يواجه قطاع الهيدروجين الأخضر لدينا معضلة حسابية، وقد رسمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتو مسارا لحلها. إذ تقدر المنظمة في تقرير جديد (بي دي إف) تكلفة إنتاج الكيلوجرام الواحد من الهيدروجين الأخضر في مصر بنحو 3.7-4.8 دولار، وهو ما يمثل على الأقل ضعف السعر المستهدف في استراتيجيتنا الوطنية والبالغ 1.8 دولار، ونحو 2-3 أمثال تكلفة إنتاج الوقود الأحفوري البالغة 1.40-1.80 دولار. وبهذا فإن الاستحواذ على حصة تتراوح بين 5% و8% من السوق العالمية بحلول عام 2040 كما تأمل خطتنا الوطنية يتطلب استثمارات بقيمة 45.6 مليار دولار، فقط للوصول بطاقتنا الإنتاجية إلى 1.5 مليون طن سنويا بحلول عام 2030.
ورغم توقيع العديد من الاتفاقيات المبدئية، لا تزال قرارات الاستثمار النهائية نادرة. إذ تعوق مجموعة من التحديات اتخاذ هذه القرارات، بدءا من مخاطر الدولة نفسها وارتفاع تكاليف الاقتراض بسبب تقلبات الاقتصاد الكلي، ومرورا بالتصنيف الائتماني السيادي غير المتوقع، وانتهاء بضعف الطلب العالمي وغياب مسارات النقل إلى أوروبا.
المنح الرأسمالية تلعب الدور الأكبر: من شأن المنح المخصصة للمحللات الكهربائية وأنظمة الطاقة المتجددة أن تسد فجوة التنافسية بنسبة تتراوح بين 70% و90%، أي أنها يمكن أن تكون أكثر فعالية بكثير من العلاوات الخضراء أو آليات تسعير الكربون، وفقا لتقرير المنظمة. ونظرا لأن الإنتاج واسع النطاق للهيدروجين الأخضر لا يزال في مراحله الأولى وليست له سوى سوابق تشغيلية قليلة، فإن المنح هي مفتاح جذب رؤوس الأموال الخاصة، التي لولاها ستجد أن معادلة العوائد والمخاطر ليست جذابة.
النموذج الهجين هو الأرخص إنتاجا وليس المستقل عن الشبكة: يرتكز هذا النموذج على تشارك محطات الطاقة المتجددة والمحللات الكهربائية وأنظمة التخزين المضغوط، مع الاتصال بالشبكة القومية للحصول على 2-5% من الكهرباء اللازمة عندما لا تكون طاقة الرياح والشمس كافية. فالبديل هو تحمل تكاليف باهظة للبطاريات لضمان استمرار التشغيل. ويمكن للمواقع التي تتمتع بمعدلات عالية لطاقة الشمس والرياح مثل مدينة رأس غارب أن تدفع التكلفة المستوية لإنتاج الهيدروجين إلى الحد الأدنى من النطاق السعري.
💡 المحللات الكهربائية هي الآلات التي تفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام الكهرباء. وعندما تأتي هذه الكهرباء من مصادر متجددة، يُوصف الهيدروجين بأنه "أخضر". وتحتاج الأنظمة غير المتصلة بالشبكة إلى بطاريات لتخزين الطاقة كي تواصل الإنتاج عند توقف الرياح أو غروب الشمس؛ بينما تستمد الأنظمة الهجينة طاقتها من الشبكة القومية بدلا من ذلك.
مخاطر سعر الصرف هي العقبة الأخرى: في حين تُسدد تكاليف المشروعات بالعملة الصعبة، فمن المرجح أن تكون الإيرادات المحققة بالجنيه. ويتمثل الحل الذي تطرحه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إشراك البنوك المحلية لتمويل المكونات المقومة بالجنيه، والاعتماد على ضمانات الصرف الأجنبي من مؤسسات التمويل الدولية، وإعطاء الأولوية للمشروعات الموجهة للتصدير التي تدر عملة صعبة كوسيلة للتحوط.
الأطر التنظيمية تتغير.. لكن ببطء: تتيح أطر الإدارة المستقلة لنقل الطاقة وتداولها فيما بين النظراء لمولدي الطاقة المتجددة توفير إنتاجهم لصالح منتجي الهيدروجين. وقد انفصلت مؤخرا الشركة المصرية لنقل الكهرباء عن الشركة القابضة لكهرباء مصر، وبدأت في إصدار الموافقات على تراخيص بيع الكهرباء فيما بين النظراء. والخطوة التالية هي الانتقال من تأسيس بنية تحتية خاصة بكل مشروع على حدة إلى نموذج الاستخدام المشترك، والذي يقوم على تشارك خطوط الأنابيب ومحطات التحلية ومحطات التصدير، لا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وقد طبقت ناميبيا والبرازيل هذا النموذج بالفعل.
المشتقات أسهل في التسويق: تتمتع مشتقات مثل الأمونيا الخضراء والحديد الأخضر والميثانول الإلكتروني بسهولة النقل مقارنة بالهيدروجين الغازي، وفرص تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي أكبر، وبالأخص في ظل آلية تعديل حدود الكربون التي يطبقها التكتل. فإنتاج الحديد الأخضر في مصر أرخص بنحو 25% مقارنة بالاتحاد الأوروبي بفضل انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة. كما يمكن الاستفادة من صناعة الأسمدة القائمة لدينا في إنتاج الأمونيا الخضراء، والتي تعد من أكثر الحوامل السائلة للهيدروجين قابلية للإنتاج على نطاق واسع في السوق.
القطعة المفقودة.. اتفاقيات الشراء: الهيدروجين الأخضر باهظ التكلفة بالنسبة للمشترين وعالي المخاطر بالنسبة للمنتجين، لذا تقترح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجود وسيط مدعوم من الحكومة يدير آلية لعقود الفروقات، فيشتري من المنتجين بسعر ثابت ويبيع للمشترين بسعر السوق، ويتحمل هو الفارق. وهذا هو ما سينقل المشروعات من مرحلة مذكرات التفاهم إلى التنفيذ الفعلي.