استحوذ قطاع النفط والغاز على 4% من إجمالي انبعاثات الميثان في مصر، وهو القطاع الوحيد الذي يمتلك قراءة مرجعية للانبعاثات وفريق عمل وتمويلا من البنك الدولي. أما النسبة المتبقية البالغة 96%، الناتجة عن قطاعي المخلفات والزراعة، فإنها تفتقر إلى أي من هذه المقومات. ويظهر تقرير الشفافية الأول لمصر، الذي يصدر كل عامين، والذي قُدِّم إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في ديسمبر 2024، أن قطاع المخلفات أسهم بنسبة 66% من انبعاثات الميثان في البلاد خلال عام 2022، كما شكلت الزراعة نحو 30%. ولم يمثل قطاع الطاقة، الذي يضم النفط والغاز، سوى 4% فقط، رغم استحواذه على النصيب الأكبر من الاستثمارات والسياسات المخصصة لخفض غاز الميثان.
رب ضارة نافعة: على عكس ثاني أكسيد الكربون، يمكن وصف الميثان بأنه وجهان لعملتين؛ فعلى الرغم من أنه يعد أحد الملوثات، فهو في الوقت ذاته منتج قابل للاستخدام في مجالات مخصصة. وإذا تُرك الميثان ليتسرب إلى الغلاف الجوي، سيحبس حرارة تفوق ثاني أكسيد الكربون بنحو 80 مرة على مدار 20 عاما، مما يجعله أحد أقوى الغازات الدفيئة على المدى القريب. أما إذا احتُجز، سواء أكان هذا عن طريق مدافن المخلفات، أو مخلفات الماشية، أو العمليات البترولية، فيمكن معالجته لتحويله إلى ميثان حيوي يُستخدم في توليد الكهرباء.
قطاع البترول يمتلك زمام المبادرة: أسهمت خطة التوافق البيئي للقطاع، وتدابير كفاءة الطاقة، وممارسات الحد من الميثان في خفض الانبعاثات بنحو 1.4 مليون طن، وفق ما كشفه مسؤول حكومي بقطاع البترول لإنتربرايز. وأوضح المسؤول أن مشروعات استرداد غاز الشعلة وحدها خفضت الانبعاثات بمقدار 61.8 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع استهداف القطاع خفض 49.4 ألف طن أخرى خلال العام المقبل.
وأكد المسؤول في حديثه أن القطاع يمتلك حاليا توجيهات واضحة ترتبط بالتزامات مصر الدولية بشأن الميثان. ويبدو هذا صحيحا إذا نظرنا إلى ما لدى صندوق النقد الدولي في جعبته. فبموجب الاتفاق المرتبك بتسهيل الصلابة والاستدامة المبرم مع الصندوق عام 2025، التزمت الحكومة بإلاطار الدولي لشفافية العمل المناخي عبر إنشاء نظام للقياس والإبلاغ والتحقق يغطي انبعاثات حرق الغاز والميثان، إلى جانب قرار مرتقب يلزم الشركات بتقديم مستهدفات لخفض الانبعاثات، مع تطبيق غرامات على المخالفين بعد فترة سماح تمتد لعامين. ولا يزال التمويل الركيزة الأساسية للتوسع في تكنولوجيات خفض الانبعاثات، بالتوازي مع تقدم التعاون المشترك مع شركاء القطاع الخاص.
تقييم البنك الدولي للقطاع يتوافق مع الأرقام الحكومية: في وثيقة مشروع تعود إلى مايو 2025 حصلت عليها إنتربرايز، يُقدر البنك الدولي أن العمليات التشغيلية لقطاع النفط والغاز في مصر تولد 41 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وتستحوذ عمليات التنفيس والتسريب على نحو 48% من هذه الانبعاثات، في حين يمثل حرق غاز الشعلة 14% أخرى. ويمكن خفض ما يصل إلى 7 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون على المدى القصير إلى المتوسط. وقد أكد البنك هذا التقييم في تقريره السنوي المرحلي الخاص بالشراكة العالمية لخفض حرق الغاز والميثان، الذي أشار فيه إلى مساعدته مصر في تحديد ومنح الأولوية لمشروعات خفض حرق غاز الشعلة والميثان للحصول على تمويلات في شكل منح.
قدمت وزارة البترول من جانبها أربعة مقترحات ذات أولوية إلى الشراكة العالمية لخفض حرق غاز الشعلة والميثان التابعة للبنك الدولي. وتستهدف المقترحات معالجة انبعاثات الميثان في عمليات الاستكشاف والإنتاج عبر تركيب وحدات استرداد الأبخرة على صهاريج التخزين، واسترداد الغاز المصاحب الذي كان سيُحرق لولا ذلك، وتركيب أنظمة قياس دائمة لانبعاثات غاز الشعلة، وإطلاق برنامج وطني لاكتشاف التسربات وإصلاحها. ومن المقرر أن يؤسس هذا البرنامج فريق عمل متخصصا داخل مركز التميز للتحول الطاقي التابع للوزارة.
في حديثه مع إنتربرايز، قال إبراهيم فاروق، الرئيس التنفيذي لشركة بيو روتردام: "قطاع البترول ناضج مؤسسيا". وأوضح أن شركات القطاع تمتلك هياكل تنظيمية ومؤشرات أداء رئيسية قابلة للقياس، مما يجعل تتبع الانبعاثات ممكنا قبل وبعد تنفيذ أي مشروع لخفض الميثان.
يمتلك قطاع المخلفات التكنولوجيا المطلوبة. بيد أنه يفتقر إلى الهيكلة؛ إذ يمكن احتجاز غاز الميثان الناتج عن المخلفات العضوية من خلال مدافن المخلفات الهندسية أو وحدات الهضم اللاهوائي، ثم استخدامه غازا حيويا لتوليد الكهرباء أو الحرارة. غير أن العائق يكمن في التشتت الذي يعانيه قطاع المخلفات بين المحليات والشركات الخاصة، مما يصعّب تنسيق العمل المنسق مقارنة بقطاع البترول، الذي يشهد تكاملا بين عدد محدود من الكيانات الكبرى، والتمويل الكافي، والاهتمام الدولي.
قال فاروق: "ما نفعله حاليا هو مجرد السيطرة"، من خلال عزل المخلفات داخل أنظمة تلتقط الغاز بدلا من تركه يتحلل ويتسرب إلى الغلاف الجوي. وتتطلب الخطة التي يفضلها، التي تتمثل في التقاط الغاز من مدافن المخلفات الهندسية، تطوير معظم نقاط التجميع غير الرسمية الحالية كي تتوافق مع معايير أخرى غير التي صُممت لتلبيتها في الأساس. وقد يساعد تطبيق نظام الفصل من المنبع، لكنه متعثر منذ سنوات لغياب الحوافز الحقيقية. ويؤكد فاروق أن الاحتياجات الحقيقية للقطاع هي القروض الميسرة، والإجراءات المبسطة، والإعفاءات الضريبية، أو الأدوات التمويلية الأخرى. أي أنه يحتاج إلى الظروف ذاتها، التي يحظى بها قطاع البترول ويفتقر إليها قطاع المخلفات.
التمويل هو معضلة القطاع البيئي أيضا: تسبب بطء إتاحة التمويل المناخي العالمي في الضغط على وتيرة تنفيذ المشروعات البيئية، وفق ما قاله مسؤول حكومي بقطاع البيئة لإنتربرايز، مشيرا إلى أن توفر المزيد من التمويل قد يسرّع عجلة التقدم نحو تحقيق هدف خفض انبعاثات الميثان بنسبة 30% بحلول عام 2030 بموجب التعهد العالمي.
تشكل الزراعة الضلع الثالث.. بل والأقل حظا من الاهتمام: تمثل الماشية (بسبب التخمر المعوي وإدارة المخلفات الحيوانية) وزراعة حقول الأرز مجتمعة نحو 30% من انبعاثات الميثان في مصر، وفقا لتقرير الشفافية. وعلى النقيض من قطاع البترول، لا يمتلك قطاع الزراعة فريق عمل موازيا، ولا توجد آلية تمويل مرتبطة بالبنك الدولي، ولا تظهر أي برامج وزارية معلنة في الوثائق الرسمية للحد من الانبعاثات. تتوفر مسارات الخفض عالميا، مثل إضافات الأعلاف، وتطبيق استراتيجيات التناوب بين الترطيب والتجفيف لزراعة الأرز، وتحسين إدارة المخلفات الحيوانية، لكن تطبيقها في القطاع الزراعي شديد التشتت يصطدم بنفس العقبات الهيكلية التي يواجهها قطاع المخلفات، بل وبشكل أكثر حدة.
رأينا: لم تتخلف مصر عن الوفاء بتعهداتها بشأن الميثان، لكنها نجحت فقط في اجتياز الجزء الأسهل من الاختبار. فقد تصدر قطاع البترول المشهد نظرا إلى أن انبعاثاته أسهل في القياس، ومشروعاته أسهل في التمويل، وشركاته أسهل في الخضوع للتنظيم والرقابة. ولكن أين تكمن المشكلة؟ لا يزال قطاع المخلفات بحاجة إلى مؤسسات أقوى، ومزيد من استثمارات القطاع الخاص، وتجميع أفضل للمشروعات قبل أن يتمكن من اللحاق بالركب؛ فهو يفتقر إليها مع أنه المصدر الأكبر لانبعاثات الميثان في البلاد. من المؤكد أن استراتيجيتنا الخاصة بانبعاثات الميثان لا تظهر إخفاقا في تحقيق مبتغاها، لكنها صُممت لتلائم المسار الأسهل منذ البداية.