استراتيجية الشهادة مقابل الدولار: تراهن مصر على الطلاب الوافدين في محاولة لتحويل التعليم العالي إلى مورد إضافي للنقد الأجنبي. وساهمت منصة القبول التابعة لوزارة التعليم العالي "ادرس في مصر" في جذب 198 ألف طالب وافد خلال عام 2025، التحق 138 ألفا منهم بالتعليم الجامعي، وفقا للوزارة. لكن ثمة فجوتان قد تعرقلان هذه المساعي، وهما الرسوم التي تفرضها الجامعات وشروط القبول بها.

ويضم التعليم العالي في مصر 138 ألف طالب وافد من 119 جنسية، يدرسون في 28 جامعة حكومية و34 جامعة خاصة و22 جامعة أهلية.

واستحوذت جامعة القاهرة وحدها على ربع هذا الإجمالي، إذ تستضيف أكثر من 33 ألف طالب وافد من أكثر من 110 دولة حول العالم، ما يفوق أي مؤسسة تعليمية أخرى في مصر. وتليها جامعة الإسكندرية بنحو 17 ألف طالب، حسبما صرح مسؤول حكومي لإنتربرايز في وقت سابق. وأضاف المسؤول أن جامعتي عين شمس والمنصورة أيضا من أبرز الجامعات الجاذبة للطلاب الأجانب والمعترف بها لدى عدد كبير من الدول.

ونظمت وزارتا الاستثمار والتجارة الخارجية والتعليم العالي والبحث العلمي أولى بعثاتهما الترويجية في نيجيريا، بهدف جذب 30 طالبا جديدا. وأسفرت البعثة عن تسجيل 175 طالبا، مع توقعات بتسجيل 15 إلى 20 طالبا آخرين، وفقا لما ذكره علاء البيلي، رئيس الهيئة المصرية العامة للمعارض والمؤتمرات لإنتربرايز سابقا.

وتخطط الوزارة لتنظيم بعثات ترويجية إلى أسواق جديدة، وتعتمد استراتيجية جذب الوافدين أيضا على المعارض التعليمية في عدد من الدول العربية والأوروبية، فضلا عن تحركات بعض الجامعات الخاصة للترويج لبرامجها بصورة منفردة.

القطاع الطبي في الصدارة، والذكاء الاصطناعي يلحق به: استحوذ القطاع الطبي على النسبة الأكبر من التحاق الطلاب الوافدين، يليه القطاع الهندسي، بحسب بيان الوزارة. وفي المقابل، تأتي تخصصات العلوم الإنسانية والحقوق في مراتب متأخرة وتجذب غالبا الطلاب غير الناطقين بالعربية، وفقا للمسؤول. فيما تكتسب برامج الذكاء الاصطناعي وعلوم البرمجة زخما متزايدا حتى مع احتفاظ التخصصات التقليدية بمكانتها، بحسب المصدر نفسه، الذي أشار إلى أن الوزارة أدرجت الكليات والجامعات التكنولوجية ضمن منصة "ادرس في مصر"، لتوسيع نطاق تركيزها ودعم التخصصات الأحدث.

مستهدف أكثر طموحا: دعا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى زيادة معدلات التحاق الطلاب الوافدين بنسبة 150%، وهو الهدف الذي تبنته الوزارة الآن، بحسب المتحدث باسمها عادل عبد الغفار.

وقال المسؤول الحكومي لإنتربرايز إن التوجيهات تُترجم حاليا إلى إطار تنفيذي، على أن ترفع هذه الزيادة حصة الطلاب الوافدين إلى نحو 6% من إجمالي طلاب الجامعات بحلول 2030، وهي النسبة التي تعتمدها الوزارة لقياس مدى تحقيق مستهدف الزيادة البالغ 150%.

ومن المتوقع أن تُترجم هذه المساعي إلى إيرادات مستقرة من العملات الأجنبية. وأضاف المسؤول أن الحكومة استهدفت في وقت سابق تحقيق إيرادات تصل إلى ملياري دولار سنويا من تصدير الخدمات التعليمية، ويخضع هذا الرقم للمراجعة في الوقت الحالي.

الرسوم الدراسية تتفاوت بشكل ملحوظ بين الجامعات: تدرج منصة "ادرس في مصر" الرسوم الدراسية لمرحلة البكالوريوس بين 3500 دولار و8000 دولار، غير أن المسؤول الحكومي وضح هذا النطاق بشكل أدق بحسب التخصص ونوع الجامعة؛ إذ تتراوح الرسوم بين 6000 و8000 دولار للكليات الطبية بالجامعات الحكومية، وما بين 5000 و8000 دولار للكليات العملية الأخرى، وتبلغ نحو 3500 دولار لتخصصات العلوم الإنسانية. فيما تتراوح الرسوم في المتوسط بالجامعات الخاصة بين 10000 و12000 دولار لدراسة لطب، و7000 إلى 10000 دولار للهندسة، في حين قد تصل رسوم فروع الجامعات الدولية إلى 20 ألف دولار لدراسة الطب.

وتعتمد الجامعات الحكومية على استقطاب أعداد كبيرة من الطلاب سعيا وراء استمرار الطلب، بدلا من تقديم خدمات مرتفعة التكلفة، ولذلك تفرض رسوما أقل، وفقا لما ذكره أعضاء هيئة تدريس بجامعتي القاهرة والإسكندرية لإنتربرايز. وتسجل الجامعات الخاصة أعدادا أقل بكثير من الطلاب الوافدين، لكنها غالبا ما توفر برامج للدمج الثقافي بين الطلاب الوافدين والمصريين، وهو ما يرفع تكلفة الرسوم الدراسية.

وفي كلتا الحالتين، ارتفعت الأسعار مع زيادة الطلب؛ إذ تضاعفت الرسوم الدراسية لكليات الطب بالجامعات الحكومية بنحو مرتين إلى ثلاث مرات، مقارنة بما كان يدفعه الطالب الوافد قبل بضع سنوات والذي كان يتراوح بين 2000 و4000 دولار.

وجاءت أفضل مراكز مصر في التصنيفات العالمية من نصيب الجامعات الحكومية؛ إذ حلت جامعة القاهرة في المرتبة الـ 164 عالميا في الطب والـ 136 في علوم الحاسب ضمن تصنيف "كيو إس" العالمي للجامعات لعام 2026 بحسب التخصص، فضلا عن إدراج ست جامعات حكومية مصرية ضمن قائمة أفضل ألف جامعة عالميا في تصنيف شنغهاي لهذا العام.

وتعد معايير القبول في مصر أدنى لبعض الطلاب الوافدين مقارنة ببلدانهم الأصلية. فالأردن لا يعترف بالشهادات الجامعية في الطب أو طب الأسنان التي يحصل عليها الطلاب من الخارج ما لم يحصل الطالب على مجموع 90% على الأقل في امتحانات الثانوية العامة، ارتفاعا من 85% قبل عامين فقط. وتطبق فلسطين المعيار نفسه على طلابها في تخصص الطب، وتخفض النسبة قليلا إلى 85% لطب الأسنان بموجب قرار صدر في يوليو 2026. وتعد اشتراطات العراق أكثر صرامة، إذ تشترط حصول الطالب على 95% لدراسة الطب، و90% للصيدلة وطب الأسنان، وفقا لإعلان وزاري في يوليو 2026. أما مصر فتشترط مجاميع بين 70% و75% من المتقدمين الأجانب، وتقدم خصومات تصل إلى نصف الرسوم للطلاب الوافدين من السودان وفلسطين وسوريا.

ويواجه الطلاب المصريون شروط قبول أكثر صرامة من الطلاب الوافدين؛ إذ أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد العزيز قنصوة أن الحد الأدنى للقبول بكليات الطب للمواطنين المتقدمين عبر نظام التنسيق الداخلي للعام الدراسي 2027/2026 يبلغ 94.06%، ارتفاعا من 93.1% في العام السابق، وهو حد أدنى لا تلزم به مصر المتقدمين الوافدين.

وتخطط مصر لخفض أعداد المقبولين المصريين بكليات الطب، ولكن ليس لإفساح المجال أمام الطلاب الوافدين، وفق تصريحات سابقة لمصطفى كمال رئيس جامعة بدر بأسيوط لنشرة إنتربرايز. وأوضح كمال أن هذا الخفض يرتبط أساسا بفرص العمل المتاحة للأطباء وميزانية الدولة المخصصة لتعيين الأطباء الجدد، وليس بمبادلتهم بالطلاب الوافدين.

وتطرق نقيب الأطباء أسامة عبد الحي إلى تزايد أعداد الخريجين الذين التحقوا بكليات الطب بمعدلات لا تتجاوز 50%، أو تخرجوا في كليات طب خاصة وأجنبية حديثة الترخيص لا تمتلك مستشفيات تعليمية مخصصة، وذلك خلال مقابلة مع برنامج الحكاية على قناة "إم بي سي مصر" (شاهد 11:04 دقيقة). وأكد عبد الحي أن التسجيل في النقابة يخضع لمعايير الجودة التي يحددها القانون، وأن خريجي المؤسسات التي لا تستوفي معايير التدريب السريري أو الاعتماد لن يحصلوا على التراخيص تلقائيا، بغض النظر عن حصولهم على الشهادة.

الجودة أولا ثم زيادة الأعداد: يدعم الأستاذ بجامعة حلوان، وائل كامل، توجه الحكومة لزيادة أعداد الطلاب الوافدين وتعظيم الإيرادات الدولارية، لكنه يرى أن التوسع يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع الحفاظ على جودة الجامعات المصرية وسمعتها.

وتتزايد الدعوات لإجراء إصلاحات حقيقية في جميع البلاد؛ إذ تحتاج مصر إلى "رفع الحدود الدنيا للقبول بالجامعات المصرية، إلى جانب وضع شروط أكثر صرامة فيما يتعلق بحضور الطلاب الوافدين والتدريب والممارسة العملية، خاصة في كليات الطب، بالتوازي مع إصلاح منظومة أجور أعضاء هيئة التدريس بما يتناسب مع زيادة أعداد الطلاب"، بحسب ما ذكره كامل لإنتربرايز.

وأضاف كامل أنه "إذا كان الهدف هو زيادة الدخل القومي من تصدير الخدمات التعليمية، فالرهان يجب أن يكون على زيادة الأعداد مع الحفاظ على مستوى الجودة، وليس فقط رفع الأسعار على أعداد محدودة".