعات.

القصة الكاملة: على مدى عقود من الزمن، كانت الضمانات السيادية كلمة السر التي تفتح أبواب التمويل البنكي لمشاريع البنية التحتية الكبرى في مصر والمنطقة. ويفضل المستثمرون وممولو المشاريع هذه الضمانات؛ لأنها تنقل فعليا مخاطر التعثر وتقلبات الطلب من عاتقهم إلى موازنة الدولة. بيد أن التقرير الأحدث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الصادر في مايو 2026 (بي دي إف)، يوصي صراحة بأن تكبح الحكومة هذا السخاء المالي، وتنتقل من الضمانات السيادية الشاملة إلى ضمانات مخصصة لكل مشروع، وفقا لتقييم صارم للمخاطر التي تكتنف هذا المشروع.

باتت هذه التوصيات تشكل سياسة الحكومة؛ إذ تعتزم وزارة المالية إحكام قبضتها على الالتزامات الطارئة، عبر خفض الحد الأقصى للضمانات الحكومية إلى 560 مليار جنيه في العام المالي 2026-2027، نزولا من 740 مليار جنيه في العام المالي الحالي. ويهدف السقف الجديد إلى "حوكمة منظومة الضمانات، وقصرها على المشروعات الضرورية فقط"، وفق ما صرح به مسؤول حكومي لإنتربرايز في مايو الماضي، وذلك استجابة لتحذيرات صندوق النقد الدولي من المخاطر العالية للديون المضمونة حكوميا والضغوط السيادية التي تفرضها.

غير أن البنوك ما زالت تضطلع بالدور الرئيسي، حسبما ذكر حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، في كلمته خلال مؤتمر التمويل المستدام الذي شاركت في استضافته مؤسسة التمويل الدولية بالقاهرة في فبراير 2026. وأوضح أن البنوك لم تعد مجرد مؤسسات مالية تقليدية، بل أصبحت من الشركاء الأساسيين في صياغة الحلول التمويلية وابتكار الأدوات التي تدعم هذا النوع من المشاريع طويلة الأجل، لا سيما في مجالات التمويل الأخضر والمناخي، بالتوازي مع تعزيز الاستقرار المالي الذي يشكل الركيزة الأساسية لبناء الثقة بين كافة الأطراف. كما أكد سابقا أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مشيرا إلى أنها أدوات لا غنى عنها لتمويل البنية التحتية والتنمية على المدى الطويل.

حماية الموازنة في مواجهة الحفاظ على جاذبية المشروعات للتمويل: وفقا للنموذج المتبع في الوقت الحالي، تصدر الحكومة ضمانات سيادية لمشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، التي تكون فيها الدولة هي المشتري النهائي للخدمة. وتحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن استمرار إصدار الضمانات الشاملة يعني فعليا تنازل الحكومة عن السيطرة على نتائج المشروعات، مع تحملها الالتزام بتوفير التمويل إذا ساءت الأمور.

ومن منظور الاقتصاد الكلي، من الضرورة بمكان تحجيم هذه الضمانات السيادية. إذ ترى المنظمة أن تقليص نطاق الضمانات سيساعد في "تخفيف الضغوط المالية التي تفرضها الالتزامات المحتملة على الموازنة العامة، مما يخلق مساحة مالية لتنفيذ المزيد من مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص". كما يأتي هذا التحول ضمن خطة أوسع لضبط الاقتراض، والحد من مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في سوق الدين المحلي.

كيف ترى الشركات العاملة في القطاع هذا التحول؟ بالنسبة إلى فِرق تمويل المشاريع، يعني هذا التحول إعادة تسعير المخاطر. ويتجلى هذا الواقع الجديد بالفعل أمام المطورين في عطاءات البنية التحتية الحالية. يفسر طارق الجمال، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة ريدكون للمقاولات، كيف تغيرت القواعد على الأرض، وتحديدا في مشروعات المياه. إذ قال: "تشارك ريدكون للمقاولات بالفعل في مشروعات محطات تحلية مياه البحر". وبسؤاله عن الفارق بين بين النموذج الجديد والنموذج القديم، قال: "في السابق، كانت الدولة تمنح ضمانات سيادية للمشروعات.. وهي التي تبني المحطة". لكن هذا الهيكل تغير حاليا لتخفيف العبء عن الدولة، بحسب الجمال. وأضاف: "حجّمت الدولة الآن منح الضمانات السيادية، بهدف خفض الإنفاق العام. فالشركات تبني المحطة التي تقدر تكلفتها بنحو 5 مليارات جنيه وتمولها أيضا، ثم تتعامل مع الحكومة عبر عقود الاستلام أو الدفع".

ماذا يعني نموذج عقود "الاستلام أو الدفع"؟ بدلا من أن تضمن الدولة التكلفة الرأسمالية للمشروع بالكامل، تقتصر الضمانة السيادية التي تقدمها الدولة الآن على المدفوعات الشهرية المتفق عليها لشراء الإنتاج. ويوضح الجمال أنه إذا كانت المدفوعات المتفق عليها مثلا 10 ملايين جنيه شهريا مقابل الإنتاج، فإن هذا المبلغ سيكون له ضمانة سيادية من الدولة بسداده في كل الأحوال، بالإضافة إلى سداد مقابل أي استهلاك إضافي يتجاوز الحد الأدنى من الإنتاج المتفق عليه. وأضاف أن هذا الهيكل يوازن بين حماية الموازنة، وتوفير الأمان الكافي لجهات التمويل، التي ستكون مطمئنة لوجود تدفقات شهرية مضمونة سياديا للمشروع، مشيرا إلى أن النموذج الجديد جعل القطاع الخاص والبنوك تتنافس لتمويل المشروعات.

التحول يتماشى مع تغيير النمط العام للسوق: يأتي نموذج الضمانات الجديد في الوقت الذي يشهد إعادة تشكيل سوق المقاولات في مصر بناء على ثلاث تحولات هيكلية: تباطؤ المشروعات القومية الكبرى التي تقودها الدولة، وسقف الإنفاق العام، والحاجة إلى الحفاظ على جاذبية المشروعات للتمويل دون تحميل الخزانة العامة التزامات مفتوحة. ودفع هذا الضغط شركات المقاولات الكبرى إلى التوسع بالخارج لحماية تدفقاتها النقدية، تزامنا مع إعادة توجيه الدولة لبوصلتها الاستثمارية نحو قطاعي الكهرباء والطاقة المتجددة؛ فقد ضاعفت استثماراتها في الكهرباء والطاقة المتجددة تقريبا لتصل إلى 136.3 مليار جنيه في العام المالي 2025-2026، صعودا من 72.6 مليار جنيه في العام السابق له، مع توقعات بأن يضطلع شركاء القطاع الخاص بدور متنام.

ضرورة الحد من الإسناد المباشر: رغم الإصلاحات التشريعية التي أدخلتها مصر على قانون التعاقدات العامة وإطار الشراكة مع القطاع الخاص، لا يزال هناك مجال وحاجة لتحسين التنافسية لضمان تحقيق أفضل قيمة مقابل المال. وفي تقرير منفصل وتكميلي حول حوكمة البنية التحتية، تقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إنه من أجل تحقيق الاستفادة القصوى من القوة الشرائية للجهات الحكومية، من المهم تعزيز عمليات الشراء المفتوحة والتنافسية كلما أمكن ذلك. إذ إن الحد من استخدام آلية الإسناد المباشر، وتقليل الاعتماد على الاستثناءات في قانون التعاقدات العامة، من شأنه أن يساعد في تحقيق قيمة أفضل، وتعزيز المنافسة في السوق، وزيادة الشفافية.

ماذا بعد؟ تقف مصر حاليا على أعتاب مرحلة انتقالية ستُحدث غربلة شاملة في سوق المقاولات وتمويل المشروعات. إذ إن التحالفات الفائزة في العطاءات المقبلة، لن تكون تلك التي تعتمد على الدولة كضامن شامل يحميها من مخاطر التنفيذ والتعثر. بل ستكون تلك التي تمتلك إدارة أقوى للمخاطر المالية والتشغيلية، والتي لديها القدرة على هيكلة المشروعات بنظام "الاستلام أو الدفع" أو صيغ الضمان الجزئي الذكي، التي تقنع جهات التمويل الدولية والخاصة بأن المشروع قادر على الصمود بفضل جدواه الاقتصادية المستقلة. وهكذا باتت الرسالة واضحة: هذا هو الثمن الحقيقي لبناء اقتصاد أكثر استدامة وقائم على الأداء.