تستهدف مصر تصنيع مكونات الطاقة الشمسية محليا، لكن ينقصها عنصران أساسيان: أصعب مراحل الإنتاج، والمشترون لإنتاجها الحالي. وتحذر ورقة بحثية صادرة عن بنك التعمير الألماني (كيه إف دبليو) من أن مكونات الطاقة الشمسية الصينية الرخيصة تحصر الاقتصادات النامية في مرحلة التجميع ذات القيمة المنخفضة، بينما تظل المراحل ذات القيمة العالية، مثل تصنيع سبائك ورقائق السيليكون، في حوزة الصين. وعلى مدار الأشهر الأربعة عشر الماضية، اتجهت خمس شركات صينية، وهي إيليت، وصن ريف، و"جي سي إل"، وكورنيكس، و"تي بي إي إيه"، إلى بناء مصانع لتجميع الألواح الشمسية في مصر، لكن البلاد لا تزال تواجه تحديات رئيسية.

سجلت واردات أفريقيا من الألواح الشمسية الصينية رقما قياسيا بلغ 15 جيجاوات في العام المنتهي في يونيو 2025، بزيادة قدرها 60% على أساس سنوي. وتخطت نيجيريا مصر لتصبح ثاني أكبر مستورد للألواح الصينية في القارة بعد جنوب أفريقيا، بحسب بيانات منظمة إمبر إنرجي.

ولا يزال نحو 70% من تكاليف مشروعات الطاقة الشمسية في مصر مقومة بالدولار؛ والسبب في هذا يُعزى إلى أن المرحلة ذات هامش الربح الأعلى في الإنتاج، وهي تحويل الكوارتز الخام إلى سبائك ورقائق سيليكون، ما زالت تتم بالأساس خارج البلاد. وتقف مصر حاليا في عنق الزجاجة ذاته الذي حذر منه بنك التعمير الألماني، متقدمة في ذلك على معظم الدول المدرجة في قائمة إمبر إنرجي.

تذكر: نتابع هذه الموجة منذ أكثر من عام. وتتوزع الشركات الخمس المذكورة أعلاه على 3 اتفاقيات: مصنع شركة إيليت سولار بقدرة 5 جيجاوات الذي بدأ تشغيله في يناير، ومجمع صن ريف سولار البالغة استثماراته 200 مليون دولار في العين السخنة، ومجمع الخلايا والوحدات الشمسية البالغة تكلفته 500 مليون دولار بقدرة 5 جيجاوات، التابع لشركات "جي سي إل" وكورنيكس و"تي بي إي إيه" بالتعاون مع الشريك المحلي كيميت. وهناك أيضا مشروعان آخران قريبان لكنهما لا يندرجان ضمن هذه الفئة: وهما مصنع الزجاج الشمسي التابع لمجموعة كيبينج البالغة تكلفته 685 مليون دولار في السخنة، الذي يصنع زجاج الألواح وليس الخلايا، ومشروع حكومي مرتقب بقيمة مليار دولار في الزعفرانة لتحويل الكوارتز إلى ألواح شمسية، لكنه لم يحصل بعد على تعهدات نهائية.

ولا تقتصر المشروعات الكبرى في مصر على عمليات التجميع فحسب. فقد منح مجلس الوزراء مؤخرا الرخصة الذهبية لمشروع نِفر المنيا، وهي محطة يطورها تحالف يضم إنفينيتي باور (المشروع المشترك بين مصدر وإنفينيتي إنرجي) وحسن علام للمرافق، وتعتمد المحطة على ألواح مستوردة من شركة أيكو الصينية. كما يسهم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وشركة مريديام في تمويل المشروع دون المشاركة في تطويره.

ووقعت شركة سكاتك النرويجية اتفاقية شراء طاقة لمشروع طاقة شمسية بقدرة 1.95 جيجاوات وأنظمة لتخزين الطاقة بالبطاريات بسعة 3.9 جيجاوات ساعة، ضمن ما تطلق عليه الحكومة "وادي الطاقة" الممتد عبر محافظات المنيا وقنا والإسكندرية. وستورد شركة صن جرو الصينية البطاريات من مصنع تشيده داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ليكون أول مصنع متخصص لأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات في الشرق الأوسط وأفريقيا.

بهذا يصل إجمالي الاستثمارات إلى 1.8 مليار دولار. وقد قال رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي خلال حفل التوقيع إن "توطين صناعات الطاقة المتجددة يعد ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة والتحول الأخضر". كما وصف هذا الاستثمار بأنه دليل على "ثقة الشركات العالمية في مناخ الاستثمار في مصر". وفي يناير الماضي، اجتذب مشروع فالي للطاقة الشمسية تمويلات مبدئية من بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الأفريقي للتنمية، في اتفاقيات وقعها أيضا محمد عامر، نائب الرئيس التنفيذي لشركة سكاتك لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وُضِعَ حجر الأساس لمصنع صن جرو لتخزين الطاقة بالبطاريات في 17 أغسطس بمنطقة تيدا في العين السخنة، باستثمارات قدرها 50 مليون دولار ليخلق أكثر من 100 فرصة عمل. ووصف رئيس اقتصادية قناة السويس مصطفى شيخون هذا المشروع بأنه دليل على "البنية التحتية المتطورة للمنطقة، والتكامل بين المناطق الصناعية والموانئ". وذهب وزير الصناعة خالد هاشم إلى أبعد من ذلك، إذ وصف المشروع بأنه "فصل جديد" في العلاقات الصناعية بين مصر والصين.

وأكد مسؤول حكومي لإنتربرايز أن التصنيع المحلي يعد "ركيزة أساسية" في استراتيجية الطاقة، ويرتبط بهدف الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 42%، وبلوغ قدرات توليد الطاقة المتجددة نحو 80 جيجاوات. كما تسعى مصر لزيادة نسبة المكون المحلي في صناعة الألواح الشمسية من 60% حاليا إلى 80% بحلول عام 2030. صحيح أن هذا الالتزام حقيقي ومحدد بأرقام، لكنه لا يوضح من سيشتري هذا الإنتاج في الوقت الراهن.

خلال حديثه مع إنتربرايز، أكد أيمن هيبة، المدير التنفيذي لجمعية تنمية الطاقة المستدامة (سيدا)، أن توطين الصناعة لن ينجح دون وجود سوق محلية كبيرة للطاقة النظيفة. يتطلب ذلك تحديث اللوائح وتوفير تمويلات ميسرة بفائدة تقارب 5%، تمولها الوفورات المحققة من واردات الغاز، بدلا من دعمها عن طريق الموازنة العامة للدولة. وأوضح هيبة: "نتفهم هذا التوجه، لكن ما نطلبه هو دعم الحصول على التمويل والقروض الخضراء"، مشيرا إلى أن الحكومة جمدت أي إعفاءات جمركية وضريبية إضافية بخلاف المطبق حاليا.

وثمة رقم واحد ذكره حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة كايرو سولار، يلخص الجانب المتعلق بالطلب في هذه الفجوة. تبلغ القيمة الإجمالية لواردات مصر من الألواح الشمسية نحو 150 مليون دولار، وهو رقم صغير مقارنة بما يمكن أن تنتجه هذه المصانع الجديدة. ويرى توفيق أن "السوق لا تزال صغيرة جدا مقارنة بقدرات هذه المصانع، مما يحد من التحرك في ملف توطين الصناعة". وبحسب قراءة توفيق، فإن وجهة هذا الإنتاج ستكون التصدير أولا، ثم الطلب المحلي ثانيا، على الأقل في الوقت الحالي.

أما على الجانب الآخر من هذه المعادلة، الذي يتعلق بالعرض، فلم يتحدد إطار زمني لسد هذه الفجوة أيضا. إذ إن المرحلة الثانية من مشروع صن ريف، البالغة تكلفتها 110 ملايين دولار وتهدف إلى نقل إنتاج سبائك ورقائق السيليكون إلى مصر، لم يُحدد لها موعد منذ الإعلان عنها في منتصف عام 2025. ولم توضح أي جهة، سواء الشركة أو الحكومة، موعدا لتغيير هذا الوضع.

يعد إنتاج سبائك ورقائق السيليكون المرحلة الأكثر تركزا في الصين ضمن سلسلة التوريد الخاصة بصناعة الطاقة الشمسية بأكملها، ولا يقتصر هذا على مصر. فحتى الولايات المتحدة تواجه شكوكا حول قدرة مصانعها المعلن عنها على الالتزام بالجدول الزمني المحدد لإنتاج السبائك والرقائق، رغم الدعم الذي يوفره قانون خفض التضخم وفق ما ذكرته مجلة "بي في ماجازين يو إس إيه".

وتعد احتياطيات مصر من الرمال البيضاء التي يتوفر فيها خام الكوارتز اللازم لإنتاج السيليكون المُدخل الأولي الوحيد الذي تسيطر عليه البلاد بالفعل. وقد حظرت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تصدير خام الرمال البيضاء في عام 2025 للإبقاء على هذه المادة الخام داخل البلاد. إلا أن هذا لا يعالج العقبة الحقيقية المتمثلة في تحويل تلك المادة الخام إلى سبائك ورقائق سيليكون.

نترقب في الوقت الراهن ما إذا كان هدف الوصول بنسبة المكون المحلي إلى 60-80% سيتحول إلى قرار فعلي أم سيبقى مجرد تصريحات. ولا يقتصر الأمر على هذا، فثمة تساؤلات عديدة. على سبيل المثال، هل ستُدرج سبائك ورقائق السيليكون ضمن هذه النسبة المستهدفة؟ وهل سيُحدد موعد للمرحلة الثانية من مشروع صن ريف. وأخيرا، هل ستؤخذ في الحسبان مطالبات هيبة بتوفير تمويلات رخيصة وربط مشروعات الطاقة المتجددة بالشبكة القومية؟ فهذا هو السبيل الوحيد الفعلي لخلق سوق تستوعب إنتاج هذه المصانع.

رأينا: لم تنج مصر من الفخ الذي حذر منه بنك التعمير الألماني، بل وقعت فيه مرتين: أولا عند الاكتفاء بالتجميع بدلا من توطين سلسلة القيمة بالكامل، وثانيا عند بناء مصانع دون توفير مشترين لإنتاجها. فاستهداف نسبة معينة للمكون المحلي، وحظر تصدير الرمال البيضاء، وتقديم حزم الحوافز، كلها تمثل سياسات جيدة. لكن تحولها إلى صناعة حقيقية يعتمد على أمرين غير محسومين: من سيشتري الإنتاج، ومن سيجلب صناعة سبائك ورقائق السيليكون إلى السوق المحلية.