منحت الهيئة العامة للرقابة المالية المؤسسات المالية غير المصرفية مهلة إضافية مدتها 6 أشهر للامتثال للقواعد الإلزامية الخاصة بالإفصاح عن الانبعاثات الكربونية وخفضها. وتؤكد مصادر بالقطاع أن الشركات بحاجة ماسة إلى هذا الأمر. ولا يعود السبب في ذلك إلى تعقيد عمليات قياس الانبعاثات فحسب، بل لأن بورصة المناخ المصرية لم تسجل سوى 6 صفقات فقط بإجمالي 6 آلاف شهادة منذ تأسيسها في أغسطس 2024، فضلا عن أن أسعار الشهادات بها تزيد عن السعر السائد في السوق العالمية بما يصل إلى 13-17 مرة، ولا يمكن الوصول إليها دون الاستعانة بوسيط مرخص.
أهمية المهلة: تستعد الهيئة العامة للرقابة المالية لإلزام نحو 80-200 مؤسسة مالية غير مصرفية بالإقبال على سوق لم تشهد سوى صفقة واحدة كل ثلاثة أشهر ونصف في المتوسط منذ تأسيسها. وسيكون الموعد النهائي في ديسمبر المقبل هو الفيصل في تحديد ما إذا كان هذا الطلب الإلزامي سيسهم في حل مشكلتي الوصول والتسعير في بورصة المناخ المصرية، أم أنه سيجبر الشركات الممتثلة على المشاركة في سوق تعاني من خلل.
آلية العمل: يشمل تمديد المهلة المؤسسات المالية غير المصرفية الملزمة بقياس انبعاثات النطاقين الأول والثاني والتحقق منها والإفصاح عنها. فبموجب قرار رئيس الهيئة الصادر في 4 يونيو، جرى تمديد الموعد النهائي للامتثال إلى 31 ديسمبر المقبل، بدلا من المهلة الأصلية التي كانت ستنتهي في 30 يونيو. يٌلزم القرار الأصلي الصادر في يناير الشركات التي يزيد رأسمالها المصدر أو صافي حقوق الملكية على 100 مليون جنيه بخفض 20% من انبعاثاتها المفصح عنها عبر بورصة المناخ المصرية، خلال 90 يوما من تاريخ تقديم الإفصاح. وتهدف هذه الخطوة إلى إلزام الشركات بالإقبال على السوق التي تشهد خمولا في الوقت الحالي.
سجل صفقات ضئيل للغاية: يظهر سجل التداولات في بورصة المناخ المصرية إتمام ست صفقات فقط منذ تأسيسها؛ إذ جرى التداول على شهادات المشروع المجمع في المنيا الذي يستخدم معايير اقتصاد المحبة ثلاث مرات فقط: الأولى تضمنت 500 شهادة بسعر ألف جنيه للشهادة في أغسطس 2024، وتلتها صفقتان على 500 شهادة أخرى في نوفمبر 2024 بسعر 1300 جنيه للشهادة. أما المشروع المجمع في الواحات، الذي يتبع أيضا معايير اقتصاد المحبة، فجرى التداول عليه مرة واحدة في مايو 2025 ضمن صفقة شملت 500 شهادة بسعر ألف جنيه للشهادة. وحظي بالصفقتين المتبقيتين مشروع الزراعة الحراجية في البنجاب، وهو مشروع هندي مسجل لدى منصة فيرا ؛ إذ جرى التداول على 2500 شهادة و1500 شهادة أخرى تابعة له في اليوم نفسه من أغسطس 2024 بسعر 18 دولارا للشهادة، وهو ما يقع ضمن النطاق العالمي للشهادات الممتازة القائمة على الطبيعة.
صندوق أسود في ثوب بورصة
يعد غياب الشفافية أول عقبة تصطدم بها شركات شراء وبيع شهادات الكربون في بورصة المناخ المصرية. فعلى النقيض من المنصات العالمية، التي على شاكلة فيرا أو جولد ستاندرد، والتي تسمح للمشتري المؤسسي بالتسجيل عبر الإنترنت وتصفح المشروعات حسب الدولة والنوع وسنة الإصدار والسعر وأيضا إهلاك الشهادات في اليوم نفسه، تفتقر بورصة المناخ المصرية للحد الأدنى من الشفافية. فليس هناك شريط أسعار معلن، ولا سجل أوامر فوري، ولا دليل مشروعات قابل للبحث، وفق ما قاله عمر غالي، الرئيس التنفيذي ومؤسس المركز المصري للكربون، خلال حديثه مع إنتربرايز. وأضاف: "لا توفر بورصة المناخ المصرية هذا المستوى من سهولة الوصول".
لمحة سريعة: تعد فيرا وجولد ستاندرد أكبر سجلين طوعيين لشهادات الكربون حول العالم، إذ تتتبع كلتا المنصتين الجزء الأكبر من الشهادات المتداولة دوليا وتعتمدها. ويمثل دليل المشروعات المتاحة للجمهور لديهما، والتسعير الشفاف، وآليات إهلاك الشهادات ذاتيا، المعيار التشغيلي القياسي الذي تُقيَّم على أساسه أي بورصة جديدة.
ولا يخلو نظام بورصة المناخ المصرية من التعقيدات. إذ قال غالي إن منصتها "تتطلب المرور بعملية تسجيل معقدة تحاكي البورصات التقليدية، إذ يتعين عليك الاستعانة ببنك استثمار أو شركة سمسرة مرخصة للشراء أو البيع نيابة عنك. يضيف هذا مستويات إضافية من البيروقراطية ووقت المعالجة والرسوم، مما يشكل عائقا كبيرا أمام المشاركة في السوق".
ينتج عن هذا وضع تسعيري يصعب تبريره مقارنة بالمؤشرات العالمية. فقد تراوح سعر تنفيذ الصفقات المحلية الأربعة في البورصة المصرية بين ألف و1300 جنيه للشهادة، أي نحو 20 إلى 26 دولارا بالأسعار الحالية. وفي المقابل، يتراوح السعر العالمي لشهادات الكربون الصادرة عن مشروعات الطاقة المتجددة، وهي الفئة الأكثر انتشارا عالميا، بين 1.5 دولار ودولارين فقط، وفقا لبيانات مبادرة إيكوسيستم ماركت بليس. وفي ظل غياب آلية تنافسية لتحديد الأسعار، وعدم وجود مشترين دوليين للموازنة وخفض هذه الفروق السعرية الكبيرة، تظل الأسعار المحلية منفصلة تماما عن واقع السوق العالمية.
حتى إذا تجاوز المشترون عقبة السمسرة ووصلوا إلى البورصة، فإنهم يواجهون سؤالا أكثر جوهرية: ما هي الجدوى الفعلية لشهادات الكربون؟ فيتساءل عمر النمر، رئيس إدارة المشروعات والهيكلة بشركة " في إن في أدفيزوري ": "هل يمكنني استخدامها لخفض انبعاثات النطاق الأول؟ وهل تُحتسب ضمن انبعاثات النطاق الثاني؟ وهل تؤثر على امتثالي لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية ؟ وهل يمكنني استخدامها في مبادرة الأهداف القائمة على العلم (SBTi) أوبروتوكول غازات الاحتباس الحراري ؟". بهذا لخص النمر التساؤلات التي بدأت تطرحها إدارات المشتريات والامتثال في المؤسسات المالية غير المصرفية بمصر.
ويبدو أن الهيئة العامة للرقابة المالية نفسها تدرك هذه التعقيدات؛ إذ وصف رئيس الهيئة إسلام عزام القرار الصادر في 4 يونيو بأنه يهدف إلى "تخفيف العبء عن الشركات الملزمة"، وهي صياغة مؤسسية تشير إلى إدراك الجهة التنظيمية أن التطبيق على أرض الواقع أصعب بكثير مما افترضته القواعد الأصلية، بعد خمسة أشهر فقط من صدور قرار الامتثال. وتواصلت إنتربرايز مع مصدر في الهيئة للتعليق على القضايا المثارة في هذا التقرير، لكنها لم تتلقَ ردا حتى موعد النشر.
هل كان ضعف الطلب متوقعا منذ البداية؟
كانت قاعدة الطلب المحلي ضعيفة للغاية قبل فترة طويلة من ظهور مشكلات الوصول إلى البورصة. فيشير النمر إلى أن أقل من 15 شركة مصرية فقط مسجلة ضمن مستهدفات الصافي الصفري للانبعاثات ضمن مظلة مبادرة الأهداف القائمة على العلم. وقبل صدور قرار الهيئة الصادر في يناير 2026، كانت معظم المناقشات المؤسسية حول شهادات الكربون تنتهي بالإشارة إلى أن عمليات الشراء تُنفذ مركزيا من المقار الرئيسية للشركات بالخارج. ويضيف النمر: "الآن نشهد مشاركة فعالة من إدارات المشتريات والامتثال، ونخوض نقاشات مع هذه الشركات حول ماهية انبعاثات النطاقين الأول والثاني، ومعنى شهادات الكربون من الأساس".
وتابع النمر موضحا أنه "هناك حالة من الهدوء العام في سوق الكربون الطوعية عالميا"، ومشيرا إلى حالة الغموض المستمرة المحيطة ب المادة السادسة مناتفاقية باريس للمناخ وخطة كورسيا لقطاع الطيران، وهذه العوامل تجعل الشركات حول العالم مترددة بشأن دور الشهادات في التزاماتها بخفض الكربون. ويرى أن الحل يجب أن يأتي من الجهات الدولية لوضع المعايير قبل أن تتحرك الأسواق المحلية. بالإضافة إلى ذلك، يمثل الإصدار الثاني من معيار الصافي الصفري لانبعاثات الشركات، الصادر عن مبادرة الأهداف القائمة على العلم في 11 يونيو، نقطة تحول محتملة كونه أول إصلاح جوهري للإطار المؤسسي الرائد منذ عام 2021. كما يوجه نحو مزيد من الوضوح حول كيفية إدراج شهادات الكربون في تحديد الأهداف الصفرية، بحسب النمر، الذي أضاف أنه "بمجرد ظهور إشارات وتوجيهات واضحة حول كيفية استخدام شهادات الكربون للوصول إلى المستهدفات المناخية، سنشهد انتعاشا ليس فقط على المستوى العالمي، بل في مصر أيضا".
وتزيد هياكل دعم الطاقة من تعقيد المشكلة على المستوى الصناعي. ففي ظل أسعار الكهرباء المدعومة بدرجة كبيرة، لا يمتلك أصحاب المصانع أي حافز مالي للاستثمار في البنية التحتية للطاقة الشمسية، أو توليد الشهادات، أو حتى شرائها. ويشير غالي إلى أن السوق الطوعية تطلب من الشركات إنفاق أموال على شيء لا يحقق عائدا ماليا، ولم يكن ينطوي على أي تبعات تنظيمية قبل صدور القرار في يناير 2026. ويرى أن ما قد يحدث فارقا حقيقيا هو فرض إلزام تدريجي في حالة الانبعاثات الصناعية وتطبيقه بصرامة، وتوفير تمويل مناخي منخفض الفائدة من البنك المركزي لدعم هذا التحول. ويضيف أن البنوك المحلية لا تقدم تمويلا مناخيا مدعوما، مما يعني أن الشركات الراغبة في الاستثمار في الطاقة المتجددة أو التصنيع منخفض الانبعاثات لا تجد مسارا ميسرا لتمويل هذا التحول في المقام الأول.
السوق الفعالة تتجاوز البورصة
ثمة حقيقة مفادها أن شهادات الكربون التي تشهد تداولا فعليا لا تمر عبر بورصة المناخ المصرية؛ إذ إن المركز المصري للكربون الذي يرأسه غالي هو المطور لمشروع زراعي ضخم للجوجوبا على الساحل الشمالي، يمتد على مساحة تقارب 21 ألف فدان ويضم نحو 4 ملايين شجيرة، ومن المتوقع أن يولد نحو 3 ملايين شهادة كربون على مدار 30 عاما. وحظي المشروع بالفعل باهتمام مسبق من مشترين مؤسسيين عالميين لشراء الإصدارات الأولى من الشهادات عبر سجلات دولية بدلا من البورصة المحلية. ويؤكد غالي أن "الطلب العالمي على الشهادات عالية الجودة القائمة على الطبيعة قوي للغاية"، في الوقت الذي تشهد فيه البورصة المحلية ركودا تاما. ويعني هذا أن صعوبة الوصول إلى البورصة لا تقتصر على كونها مجرد عقبة تشغيلية، بل إنها تتسبب في لجوء أفضل أصول السوق إلى تجاوزها من الأساس، على الأقل بناء على الواقع المشهود في أول 22 شهرا من عمر البورصة.
بيد أن البنية التنظيمية التي وضعتها الهيئة العامة للرقابة المالية تبقى أكثر شمولا مقارنة بمعظم أسواق الكربون الطوعية المماثلة. فيشير النمر، الذي يتولى تطوير مشروعات كربون في 17 دولة، إلى أن الإطار التنظيمي المسؤول عن قيد المشروعات واعتمادها والتحقق منها وتداولها هو الأكثر صرامة مقارنة بأي سوق طوعية واجهها عالميا. وقال: "تقييمي المنصف هو أننا لم نشهد هذا المستوى من الشمول والصرامة الذي قدمته الهيئة العامة للرقابة المالية في أي من الأسواق الأخرى التي نعمل بها". وبناء على ذلك، فإن السؤال الذي ستجيب عنه مهلة ديسمبر هو ما إذا كانت القواعد وحدها قادرة على بناء سوق حقيقية.
رأينا: نجحت الهيئة العامة للرقابة المالية في خلق طلب إلزامي في سوق افتقرت تماما إلى هذا الطلب. غير أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على تضافر ثلاثة عوامل في آن واحد: أن تنجح البورصة في حل مشكلة الوصول قبل ديسمبر المقبل، وأن تتخذ الهيئة إجراءات صارمة ضد الشركات التي تكتفي بتقديم التقارير دون شراء شهادات الخفض، وأن تقدم الجهات الدولية المعنية الوضوح الذي تنتظره السوق العالمية بشأن استخدام الشهادات، وهو ما أشار إليه النمر.
ما نترقبه: بموجب قرار الهيئة الصادر في 4 يونيو 2026، يجب تقديم التقارير بحلول 31 ديسمبر 2026، على أن يجري شراء شهادات الخفض خلال 90 يوما من ذلك التاريخ، مما يعني أن أولى عمليات الإهلاك الإلزامية لشهادات الكربون في بورصة المناخ المصرية ستكون أواخر الربع الأول من عام 2027.