وضعت الحكومة مستهدفات محددة لاستخدام الطاقة المتجددة في القطاع الصناعي، لكنها لم تضع بعد الأسس اللازمة لتنفيذها. تُلزم هذه الخطط المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مصانع الأسمدة والحديد والصلب، بالاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 25%، والمنشآت الصناعية الأخرى بنسبة 15%، ولكن لم يصدر حتى الآن أي قرار أو لائحة أو قرار من المجلس الأعلى للطاقة لتفعيل هذا التحول، وفق ما كشفه مسؤول في وزارة الصناعة لإنتربرايز، مضيفا أن الحكومة تعكف حاليا على صياغة آليات التمويل، ومتطلبات التوثيق، والدعم الفني الذي سيحتاجه المصنعون للامتثال لتدابير الطاقة الشمسية.
في تعليقه لإنتربرايز، قال كريم الجندي، المدير التنفيذي لمعهد كاربون: "هناك فرق بين وجود مستهدف على الورق ومدى قابليته للتنفيذ". وأضاف أن وجود مستهدف إرشادي دون وجود إطار عمل واضح يحدد كيفية شراء المصنع حصته من الطاقة والتحقق منها، يجعل من الصعب على أي مستثمر أو أي جهة إقراض تسعير التكلفة بثقة.
بدأ التحول نحو المستهدفات الجديدة لاستخدام الطاقة المتجددة في يناير الماضي، حينما أشار وزير الصناعة آنذاك كامل الوزير إلى أن الوزارة تمنح حاليا معاملة تفضيلية لاستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة عند تقييم طلبات إنشاء مصانع جديدة، لتخفيف الضغط على الشبكة القومية للكهرباء. بالإضافة إلى ذلك، يلزم المجلس الأعلى للطاقة في الوقت الراهن المنشآت الكبيرة كثيفة الاستهلاك للطاقة بتلبية نسبة كبيرة من احتياجاتها عبر الطاقة الشمسية، وذلك في إطار الإجراءات الخاصة بالموافقات والحصول على التراخيص. ويأتي التوجه نحو إلزام المصانع الجديدة بالاعتماد على الطاقة الشمسية ضمن استراتيجية أوسع تستهدف زيادة حصة الطاقة المتجددة في الصناعة، وأيضا خفض تكاليف الإنتاج، وتحسين كفاءة التصنيع، وتعزيز تنافسية الصادرات المصرية.
أثارت هذه الخطة تساؤلات حول كيفية تطبيقها على أرض الواقع؛ فمنذ إعلان الوزير في يناير، لم يصدر أي قرار أو لائحة معلنة، مما يفتح باب التساؤل حول المشاريع المشمولة بالقرار، وكيفية تقييم الامتثال، وما إذا كانت هذه المتطلبات ملزمة قانونا.
أزمة التكاليف تزيد المشكلة تعقيدا؛ فقد تباطأ الطلب الصناعي على مشاريع الطاقة المتجددة رغم التحفيز الحكومي، نظرا إلى أن ارتفاع التكاليف جعل التركيبات الجديدة أقل جاذبية، وفق ما كشفه مصدر في إحدى شركات الطاقة المتجددة خلال حديثه مع إنتربرايز. إذ ارتفعت تكلفة إنشاء مشاريع الطاقة الشمسية إلى نحو 20 مليون جنيه لكل ميجاوات، مقارنة بنحو 14.5 مليون جنيه في السابق، مدفوعة بزيادة قيمة الدولار وارتفاع تكاليف استيراد الألواح والمعدات الأخرى، إثر التصعيد الإقليمي والاضطرابات الملاحية، بحسب المصدر. كما أدى ارتفاع التكاليف الاستثمارية المبدئية إلى إطالة فترات استرداد التكلفة، مما تسبب في مزيد من التراجع على مستوى الطلب.
مصر تتخذ مسارا مختلفا عن دول الخليج: قال الجندي: "بدأ الخليج بتوفير إمدادات رخيصة وترك الطلب يتبعها. أما مصر، وفي ظل أزمة الغاز التي وضعت الصناعة في صدارة القطاعات المتأثرة بانقطاع الكهرباء، فتعتمد على شروط التراخيص لتكون أداة لتوجيه هذا الطلب. ولكن في الوقت الحالي، يبدو الأمر كما لو أنه آلية فرز وليس سوقا حقيقية". كذلك وضعت كلتا الإمارات والسعودية اللبنات الأساسية لنموذجها اعتمادا على مشترٍ حكومي وحيد يدير مزادات تنافسية، مما دفع تعريفات الطاقة الشمسية إلى مستويات منخفضة قياسية. وأضاف الجندي: "عندها أقبل قطاع الصناعة على شراء الطاقة النظيفة الأرخص سعرا؛ لأنها كانت مجدية اقتصاديا، لا لأن طرفا ما ألزمه بذلك".
كما تعمل الحكومة من جانبها على الشق التمويلي؛ إذ يناقش المسؤولون سبل توفير الدعم الفني والتمويل الميسر مع شركاء التنمية المحليين والدوليين والبنوك المصرية لمساعدة المصنعين في تمويل تركيبات الطاقة الشمسية، بحسب المسؤول الحكومي، مضيفا أن وزارة الصناعة تدرس أيضا إدخال تعديلات على مبادرة التمويل المدعومة من وزارة المالية للقطاع الصناعي بفائدة 15%، للسماح بتمويل محطات الطاقة الشمسية.
حل بديل على الطاولة: زادت وفورات فواتير الكهرباء لدى المصانع التي اعتمدت على الطاقة الشمسية، وفق ما قاله مصدر لإنتربرايز في إحدى شركات الطاقة الجديدة والمتجددة. واقترح المصدر إنشاء صندوق مخصص لإعادة تدوير جزء من هذه الوفورات وتقديمها قروضا ميسرة للمصانع التي لم تُركب بعد أنظمة الطاقة الشمسية.
ما نترقبه: يُبرز الجندي مؤشرين، الأول هو "ما إذا كانت هذه المستهدفات ستُترجم في النهاية إلى قرار أو لائحة تنفيذية، أم ستبقى مجرد مستهدفات قطاعية خاضعة للتفاوض". أما الثاني، فهو "تطور آليات الشراء؛ إذ إن وجود نظام فعال لبيع الطاقة المتجددة بدمجها عبر شبكة الكهرباء القومية، ونظام شهادات قابل للتمويل، يعد أهم هنا من النسبة المئوية ذاتها". وقال المسؤول الحكومي لإنتربرايز إن تركيز الوزارة على المدى القريب ينصب على تعريف الشركات الصناعية بخطط الطاقة المتجددة والمستندات المطلوبة، بالتزامن مع وضع اللمسات النهائية على ترتيبات التمويل مع مؤسسات التنمية ومبادرات التمويل عبر اتحاد الصناعات المصرية.
رأينا: حددت مصر مستهدفات لاستخدام الطاقة المتجددة: وهي 25% للمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، و15% لباقي المنشآت. لكنها في الوقت ذاته تفتقر إلى القواعد المنظمة؛ فلا يوجد قرار أو لائحة أو حتى نظام للتحقق. كما أصبحت تكلفة الطاقة الشمسية أكثر ارتفاعا؛ لتصل إلى 20 مليون جنيه لكل ميجاوات، مقارنة بـ 14.5 مليون جنيه سابقا. فضلا عن فترات استرداد التكلفة تصبح أطول أيضا، وفي الوقت ذاته يُطلب من المصانع تحقيق مستهدف غير قابل للتنفيذ. ومن شأن إقرار نظام لتمرير الكهرباء المتولدة بالطاقة المتجددة عبر الشبكة القومية، أو نظام شهادات، أو إنجاح محادثات التمويل مع البنوك واتحاد الصناعات المصرية، أن يسد هذه الفجوة. وحتى يتحقق شيء من هذا، سيبقى أي إعلان متعلق بالطاقة الشمسية الصناعية محض توجيه غير ملزم.